صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد الرابع والسبعون من الدورية العلمية المحكّمة "سياسات عربية"، التي تُعنى بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية، وتصدر كل شهرين. ويضمّ العدد ملفًّا خاصًّا بعنوان: "قضايا في السياسة والفكر السياسي بعد الثورات العربية"، يتضمّن أربع دراسات، إضافةً إلى تقديمٍ لمحرر العدد عماد العلي. ويشتمل العدد على ترجمةٍ وتوثيق لأهم "محطات التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي" ووثائقه و"الوقائع الفلسطينية"، إلى جانب مراجعة كتاب.
يبيّن عماد العلي، في مقدمته لملف العدد، "السياسة عربيًا: أزمتا الواقع والنظرية"، أنّ هذا العدد يسعى إلى مقاربة الأزمة التي تعيشها السياسة عربيًا، من خلال إعادة فتح النقاش حول قدرة الفكر السياسي العربي على فهم التحولات الراهنة. ويرى أن الإشكال لا يكمن في تعقيد الأوضاع السياسية فحسب، بل أيضًا في قصور بعض الأطر النظرية التقليدية عن مواكبة مفاهيم جديدة تتصل بالدولة والحكم والمواطنة والسيادة. ويؤكد أن مساهمات هذا العدد تتجه إلى نقد مسلّمات الحقل السياسي العربي، واقتراح مقاربات أكثر تحررًا من الاستقطاب الأيديولوجي، وأكثر اتصالًا بالواقع، بما يمهّد لبناء نظرية سياسية عربية قادرة على تفسير التحولات وصياغة أسئلة جديدة للنقاش العام.
ويجادل محمد بامية في دراسته، "المعرفة العفوية وروح الثورة"، بأنّ "المعرفة العفوية" تمثّل مدخلًا أساسيًا لفهم مسارات الثورات العربية، لأنها تعبّر عن رؤى الناس العاديين تجاه السياسة والمجتمع خارج الأطر الأيديولوجية الجامدة. ويطرح أنّ هذه المعرفة تؤدي دورًا بديلًا من الأيديولوجيا، لأنها تتعامل مع الظواهر السياسية والاجتماعية انطلاقًا من التجربة اليومية ومن انعدام الثقة بالنخب. ويخلص إلى أن تحليل الفكر العفوي ضروري لفهم العلاقة بين الثورتَين الاجتماعية والسياسية، إذ إن انفصالهما أتاح مساحاتٍ أوسع لصعود الشعبوية وتشكّل الولاءات العابرة، وفتح المجال أمام الثورة المضادة لتعزيز حضورها.
ويتناول نبيل فازيو في دراسته، "العدل وأزمة ’النظرية السياسية‘ في الفكر السياسي العربي المعاصر: في الحاجة إلى التسويغ"، مفهوم العدل في الفكر العربي، موضحًا أن المشكلة الأساسية تكمن في استمرار التعامل مع العدل بوصفه فكرة مجردة ومنفصلة عن الواقع. ويكشف أن التحدي العربي يتمثل في فهم كيفية تحوّل العدل إلى قيمة حيّة داخل الثقافة الأخلاقية والسياسية، بما يقتضي الإقرار بتعدد معاني العدل تبعًا لاختلاف السياقات. ويذهب إلى أن بنـاء تصور عربي للعدل يحتاج إلى تطوير آليات للتسويغ توضح الأسس التي تجعل أمرًا ما عادلًا داخل بيئتنا وثقافتنا. ويدعو إلى ممارسة نقد معرفي للمنظور الفلسفي الذي يوجّه تعامل الفكر السياسي العربي مع المفهوم، والانتقال إلى رؤية تستفيد من مكتسبات الفلسفة السياسية المعاصرة، وتكرّس فهمًا نسبيًا ومنفتحًا للعدل مرتبطًا بسياقَيه الثقافي والإنساني.
ويطرح عماد العلي في دراسته، "الثورة بين الأهداف الواقعية والمضامين المعيارية: نحو قراءة جديدة في الثورات العربية"، مقاربةً جديدة لفهم ثورات الربيع العربي، معتبرًا أنّ أهدافها لا تُختَزل في إسقاط الأنظمة فحسب، بل تحمل مضامين إصلاحية وقيمية عميقة تسعى إلى رفض الاستبداد وتأكيد حقوق الفرد، وتعيد طرح فكرة "العودة إلى السياسة" بوصفها قاعدة لبناء علاقة تعاقدية حديثة بين الدولة والمجتمع، وبدايةً لتأسيس مسار ديمقراطي مختلف. ويبيّن أنّ "العودة إلى السياسة" تعني تمكين الفرد العربي من القيم السياسية الكونية، مثل الحرية والكرامة والمشاركة، بما يجعلها شرطًا أوليًا ورئيسًا لعملية الانتقال السياسي والديمقراطي في العالم العربي.
ويكشف الزواوي بغوره في دراسته، "في الخطاب السياسي العربي المعاصر: بحث في التجربة السياسية الجزائرية من منظور الفلسفة الاجتماعية"، أنّ التحولات التي عرفها الخطاب السياسي العربي، منذ لحظة الاصطدام بالحداثة الغربية، تجلّت بوضوح في لغة الخطاب وطرائق تحليل التجارب التاريخية، ويحاول إسقاط ذلك على دراسته للتجربة السياسية الجزائرية وما تواجهه من تحديات عبر مستوياتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، استنادًا إلى أسس نظرية وفلسفية. ويرى أن ما يميز فهم هذه التجربة من منظور الفلسفة الاجتماعية هو قدرتها على الكشف عن البنى العميقة للسلطوية والعقبات التي تعيق التحرر والانعتاق، وليس الاكتفاء بوصف التحولات الظاهرة، بما يجعل تشخيص بنية النظام السلطوي خطوة منهجية أساسية لفهم البدائل الممكنة ومسارات التغيير.
ويتضمن باب "دراسات" دراسة لمحمد وسيم ملا بعنوان "العلاقات الهندية - القطرية: نموّ حذر في ظل اعتماد متبادل متزايد؟"، تناقش مسار العلاقات الهندية - القطرية منذ عام 1973، والعوامل التي أسهمت في تطوّرها والتحديات التي تواجهها. ويرى الباحث، بخلاف المنظور الواقعي القائم على الهيمنة العسكرية والأمنية، أن العلاقات بين البلدين اكتسبت طابعًا متناميًا من الاعتماد المتبادَل، إذ إنها انتقلت من التعاون الاقتصادي إلى التعاون الاستراتيجي الذي تعزّزه العلاقات السياسية المتحسّنة. وبالاستناد إلى نظرية الاعتماد المتبادَل، يخلص إلى أنّ العلاقات بين البلدين تقوم على تعاون وتعدّد في قنوات التفاعل يمنح الاعتماد المتبادَل دورًا محوريًا في حماية مصالح الطرفين.
أما باب "دراسة مترجمة"، ففيه ترجمة عبد الكريم أمنكاي لدراسة أندرياس يونهير، "الذكاء الاصطناعي والديمقراطية: إطار مفهومي". ويتضمّن باب "التوثيق" أهم "محطات التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي" ووثائقه، و"الوقائع الفلسطينية"، في المدة 1 آذار/ مارس - 30 نيسان/ أبريل 2025. وفي باب "مراجعات الكتب"، يقدّم أحمد مأمون مراجعة لكتاب "مختبر فلسطين: كيف تصدّر إسرائيل تقنيات الاحتلال إلى العالم" لأنتوني لونشتاين.
** تجدون في موقع دورية "سياسات عربية" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.