بدون عنوان

د. عزمي بشارة
د. عزمي بشارة
المحاضرة
المحاضرة
من المحاضرة
من المحاضرة

​​​​ألقى الدكتور عزمي بشارة، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في نهاية أعمال اليوم الأول من المنتدى السنوي لفلسطين في دورته الرابعة، محاضرةً عامةً حملت عنوان "المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي/ العربي الراهن"، وخُصّصت لمراجعة نقدية شاملة لمسار المشروع الوطني الفلسطيني، في ضوء التحولات العميقة التي شهدتها القضية الفلسطينية، ولا سيما بعد حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، وتداعيات عملية طوفان الأقصى.

استهلّ بشارة محاضرته بالتذكير بأنّ المركز العربي للأبحاث دأب، منذ أكثر من عقد، على تناول سؤال المشروع الوطني الفلسطيني في سياقات أكاديمية متعدّدة، وأشار إلى مؤتمري عامي 2013 و2015 اللذين خُصّصا لمناقشة مستقبل هذا المشروع. ولفت إلى أنّه "من الصعب تخيّل ظرفٍ أصعب من ظرفنا الحالي لمناقشة هذا الموضوع، وقول شيء يشق فسحةً للأمل في أفق يبدو منسدًّا". واعتبر أن انعقاد المنتدى بعد حرب الإبادة يمثّل مناسبةً "لعودة حذرة" إلى سؤال المشروع الوطني في خضم التحولات الكبرى التي يعيشها الشعب الفلسطيني وقواه السياسية، وفي ظل "الضم الزاحف للضفة الغربية، ومحاولات التصفية السياسية".

في التأطير النظري، توقّف بشارة عند ما وصفه بـ "المطابقة الرائجة بين المشروع الوطني والبرنامج السياسي"، محذّرًا من اختزال المشروع الوطني في بعده البرنامجي فقط؛ إذ أكد أنّ "البرنامج مكوّن رئيس في أي منظومة سياسية تستحق أن تُسمّى مشروعًا وطنيًا، لكن التعريف يبقى منقوصًا إذا اقتصر عليه ولم يشمل البنى التنظيمية وحوامل البرنامج الاجتماعية". وشدّد على أنّ "الأهداف السياسية يمكن أن ترد في مقال أو خطاب، لكن ورودها هذا لا يجعل منها مشروعًا وطنيًا"، موضحًا أن المشروع الوطني "يشمل الأهداف والقوى الحاملة لها، والمؤهلة لادعاء تمثيل الشرعية الوطنية".

وانتقل إلى تحليل خصوصية الحالة الفلسطينية، مبيّنًا أنّ السياقين الإقليمي والدولي اكتسبا في التجربة الفلسطينية "أهمية تفوق أهميتهما في حالات حركات التحرر الوطني الأخرى"، نظرًا إلى تشابك القضية الفلسطينية مع الاستعمار الأوروبي، والمسألة اليهودية في أوروبا، والمسألة العربية، ونشوء الدول العربية المستقلة، إضافة إلى "العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والحرب الباردة، ثم النفوذ الأميركي المتعاظم في الإقليم". وأكّد أنّ هذا السياق لم يكن عاملًا خارجيًا ثانويًا، بل شكّل أحد المحددات الحاسمة لمسار المشروع الوطني الفلسطيني وبرنامجه السياسي وحوامله الاجتماعية.

وفي تناوله للتاريخ السياسي الفلسطيني، خصّص بشارة جزءًا مهمًا من محاضرته لمناقشة مكانة الكفاح المسلح ضمن المشروع الوطني الفلسطيني، موضحًا أنّ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية جاء تأكيدًا على "الكيانية الفلسطينية الواحدة" بعد نكبة عام 1948، وفي سياق صراع عربي – إسرائيلي كانت فيه فلسطين "الأرض العربية المحتلة الوحيدة". وبيّن أنّ هزيمة عام 1967 وما نجم عنها من احتلال ما تبقّى من فلسطين "فرضت حوامل سياسية جديدة للمشروع الوطني سيطرت على منظمة التحرير، وهي فصائل الكفاح المسلح"، التي اعتبرت، في حينه، أن "الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحقيق البرنامج".​


مع ذلك، شدّد بشارة على أنّ هذه المقولة لم تُنتج، في الواقع، استراتيجية فعلية لتحرير فلسطين، ولاحظ أنّ الكفاح المسلح "لم يُقيَّم يومًا على أساس ارتباطه بتحقيق البرنامج السياسي​"، ​بل جرى الاحتفاء به بوصفه حاملًا للهوية والروح التحررية. ولفت إلى صعوبة إجراء تقييم تاريخي نقدي لهذه المرحلة، بسبب "الهالة القدسية التي تحيط بالموضوع، واختلاطه بالهوية الجماعية"، مميّزًا بين الذاكرة بوصفها "انتقائية الحفظ والنسيان"، والتاريخ بوصفه مجالًا للتفسير والفهم انطلاقًا من الحاضر.

وتابع بشارة تحليله بالوقوف عند التحولات الكبرى التي فرضها مسار "الأرض مقابل السلام" بعد حرب عام 1973 واتفاقيات كامب ديفيد، والتي أدّت إلى خروج مصر من ساحة الصراع، وإغلاق الجبهات العربية أمام الكفاح المسلح الفلسطيني. وأوضح أنّ انتقال مركز الثقل في المواجهة من العمل المسلح خارج فلسطين إلى النضال الجماهيري داخلها توّج بالانتفاضة الشعبية الأولى، وترافق مع تحوّل جوهري في البرنامج السياسي لمنظمة التحرير، وصولًا إلى إعلان الدولة الفلسطينية عام 1988، ثم مسار أوسلو وما نتج منه من "تغيير كامل في المشروع الوطني".

وفي هذا السياق، أشار بشارة إلى أنّ نشوء السلطة الفلسطينية، ثم الانقسام بين سلطتين في الضفة الغربية وقطاع غزة، أدّيا إلى "تفكك المشروع الوطني الفلسطيني"، وتحويل منظمة التحرير عمليًا إلى "دائرة ضمن السلطة"، مقيّدة باتفاقيات أوسلو والتزاماتها الأمنية. واعتبر أنّ هذا الانقسام كان من أبرز أسباب تهميش القضية الفلسطينية دوليًا، وفتح المجال أمام إسرائيل لمواصلة الاستيطان، وشنّ الحروب المتكررة على قطاع غزة.

وفي القسم الأبرز من محاضرته، توقّف مطولًا عند عملية "طوفان الأقصى" وتداعياتها، معتبرًا أنّ "الرد الإسرائيلي على العملية حوّل الحدث إلى زلزال افتتح مرحلة جديدة"، في فلسطين والمنطقة، وفي النظام الدولي. وأوضح أنّ إسرائيل، بدعم أميركي وتواطؤ دولي، شنّت "حرب إبادة شاملة" على قطاع غزة، تهدف إلى "تهجير الفلسطينيين وفرض تغيير اجتماعي واقتصادي وسياسي جذري"، أو تحويل غزة إلى "جيب سكاني منزوع الكيانية الوطنية".

وحذّر بشارة من أنّ الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية بعد هذه الحرب انقسم إلى مسارين: أولهما، مسار احتوائي رسمي، يسعى إلى إدارة الأزمة إنسانيًا أو إداريًا، من دون أي أدوات ضغط حقيقية لوقف الحرب أو إنهاء الاحتلال. وثانيهما، مسار حركات التضامن العالمية، التي وصفها بأنها "الأوسع والأعمق منذ عام 1948". لكنه شدّد على أنّ هذه الحركات، على أهميتها، "لا يمكن أن تحل محل مشروع وطني فلسطيني واضح"؛ لأن غياب هذا المشروع هو "العائق الرئيس أمام تحويل التضامن العالمي إلى قوة سياسية مستدامة".

في هذا الإطار، أكّد بشارة على أنّ ما يجري تشييده اليوم في فلسطين هو "نظام فصل عنصري من نوع خاص"، مشيرًا إلى أنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية "تُصرّح بوضوح أنها لن تقبل بأي انسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967"، وأنها ترضى، في أحسن الأحوال، بـ "سلطات فلسطينية وظيفية في إطار السيادة الإسرائيلية". ورأى أنّ الحديث الدولي المتكرر عن حل الدولتين بات "ضريبة كلامية"، في ظل غياب أي استعداد لاتخاذ خطوات عملية تفضي إلى قيام دولة فلسطينية.

وخلص بشارة إلى أنّ التحرر الوطني الفلسطيني اليوم يعني التحرر من نظام الفصل العنصري، وأن هذا التحرر قد يقود إلى دولة فلسطينية مستقلة، أو إلى نظام ديمقراطي قائم على المواطنة في فلسطين التاريخية، لكن "لا يوجد حاليًا برنامج سياسي واستراتيجية تقود إلى أيٍّ من هذين النموذجين من دون مشروع وطني عنوانه الصراع ضد نظام الأبارتهايد". وشدّد على أنّ المشروع الوطني "لا يقتصر على الهدف السياسي، بل يشمل القوى الاجتماعية والسياسية المنظمة الحاملة له"، معتبرًا أنّ التحدي الراهن يكمن في تشكّل هذه القوى وبناء مؤسسة سياسية جامعة.

وفي ختام محاضرته، دعا بشارة إلى التمييز الضروري بين إدارة شؤون السكان في ظل الاحتلال، بوصفها ضرورة حياتية، وبين القيادة السياسية التحررية، التي يجب أن تبقى بمنأى عن أي التزامات أمنية أو سياسية مع الاحتلال. وأكد أنّ غياب مشروع وطني تحرري جامع "يحوّل الجدلية بين الوطني والمدني إلى صراعات على السلطة قبل التحرر"، وهي الديناميكية التي "قادت إلى ما نحن فيه منذ اتفاقيات أوسلو".