صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب البنى الأولية للقرابةLes structures élémentaires de la parentéضمن سلسلة "ترجمان"، من تأليف كلود ليفي شتراوس.
صدر هذا الكتاب عام 1949، وهو أول دراسة تركيبية لما تطلق عليه الأنثروبولوجيا اسم "القرابة"، وفيه يجمع ليفي شتراوس بين الإشكاليات اللغوية التي تثيرها القرابة، والإشكاليات الاجتماعية بالمعنى الدقيق، المرتبطة بالزواج والنسب، فضلًا عن الإشكالية ذات الطابع النفسي البارز؛ تحريم زنا المحارم، التي كان فرويد قد أثارها في عصره. ويقوم التبادل الزواجي، من خلال الرابطة التي يُنشئها التنازل الذي يفرضه التبادلُ نفسُه، في أساس كل مجتمع بشري. فهو يؤشر إلى الانتقال من "الطبيعة" إلى "الثقافة"، وملازم للنظام الاجتماعي. ويمثل هذا العملُ الأساسي المرحلةَ الأولى من مشروع فكري أسّس للبنيوية في الأنثروبولوجيا، وإنْ لم يسمح هذا المشروع لنفسه قطُّ بأنْ يُختزل في هذه التسمية.
يستلهم الكتاب، إلى جانب اللسانيات، أعمال الأنثروبولوجيا الأنكلوسكسونية، وبعض كتابات مدرسة الحولية السوسيولوجية L’Année sociologique، ولا سيما مقالة في الهبة Essai sur le don لمارسيل موس، والفئات الزواجية Les Catégories matrimoniales لمارسيل غرانِيه، أكثر مما يستلهم تقليدًا إثنوغرافيًّا فرنسيًّا كان لا يزال في طور التشكّل. وفي هذه المقارنة الواسعة، يحاول ليفي شتراوس أن يجمع، ضمن نسق تفسيري واحد، "فسيفساء" متنوعة من السلوكيات الزواجية التي لوحظت في المجتمعات البشرية.
في الفصول الأولى، يتساءل المؤلف عن المكانة الملتبسة لقاعدة تحريم سفاح القربى؛ إذ يقابل بين عالمية الظواهر الطبيعية وتنوع الوقائع الثقافية المميز ذات الحدود المتغيرة، على الرغم من عالميتها.
وبعيدًا عن النظريات الفيزيولوجية أو النفسية السائدة في عصره، يتبنى ليفي شتراوس رؤية سوسيولوجية بالمعنى الدقيق لهذه الظاهرة، التي يعتبرها ظاهرة بشرية بامتياز (على الرغم من أنه سيخفف من حدّة هذا الموقف). ويرى في هذا التحريم الآلية التي تؤسس للانتقال بين نظامين؛ "وقائع الطبيعة" و"وقائع الثقافة".
ففي حين أن جميع جوانب النسب البيولوجي محددة طبيعيًا، فإن المصاهرة لا تخضع لهذا التحديد إلا جزئيًّا. فهي تستجيب للمقتضى العالمي الذي يحكم اتحاد الجنسين من جهة، لكنها تشهد على "عدم اكتراث الطبيعة" إزاء طرائق اختيار الشركاء من جهة أخرى؛ إذ "تفرض الطبيعة المصاهرة من دون تحديدها". وهذا "الشكل الفارغ"، الذي تتركه الأنواع الأخرى شاغرًا، سيعمل الإنسان العاقل Homo sapiens، دائمًا، وفي كل مكان، على مَلْئِه وإكسابه قواعد ثقافية تحدّد المحظورات المتعلقة بسفاح القربى.
وهذه المحظورات، في نظر المؤلف، ليست إلّا التعبير السلبي عن التزام إيجابي أساسي؛ هو التبادل. فأنْ يمنع المرء نفسه من الوصول إلى نساء جماعته يعني إلزامَ نفسه بالزواج من نساء من عائلات أخرى؛ ومن ثمّ التنازل عن نساء جماعته في مقابل ذلك. وهذا التبادل وحده هو الذي يتيح إقامة علاقة دائمة بين جماعات بشرية كان مصيرها، لولاه، العزلة والصراع. ومن هذا المنظور، تبدو البنى الأولية نموذجية؛ فهي، خلافًا للبنى المعقدة، لا تكتفي بقاعدة سلبية تحدد المحظورات، بل تقرن بها قاعدة إيجابية لتحديد الزوج أو الزوجة.
ويبحث هذا الكتاب، أيضًا، في طرائق هذه التبادلات، مستعينًا بأمثلتها من المجتمعات الأصلية في أستراليا. وفي القسم الثاني من الكتاب، يستعين المؤلف بأمثلة أخرى متعلقة بالعمل من خلال مجتمعات جنوب آسيا والصين والهند. وفي هذا السياق، يميّز بين نموذجين رئيسَين من التبادل؛ التبادل المحصور والتبادل المعمَّم. يعبّر النموذج الأول عن إرادة تحقيق المعاملة بالمثل بطريقة فورية؛ إذ تُبادَل امرأة بامرأة بين جماعتين من الشركاء. أمّا النموذج الثاني، فيفترض وجود ثلاث وحدات تبادلية على الأقل (أو جماعتين فحسب، إذا كان ردّ التبادل مؤجلًا زمنيًّا)، ويقيم تمييزًا بين "متلقِّين للنساء"، و"واهبين للنساء". أمّا خاتمة الكتاب، فهي تتيح مجالًا لذلك السؤال الواسع المتعلق بالانتقال من البنى الأولية إلى البنى المعقدة.
كان للفرضيات التي طوّرها هذا الكتاب تأثير بالغ الأهمية في الأنثروبولوجيا الفرنسية، وعلى نحو أقلّ في الأنثروبولوجيا البريطانية، ولا سيما من خلال كتابات رودني نيدهام وإدموند ليتش. غير أنّ الإفراط في استخدام وصف "البنيوي"، وانتقادات مؤلفين، مثل ديفيد شنايدر، شكّكوا في صلاحية المقاربة الكلية ذاتها في هذا المجال، أسهمَا تدريجيًّا في إضعاف الاهتمام بهذا الحقل من الدراسات الذي شهد، خلال العقود الممتدة من السبعينيات إلى التسعينيات، فترةً طويلة من التراجع.
ومع ذلك، فإن أصالة المنهج الذي تقوم عليه "البنى"، واتساعه النظري، يضمنان استمرار تأثيره. فما زال الكتاب يقدّم مثالًا مميِّزًا من الأمثلة الدالّة على برهان ينطلق من موضوع دقيق ومتخصص ليصل إلى تأمُّل بالغ العمومية؛ من قبيل البحث في نشأة "الرابطة الاجتماعية".