بدون عنوان

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد الحادي عشر (خريف 2025) من دورية حِكامة المتخصصة في الإدارة العامة والسياسات العامة. يتضمّن العدد ملفًّا خاصًّا بعنوان "حوكمة قطاع الدفاع والأمن والاستخبارات في البلدان العربية"، حرّره مهند سلوم، ويشتمل على ست دراسات، إلى جانب تقديم لرئيس تحرير الدورية عبد الفتاح ماضي. وفي العدد دراسة عن تمويل العمل المناخي، وترجمة عن العلاقات المدنية - العسكرية وتجدد الحروب الأهلية، فضلًا عن مراجعتَي كتاب، وأربعة عروض كتب وتقارير صدرت حديثًا.

يبيّن عبد الفتاح ماضي، في تقديم ملف العدد بعنوان "نحو مقاربة عربية لحوكمة مؤسسات الدفاع والأمن والاستخبارات"، أنّ الملف ينطلق من اعتبار أن مؤسسات الدفاع والأمن والاستخبارات تنتمي إلى مجالَي الإدارة العامة والسياسات العامة، بوصفها مؤسسات رسمية تخضع لمبادئ التنظيم وإدارة الموارد والرقابة. ويُنظَر إلى إدارة هذا القطاع من خلال منطق صنع السياسات العامة، عبر تحديد مصادر التهديد وصياغة الاستراتيجيات وتخصيص الموارد وتنفيذ البرامج وتقييم الأداء. ويؤكد ضرورة تحقيق توازن دقيق بين مقتضيات السرّية ومتطلبات الأمن القومي، من جهة، ومبادئ الحكم الرشيد والمصلحة العامة، من جهة أخرى. وانطلاقًا من ذلك، يدعو إلى فتح نقاش مسؤول حول حوكمة مؤسسات هذا القطاع، يعزّز الرؤية الوطنية والأولويات الاستراتيجية، ويتجاوز حدود الغرف المغلقة واعتبارات الحكومات المتعاقبة أو أحزاب الأغلبية أو الترتيبات الانتقالية.

ويجادل حسن الحاج علي، في دراسته بعنوان "الهجنة العسكرية في السودان وتحديات إصلاح القطاع العسكري"، بأنّ الإشكالية الجوهرية في الحالة السودانية تتمثل في أن أيّ محاولة لإصلاح القطاع العسكري تصطدم ببنية نظام هجين تتداخل فيه المؤسسات النظامية مع قوات موازية، وفي مقدمتها قوات الدعم السريع؛ وقد أفضى هذا الوضع المركّب إلى جعل مهمّة بناء جيش وطني موحّد التحدي الأكبر أمام مسار الانتقال السياسي. ويرى أن هذا الوضع المركّب يمثّل خصوصية الحالة السودانية، إذ يتجلى في الوضع "الرمادي" لقوات الدعم السريع التي لم تخضع خضوعًا كاملًا لسلطة الحكومة ولم تنفصل عنها تمامًا، ما أوجد بنية هجينة تعطّل أيّ مسار فعّال لإصلاح القطاع الأمني. ويخلص إلى أن محاولة فرض إصلاح عسكري من الخارج، من دون تحقيق سلام شامل ومستدام في جميع مناطق السودان، ستظل مسعى غير مُجدٍ.

ويطرح رشاد توام، في دراسته بعنوان "حوكمة الأوامر العليا: مدخل لحوكمة القطاع الأمني عبر تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون"، أن الانضباط العسكري القائم على تنفيذ الأوامر من دون نقاش يتطلّب إطارًا واضحًا يحدد ما يجوز تنفيذه وما يجب رفضه، بما يسمح بالتمييز بين الأوامر المشروعة وتلك المخالِفة للقانون ومعايير حقوق الإنسان. ويرى أنّ غياب منظومة حوكمة واضحة للأوامر العليا يضع المرؤوسين أمام معضلة دائمة؛ فهم بين التعرّض للعقاب، في حال رفض تنفيذ أمر غير قانوني، أو الوقوع في انتهاك صريح للقانون وحقوق الغير، إن هم امتثلوا له. ومن ثمّ، يخلص إلى أن حوكمة هذه الأوامر تمثّل مدخلًا أساسيًا لإصلاح القطاع الأمني وتعزيز مهنية مؤسساته، كما تُعدّ أمرًا جوهريًا لترسيخ الشرعية وحكم القانون وصون حقوق الإنسان. وبالاستناد إلى المعايير الدولية وتجارب عدد من الدساتير الوطنية، يقدّم الباحث مجموعة من الضوابط والضمانات المقترَحة لتحقيق هذه الحوكمة. 

ويناقش مهند سلوم، في دراسته بعنوان "الاستخبارات والحكم في العراق: من الاستبداد إلى التفكك"، واقع أجهزة الاستخبارات العراقية، مشيرًا إلى أن التفكك البنيوي الذي تعانيه هذه المؤسسات يشكّل عائقًا رئيسًا أمام ترسيخ الحكم الرشيد وتحقيق الاستقرار في مرحلة إعادة بناء الدولة. ويشدد على أن مرحلة ما بعد عام 2003 أفرزت جهازًا هشًا ومتعدد الولاءات، ما أضعف الأداء الأمني وأثّر سلبيًا في ثقة المواطنين بالدولة. ومن خلال تحليل العوامل البنيوية والسياسية والقانونية والتحديات الأمنية والتدخلات الخارجية، يخلص إلى أن إصلاح هذا القطاع بات ضرورة ملحّة تستوجب معالجة الاختلالات الهيكلية، والالتزام الصارم بالقوانين، وتأهيل كوادر مهنية قادرة على أداء مهماتها بكفاءة، وأنّ إعادة الهيكلة على أساس الجدارة وتعزيز الشفافية وتفعيل الرقابة والمساءلة المستمرة تُعدّ خطوات أساسية لتقوية المؤسسات وترسيخ وطنيتها واستعادة ثقة المواطنين.

ويتناول محمد العوفي، في دراسته بعنوان "الجيش والسياسة في تونس: بين التسييس والخضوع للرقابة المدنية (منظور مؤسسي)"، تحولات موقف الجيش التونسي من الشأن السياسي منذ عام 1956، مجادلًا بأنّ تدخّل الجيش في السياسة منذ عام 2019 استدعى إعادة النظر في فرضية احترافيته العسكرية، التي نُظر إليها سابقًا بوصفها سمة ثابتة. ويشير إلى أن النخبة السياسية التونسية فشلت في احتواء الطموح السياسي للجيش بعد المرحلة الانتقالية منذ عام 2011، نتيجة صراعاتها على السلطة ومحاولات بعض أطرافها استمالة المؤسسة العسكرية، إلى جانب عجزها عن ترسيخ الرقابة المدنية والتنفيذية والبرلمانية عليها. ويخلص إلى أن الجيش، بعد تخلّيه عن القيود الأمنية الصارمة بعد عام 2019، اختار الاصطفاف إلى جانب الرئيس، في حين تظل أدواره المستقبلية في المشهد السياسي التونسي غير مستقرة ومحفوفة باللايقين.

ويناقش مصعب الشوابكه وحارث الطوس، في دراستهما بعنوان "من الثكنة إلى البرلمان: سياسات الاستيعاب والاحتواء تجاه المتقاعدين العسكريين في الحياة النيابية الأردنية (1989-2024)"، الدور الذي أدّاه المتقاعدون من المؤسستين العسكرية والأمنية في الحياة النيابية الأردنية، من خلال عضويتهم في مجلس النوّاب، في الفترة 1989–2024، مع التركيز على العوامل التي أسهمت في تعزيز حضورهم خلال لحظات تاريخية مفصلية، لا سيما منذ اندلاع الربيع العربي. ويرصد الباحثان تطور تمثيل النواب العسكريين في البرلمان وخلفياتهم وحجم كتلتهم التصويتية في الانتخابات البرلمانية، إضافةً إلى تحليل سلوكهم النيابي. ويخلصان إلى أن السلطة انتهجت سياسة استيعاب المتقاعدين العسكريين واحتوائهم بعد ظهور نواة احتجاجية بينهم، مستفيدةً من حضورهم النيابي لتعزيز أدوات الحكم، ودعم السياسات الحكومية، والحدّ من الضغوط الرقابية عليها.

ويتساءل لؤي عبد الفتاح، في دراسته بعنوان "الاستخبارات وصنّاع القرار في العالم العربي: تشخيص العلاقة وضوابط الحوكمة الديمقراطية"، عن طبيعة العلاقة بين أجهزة الاستخبارات وصنّاع القرار في العالم العربي، ومدى توافقها مع الشروط والمحددات التي تقتضيها النظم الديمقراطية والممارسات الفضلى. ويبحث في السمات التي باتت تميّز هذه العلاقة منذ عام 2011، وفي سبل تطويرها بما يعزز البعد الديمقراطي ومتطلبات الحوكمة الرشيدة. ويذهب الباحث إلى أنّ العلاقة بين أجهزة الاستخبارات وصنّاع القرار ما تزال علاقة مشوّهة ومثقَلة بالتسييس وغياب الاستقلالية والحياد، إلى جانب ضعف آليات الرقابة المؤسسية. ويضيف أنّ هذه الأجهزة، على الرغم من استفادتها مهنيًا وعملياتيًا من التحديات الأمنية المعولمة ومن خبرات مرحلة ما بعد عام 2011، ما تزال عقائدها التنظيمية راسخة وغير قابلة للتحول؛ إذ إنّ منظومات الحكم الراسخة وما يرتبط بها من قواعد وممارسات تُبقي تلك الأجهزة أسيرة شبكة المصالح والامتيازات التي توفر لها الحماية.

ويتضمن باب "دراسات" دراسة لمحمد صدوقي بعنوان "تمويل العمل المناخي ومرونة المجتمعات المحلية في البلدان العربية"، يركّز فيها على التفاعل بين استراتيجيات التمويل والحَوكمة المناخية المحلية، وعلى قدرة المجتمعات العربية على التكيّف مع التغيّر المناخي. ويجادل الباحث بأنّ المجتمعات العربية، على الرغم من كونها من الأشد تأثرًا بتداعيات التغيّر المناخي، تبقى من بين الأقل قدرة على مواجهته، مُرجعًا ذلك إلى محدودية التمويل المناخي وضعف آليات التنسيق والحوكمة على المستوى المحلي، وهو ما يجعل السياسات المعتمدة غير كافية لتعزيز القدر المطلوب من المرونة في مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

أما في باب "دراسة مترجمة"، فقد ترجمت هيئة التحرير دراسة للويس-ألكسندر بيرغ بعنوان "العلاقات المدنية - العسكرية وتجدد الحروب الأهلية: القوات الأمنية في سياسة ما بعد الحرب"، تناقش دور العلاقات المدنية - العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب بوصفها أداة محورية لإرساء السلطة وإعادة تشكيل موازين القوة. وتُبرز الدراسة أثر مسارات إعادة هيكلة القوات الأمنية في احتمالات تجدّد الصراع الأهلي، بما يتجاوز التركيز التقليدي على مسألة الدمج العسكري وحدها. وتُظهِر أن تجدّد الحرب الأهلية يرتبط بثلاثة مسارات رئيسة داخل قوات الأمن: إقصاء الفصائل المناوئة، واستغلال الموارد لتعزيز القدرة على مواجهة النظام، وتصعيد التمرّد نتيجة اتساع سياسات القمع. وتخلص إلى أن تنويع التعيينات القيادية وتعزيز الرقابة المدنية يسهمان في خفض احتمالات عودة الصراع.

ويتضمّن باب "مراجعات كتب" مراجعتَين: الأولى قدّمها مهند سلوم لكتاب "الذكاء الاصطناعي والأتمتة والحرب: صعود المجمّع العسكري التقني"، والثانية أعدّها سعود آل إسحاق حول كتاب "وزارة الاستخبارات الإيرانية: تاريخ موجز". أما باب "عروض" فيضمّ أربعة عروض أعدّتها هيئة التحرير، وهي: "الدليل البحثي في العلاقات المدنية - العسكرية"، و"مؤشر العسكرة العالمي 2024"، و"اتجاهات الإنفاق العسكري العالمي لعام 2024"، و"إتاحة الوصول إلى المعلومات: الموازنة بين الأمن القومي والشفافية في قطاع الدفاع".

** تجدون في موقع دورية "حكامة" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.