العنوان هنا
ملفات
03،مايو 2011

ملف الثورات والإصلاح والتحول الديمقراطي في الوطن العربي من خلال الثورة التونسية

كلمات مفتاحية

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة مؤتمراً علمياً بعنوان: "الثورات والإصلاح والتحول الديمقراطي في الوطن العربي: من خلال الثورة التونسية"، في الفترة من 19- 21 نيسان/ أبريل 2011، وتناول خلفيات الثورة التونسية وسياقاتها وتحديات الانتقال الديمقراطي، واستشراف آفاقه من خلال مجموعة من الأوراق العلمية ومداخلات قادة سياسيين وأمناء أحزاب تونسيين، وعبر استعراض تجارب ميدانية لنشطاء ساهموا في إنجاح ثورتي مصر وتونس، كما شارك في المؤتمر نخبة من الباحثين والأكاديميين والمفكرين العرب المهتمين بالشأن التونسي.

وينشر المركز العربي  ملخّصاً للمداخلات التي قُدّمت في هذا المؤتمر في صورة ملفّ متكامل يغطّي كافة جوانب الثورة في تونس، ويتطرق لمختلف وجهات النظر بشأن التّحدّيات المستقبلية لإنجاح الثورات في الوطن العربي.

ملخّص المداخلات:

د. عزمي بشارة: ثورتا تونس ومصر شكّلتا وعياً ديمقراطياً عربياً .. والإصلاح بات ضرورة حتمية       شاهد فيديو الكلمة

د. عزمي بشارةفي افتتاح مؤتمر الثورات والإصلاح والتحول الديمقراطي في الوطن العربي: من خلال الثورة التونسية، قال د. عزمي بشارة، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في مداخلة عنوانها "العربي والتونسي في الثورة التونسية": إنّ الحالة التونسية تمثّل حالة مخبرية لفهم تطوّرات الأحداث في الوطن العربي، وفهم أسباب قيام الثورات في الوطن العربي رغم صعوبة التأريخ لأحداث مرّ عليها وقت قصير، موضّحا أن التحليل والفهم النّخبوي والأكاديمي الملقى على عاتق التونسيين في هذه المرحلة، يمكن أن يتمحور حول ضرورة استيعاب التحول الكبير في المنطقة، حيث ساد في بداية الثورة التونسية، اعتقادٌ مغلوط بأنّ ما جرى خصوصية تونسية وليس عربية مردّها نزعة تربط تونس بأوروبا وبتطور المجتمع المدني في ذلك البلد. لكن ما جرى في تونس متّصل موضوعيا بالوطن العربي عموما، وأن هناك  نهاية مرحلة في المنطقة كانت قد تمّت وبدأنا مرحلة جديدة من دون استيضاح عناصرها، ولم يكن هناك تنبّؤ علمي واضح بما سيحدث بعد انسداد الأفق الذي ميز النظم السياسية العربية.

وأكّد بشارة أنّ ما جرى في تونس ومصر ودول عربية أخرى، يدلّ على القاسم المشترَك في الوطن العربي بنشوب الثورات، أمّا الاختلاف فيكمن في التفاصيل الثانوية؛ فحالة تونس توصف بأنها تلك الدولة المركزية الممتدة رغم تغيرات في تطابق تاريخها مع الجغرافيا، والتحديث الذي خضعت له في عهديْ بورقيبة وبن علي، وفصل مؤسسات المجتمع الأهلي عن مؤسسات الدولة الحكومية، ووضوح الأشكال والأدوار، سمح بالفصل بين الدولة ونظام الحكم، خاصّة عندما يتصرف الجيش باعتباره ممثلا للدولة وليس للنظام أو لسلطة الفرد أو للأسرة الحاكمة، وهذه تعدّ خصوصية تونسية بامتياز وفي مصر أيضا، حيث هناك فصل بين الدولة والنظام؛ ما سرّع في إنجاز الإطاحة برأسيْ النظام في البلدين.

 لذلك رفض بشارة استنساخ تجربتيْ البلدين في باقي الدول العربية، وقال: "ليس هناك تجانسٌ مجتمعي يسمح بتكرار حالتيْ تونس ومصر، لأنه ليس هناك فصل مؤسّسي واضح في كل دولة عربية". مشيرا إلى أنّ الاعتماد على العصبيات وروابط الدم لضمان الولاءات في الجمهوريات العربية، كان سببه الاستبداد، وأضاف بشارة أنّ صفة أخرى مشتركة بين الأنظمة العربية، تتمثّل في قيام قادة الأمن بأدوار سياسية، وهذه من صفات الانحلال السياسي الذي كان مشتركا بين عدد من الأنظمة العربية، موضِّحا أنّ "ما كان يجري في الظلام بدأ يجري في العلن ويُفاخر به. وقد ترافق ذلك مع فساد علني أصبح يوصف بأنه نجاح". ولفت إلى أنه من الصفات المشتركة بين الأنظمة العربية صعود طبقة رجال أعمال جدد لم يأتوا من رحم الطبقة البرجوازية، بل عبْر التقرب إلى الحاكم والارتباط العضوي به. واسترشد بشارة في ذلك بظاهرة قديمة، فسّرها ابن خلدون بأنها "تحوّل المراءاة إلى جاه والجاه إلى مال".

وقال بشارة: إن المواطن العربي في العقدين الماضيين، وبوجود ظاهرة الفضاءات المفتوحة، تشكّل لديه وعي مشترك يرفض الفساد والتزاوج بين رجال الأعمال والحكم؛ ما وحّد الحالة العربية الرافضة لهذه النُظم. منبها إلى أن عفوية الثورات العربية وشعبيتها بلا قيادة واضحة سببها نشوء ظاهرة تأبيد المعارضة وإضعافها، أي أن القوى المعارضة التقليدية ، بسبب ملاحقتها الأمنية والتضييق وفصلها عن المجتمع، أصبحت جزءًا من النظام الحاكم أو مكمّلا للشكل العام للنظام السياسي. وهذا أثار سؤالا عمّن سيقود التغيير أو من البديل للحاكم الحالي؟ وهذه الحالة كانت في معظم البلدان العربية.

والتشابه بين تونس ومصر في ما بعد الثورة، من ناحية التحول إلى الديمقراطية تدريجيا، يعود إلى أن الثورات لا تقود إلى ديمقراطية جاهزة، مشِيدا بالثورتين ودورهما في تشكيل وعي ديمقراطي سيقرر مصير دول عربية عدة، لأنّ نجاح الديمقراطية في البلدين سيؤثر في عدة دول عربية أخرى وفي توجهات أنظمة عربية قائمة.

وشدد بشارة على أن الاعتصام في الساحات لا يؤدي إلى إسقاط النظام دائماً، محذّراً من استنساخ تجربتيْ مصر وتونس بشكل غير واعٍ؛ ما يؤدي إلى كوارث وخيبات، لأن هناك اختلافات بين البلدان العربية، خاصة في مسألة التجانس، حيث إنّ المشرق العربي متنوّع طائفيا وغير متجانس، والاستعمار كان له دورٌ كبير في تكوين الأقليات، بعكس المغرب العربي الذي يبدو أكثر تجانسا رغم وجود العرب والأمازيغ.

وقال بشارة: إنّ الصدام مع النظام يخلق شرخا في المجتمع إذا ما كان جزءٌ من المجتمع مرتبطاً مصلحيا أو بنيويا مع النظام. وأكّد أنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار التمايزات داخل كل مجتمع عربي؛ بهدف فهم الثورات العربية وفرص التغيير في كل بلد على حِدة. وأشار إلى أنّ الثورة لا تنقل الشعب - دائما - من الحالة المجازية إلى المادية الفعلية كحالة مصر، كما أن الثورة الشعبية قوّة لا يمكن ردّها كما حصل في تونس ومصر، رافضا اعتبار أنّ ما جرى لاحقا في ليبيا واليمن وسوريا من التخويف بنشوب حرب أهلية سيكون كافياً لإقناع الشّعوب بقبول البقاء تحت ظلّ الحكم الاستبدادي.

وعن الخيارات المطروحة رأى بشارة أنّ أمام الأنظمة العربية خيارين: إمّا أن تبدأ في الإصلاح، أو تجبَر عليه. مشيرا أنّ الحالة الثورية في المشرق العربي لا يمكن أن تقبل في الأنظمة الحالية رغم أنها مهدّدة بالفتنة العشائرية أو الطائفية، واعتبر أنّ البديل الحقيقي في المشرق العربي هو ضرورة الإصلاح وحتميته.

د. فارس بريزات: الثورة أحيت الشعور القومي.. والأنظمة مطالَبة بديمقراطيات حقيقية

د. فارس بريزاتاعتبر رئيس برنامج الرأي العام في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات د. فارس بريزات في افتتاحه فعاليات المؤتمر، أنّ ما قدّمته الثورة التونسية يُعدّ تحدياً كبيرا لكثير من المسلّمات التي تداولتها النّخب الأكاديمية والسياسية في العقود القليلة الماضية، مثل عدم قابلية المجتمعات العربية للديمقراطية، وقدرة الأنظمة الدائمة على البقاء، وحتمية الارتهان لموازين القوى الدولية في التحوّل الديمقراطي، وضرورة الانتقال التدريجي والهادئ والموزون والمتزن نحو الديمقراطية.

كما أكّد بريزات أنّ انتشار أثر الثورة التونسية شكّل تحدّيًا آخر لهوية الدولة القُطرية العربية، التي قدّمت نفسها على أنها وحدة سياسية مستقلة منفصلة عن محيطها العربي، حيث ظهرت شعارات "مصر أولا" و"الكويت أولا" و"الأردن أولا"؛لنكتشف أنّ حجم التضامن العربي قولاً وفعلاً مع الثورة التونسية يمتدّ من الأطراف المنسيّة للوطن العربي إلى قلبه النابض ومركزه. فثورة في مصر وأخرى في اليمن وليبيا وسوريا، وتحرّك هذه الثورات المطالبة بالإصلاحات الجذرية في المغرب والجزائر والأردن والبحرين وعمان والكويت، وينتفض العراقيون واللبنانيون على الطائفية، منادين بالدولة المدنية، ويطالب الفلسطينيون بإنهاء الانقسام. ويطرح بريزات تساؤلا: هل كان لكلّ هذا أن يحدث لولا الثورة التونسية؟

وقال بريزات: "نحن في عصر جديد ويستحقّ منّا كلّ العناية والإخلاص والجدّية. نحن نعيش في مرحلة تبدو فيها المسارات واضحة أمام المجتمعات والدول العربية؛ في المجتمعات نشهد إحياءً للشعور القومي العربي، وتقدماً للخطاب الديمقراطي المدني. أمّا على صعيد الأنظمة، فتبدو المسارات على اتّجاهين اثنين: ديمقراطية حقيقية في الجمهوريات، وملكيّات دستورية في الأنظمة الوراثية".

كما اعتبر د. بريزات ،في مداخلة بعنوان "هل الديمقراطية مطلب للرأي العام العربي؟" ،أنّ الإجابة الموضوعية عن هذا السؤال تأتي من إعادة الاعتبار إلى استطلاعات الرأي العام التي غابت في ظلّ الأنظمة الاستبدادية العربية، وغيّبت كثيرا من معرفة توجّهات الجمهور إزاء القرارات الحكومية. وبيّنت الاستطلاعات أنّ الرأي العام العربي لم يكن استثناء من كثير من الشعوب الأخرى في تعريفه للديمقراطية والمواطنة، وهم بذلك كانوا في مستوى التعريف نفسه الموجود في الولايات المتّحدة واليابان. كما كشفت الاستطلاعات التي أُجريت، قبيْل نشوب الثورة التونسية وامتداد تأثيرها إلى مصر وعدد من البلدان العربية، أنّ الشراكة في الحكم والرغبة في الرقابة ومحاربة الفساد كانت مطلبا شعبيا عربيا متناميا مع وجود بعض التباينات في بعض المناطق التي تزداد فيها التوتّرات الطائفية.

د. لطفي طرشونة: منظومة الحكم التسلطي والانحراف الاستبدادي

د. لطفي طرشونةيعرّف النظام التسلطي بطريقة سلبيّة مقارنة بالنظام الديمقراطي والنظام الشمولي؛ فهو نظام لا تتوفّر فيه معايير الدّيمقراطيّة المتمثّلة أساسًا في المشاركة السياسيّة، والتعدديّة، وتداول السّلطة بطريقة سلمية عن طريق انتخابات تنافسيّة حرّة وشفّافة.

وهو كذلك ليس بالنظام الشّمولي الذي يسعى، استنادا إلى تصوّر أيديولوجي، إلى القضاء على كلّ مظاهر الاختلاف والتعدديّة، ويهدف إلى تحقيق مجتمع سياسي أساسه الوحدة الشّاملة على جميع المستويات السياسيّة، والفكريّة، والثقافيّة، وحتّى العرقيّة، ويمارس رقابة شاملة على المجتمع، ويحتكر كلّ مؤسّسات الدّولة والمجتمع المدني بما يضمن له السيطرة التّامة على الأشخاص والأفكار والمعتقدات.

ورأى طرشونة أن النظام التسلّطي يتميز ببعض الخصائص،أهمّها: التعدديّة الحزبيّة المحدودة، والتّنافس المحدود على السّلطة، وانغلاق فضاء المشاركة السياسيّة، وشخصنة السّلطة واحتكارها لفائدة فرد أو أقليّة.

والفشل في التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية يعود إلى درجة النموّ الاقتصادي، وأهميّة العائدات النفطية التي تمكّن الدّولة من قدرات عالية على امتصاص الأزمات السياسيّة والاجتماعية، ونمط التّضامن (الميكانيكي) السّائد في المجتمع،وطبيعة العلاقات السلطوية السائدة في الوسط العائلي، والمعطى الثّقافي (المتأصّل في الثقافة العربيّة أكثر ممّا هو متأصّل في الإسلام) ومستوى التعليم، ودرجة تأسيس السّلطة.

وتُعتبر تونس بالرّجوع إلى هذه المعطيات،من ضمن الدّول العربيّة الأكثر تأهيلا لتحقيق انتقالها الدّيمقراطي؛ لما يتوفّر فيها - حسب منطلقات الانتقال الديمقراطي - من مؤشّرات إيجابية. إلاّ أن هيكلية التسلّط في تونس - بحسب طرشونة - أثبتت نسبيّة هذه المؤشرات، ومن ورائها حدود مفاهيم الانتقال الدّيمقراطي في مجابهة الواقع العربي، وأصبحت التسلطيّة في تونس (وبعض الدول الأخرى) تمثّل استثناء ضمن الاستثناء العربي، ويرجع ذلك إلى التضارب بين تعدّد المؤشّرات الإيجابيّة واستقرار التسلّط الذي طوّر قدرات فائقة على المناورة وعلى إعادة إنتاج نفسه.

ففي فترة الحكم البورقيبي تم بناء هياكل الدّولة الحديثة، وتعزيز روابط الوحدة الوطنيّة، وتنمية الشّعور بالانتماء المشترك، وتطوير المجتمع على مختلف الأصعدة الثقافيّة، والاجتماعية والاقتصادية، وتطوير وضع المرأة القانوني بإصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة. وفي المقابل فإنّ تطوير المجتمع وترسيخ ركائز الدّولة ترافقا مع شخصنة الحكم وغلق المجال السياسي وتقليص فضاء المشاركة السياسيّة والقضاء على التعدديّة الحزبيّة وفرض رقابة صارمة على وسائل الإعلام والمؤسّسات المهنيّة وتعبئتها لخدمة النظام القائم.

وتسلّم بن علي السّلطة في جوّ من الانسداد السياسي والتشنج الاجتماعي، وأعلن عن العديد من الإصلاحات التي تمّ بمقتضاها تنقيح الدّستور في عدّة مناسبات أهمّها تنقيح سنة 1989-1997 و 2002. وتهدف هذه الإصلاحات،  بصفة عامة، إلى ترسيخ مبادئ الجمهوريّة ودولة القانون والمؤسسات، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان، وتوسيع فضاء المشاركة السياسيّة، وتعميق التعدديّة السياسيّة، والتنافس على السّلطة عن طريق الانتخابات. إلاّ أنّ فترة حكم بن علي اتّسمت بعدّة أزمات ومفارقات - ما عدا تحقيق بعض النجاحات على مستوى التنمية الاقتصادية: أزمة مشاركة سياسيّة رغم الحرص على إجراء الانتخابات في مواعيدها وتعدّد الإصلاحات السياسيّة، وأزمة تنمية رغم بعض النجاحات في نسب التنمية الاقتصادية، وأزمة شرعيّة،وأزمة حكم نتيجة للمقاربات الأمنيّة في التعامل مع ملفّات الحريّات العامّة وحقوق الإنسان. كلّ هذه الأزمات أدّت إلى انفجار 14 كانون الثاني/ يناير  2011، وانهيار نظام بن علي ومن ورائه منظومة الاستبداد والتسلّط التونسيّة.    

د. عائشة التائب: الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية للثورة التونسية

د. عائشة التائبإن تحليل زوايا الثورة التونسية سيدور في فلك فرضية أساسية تتمثّل في التأكيد على أهمية الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في ثورة تونس، ولتفكيك تلك الفرضيّة يستند التحليل إلى مقاربة سوسيوتاريخيّة، تعتمد المنهج المقارن القائم على بعض مناطق التقاطع والتماس بين حركة سيدي بوزيد الاحتجاجية التي تطورت إلى ثورة آلت إلى ما آلت إليه، وبين حركات احتجاجية مماثلة شهدتها دواخل البلاد في السنوات الماضية، مثل أحداث منطقة الحوض المنجمي وأحداث مدينة بنقردان الحدوديّة، وكان بعضها أكثر حدّة وأطول نفسا من أحداث سيدي بوزيد، لكنها لم تتطوّر، ولم يتوسّع مداها الجغرافي والاجتماعي.

ويمكن القول: بالقدر الذي أفرزت فيه سياسة الاقتصاد التنافسي، واتفاقيات التبادل الحرّ، تحسّنا نسبيّا ملحوظا في الأرقام والمؤشرات العامة للنمو، فإنها طرحت على الاقتصاد التونسي في الوقت نفسه جملة من الضغوط المتزايدة على سوق العمل وعلى التوازن بين الجهات والمناطق، وتضخّمت معه الضرائب الاجتماعية، واتسعت قواعد الشرائح الاجتماعية المبعدة عن دوائر الاستفادة من خيرات ذلك النمو.

وفي تناول وضعية البطالة، فعلى الرغم من التصريح الرسمي بالتحسّن الكبير في مستوى مؤشرات التشغيل خلال المخطط العاشر للتنمية فإن معدّلات البطالة سجّلت حسب المستويات التعليمية ارتفاعا بارزا في نسب العاطلين عن العمل من حملة الشهادات العليا الذين ارتفع عددهم خلال الفترة 2007 - 2008 ليبلغ 127.8 ألفا سنة 2008، مقابل 102.3 ألف سنة 2007 ، وهو ما يترجم عن تزايد كبير في عدد المتخرجين سنويا من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي. وبدأ عدد العاطلين عن العمل من ذوي المستويات التعليمية العالية يسجّل ارتفاعا صارخا منذ سنة 1994 حيث سجّل نسبة 10.9٪ كمعدل سنوي ليبلغ 18.4٪ بين 2001 و2007. ولا بدّ من الإشارة إلى أن مجموع العاطلين عن العمل من ذوي المستويات التعليمية المحدودة مثّل في سنة 1994 نسبة 25٪ من المجموع العام للعاطلين عن العمل، وانخفض في 2007 إلى 5٪ فقط. وارتفع عدد العاطلين عن العمل من ذوي المستوى التعليمي الثانوي بالتوازي مع ذلك من 24٪  إلى 40٪،أمّا بالنسبة إلى عدد العاطلين عن العمل من أصحاب مستوى التعليم العالي فقد تضاعفت عشر مرّات، حيث ارتفعت حصّتهم من العدد العام للعاطلين عن العمل من 2٪ إلى 20٪ خلال الفترة 1994 - 2007  .

ورغم هذا الواقع فإنّ الإحصائيات الرسميّة أكّدت ارتفاع مستوى المعيشة لدى المواطن التونسي وتراجع نسب الفقر، وكان الخطاب الرسمي يتفنّن في الاستثمار السياسي لتلك المعطيات للتدليل على مدى نجاح السياسة الاجتماعية بتونس في احتواء ظاهرة الفقر. إن لعبة الأرقام وفخّ القياس المضلّل وقصّة الترتيب الدولي الجيّد لتونس في بعض المجالات، وإن بدت مقنعة في بعض وجوهها، لم تكن كذلك في أغلب الأحيان حتى لدى هؤلاء الساهرين على إنتاج تلك الأرقام وصناعة ذلك الترتيب.

وإجمالا، يمكن القول: إن أسطورة "المعجزة الاقتصادية" ظلّت وهما ونشيدا رسميّا ما فتئت السلطة السياسية في تونس تتغنى به وتستثمره لتلميع صورة النظام وتأكيد صواب الخيارات التنموية المتبعة في تونس في العقدين الأخيرين. لكنّ تلك الأسطورة، وإن بدت مقنعة في بداية الأمر ويسيرة التمرير، سرعان ما فقدت بريقها عندما اصطدمت بواقع محلّي ومعيش يومي مختلف وداحض لها، وبدا المواطن التونسي البسيط، الذي يقال عنه إنه لا يستبطن العداء للسلطة السياسية إذا ما كان آمنا في خبز يومه وقوت عياله، أكثر استخفافا بأسطوانة "ازدهار الاقتصاد التونسي"، وانشرخت تلك الأسطوانة أمام واقع الغلاء المتزايد في أسعار المواد الأساسيّة والمحروقات والارتفاع المشطّ في مستوى المعيشة ومصاريف التنقل واستهلاك الماء والكهرباء والغاز، وانعكاسه على مختلف شرائح الخريطة الاجتماعية بمن فيهم أصحاب الجرايات المستقرة من المنتمين للطبقة الوسطى.

وبقيت قصص الحرمان والفقر المدقع وصور البطالة طويلة الأمد وقصص قوارب الموت وأخبار غرق شباب الهجرة غير المشروعة وانتشار شركات السمسرة بالنفوذ وبيع الأحلام لطالبي العمل أو الهجرة أو الثراء غير المشروع، شواهد دامغة معبّرة بقوّة عن واقع اقتصادي واجتماعي لم يطله أثر "المعجزة الاقتصادية" من بعيد أو قريب، وإن بدت مناطق الشمال والساحل أقلّ تلميحا إلى ذلك الواقع فقد كانت المناطق الداخلية أكثر تصريحا وبوْحا به.

د. المولدي الأحمر: الطابع المدني والعمق الشعبي للثورة

د. المولدي الأحمرتميزت الثورة التونسية بسلميتها و جماهيريتها. وللكشف عن الأسس الأنثروبولوجية التاريخية والسوسيولوجية الراهنة التي ولدت هذه الظاهرة المزدوجة، لا بد من البحث في فكرتين لتفسير هذه الظاهرة: الأولى، هي العمق التاريخي لمشروع حل الصراع السياسي في تونس عبر فكرة العقد الاجتماعي، وتحقيق الاستعمار الفرنسي أحد الشروط الأساسية لهذا المشروع وهو نزع السلاح من يد السكان. أمّا الثانية، فهي الاتساع الأفقي والعمودي لحجم الأضرار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي خلّفتها سياسة النظام السابق، وبالتحديد في المناطق الداخلية التي اندلعت منها شرارة الثورة؛ ممّا سبّب تآكل شرعيته في أغلب الأوساط الاجتماعية، ووسّع من دائرة الرفض الشعبي لاستبداد الحكم واحتكار الموارد واعتماد "الزبونية" في إدارة الشأن العام، وهو ما أعطى قيمة كبيرة للشعارات العامة التي رفعها المتظاهرون في كل مكان، وهي شعارات يمكن لكل مواطن أن ينادي بها: الكرامة والعدالة والحرية والديمقراطية والحقّ في العمل.

 ومن الظواهر التي لفتت انتباه المفكّرين والمحلّلين السياسيين، أنّ الثورة التونسية لم تتّخذ علامة أو شارة رمزية تحيل إلى انتماء اجتماعي أو أيديولوجي محدد، فلم يحمل المتظاهرون لافتات تشير ،على سبيل المثال، إلى أنّ ثورتهم عمّالية أو فلاحية أو برجوازية أو دينية أو جهوية أوعرقية أو غيرها ، فشعاراتها فضفاضة يمكن أن ينخرط فيها أيّ مواطن غير راضٍ عن الوضع العام في البلاد، مهما كانت أصوله الاجتماعية والفكرية: الحقّ في العمل، والحرية، والديمقراطية، والعدل ، والكرامة. كما أنّ أهدافها المعلنة لم تتضمّن أيّ برنامج دقيق يمكن أن يُحدث - على الأقل أثناء موجة الاحتجاجات والاعتصام - انقسامات داخل المحتجّين؛ ممّا خلق، وبشكل يكاد يكون استثنائيا، لحمةً بين الجميع تكتّلت تحت راية اسم "الشعب": الشعب يريد إسقاط الحكومة، و ارحل، وارحل dégage..dégage للرئيس.

من الناحية السوسيولوجية تعني هذه الظاهرة ثلاثة أمور أساسية على الأقل: الأمر الأول، هو أنّ أغلب الفئات الاجتماعية أصابها الضرر من السياسة العامة المتبعة في البلاد، سواء على المستوى الاقتصادي أو على المستوى الثقافي وكبت الحريات الفكرية والسياسية أو على المستوى الاجتماعي.  

الأمر الثاني، هو أن النخبة السياسية الحاكمة تحولت - نتيجة بقائها زمنا طويلا في إدارة دواليب السلطة خارج كل مراقبة ومنافسة - إلى مجموعة ضيقة من الأفراد والعائلات والزبائن، فقدت قدرتها التنظيمية والأخلاقية على التواصل مع الغالبية الواسعة من أفراد المجتمع.

والأمر الثالث، هو أن التجانس الاجتماعي الذي دعمته سياسة بناء الدولة الوطنية الجديدة خلال ستينيات القرن الماضي وسبعينياته جعلت من العروش والجهات والتقسيمات بين الريفي والحضري مفردات غير وظيفية في حشد جماهير المتضررين من أزمة البلاد السياسية والاجتماعية على نطاق واسع.

كل هذه العناصر التقت لتصنع جماهيرية الثورة التونسية، فعندما أقدم محمد البوعزيزي على حرق نفسه في قلب مدينة سيدي بوزيد كانت كل هذه العناصر تتقاطع بشكل فريد من نوعه: البطالة والخصاصة وانسداد الأفق الاجتماعي وعمق الإحساس بالإحباط. وفقد الحزب الحاكم كل بريقه الأيديولوجي التقليدي وأصبح الانتماء إليه يعني الجري وراء المنفعة الخاصة أو البحث عن الحماية من المتنفّذين في الإدارة. والجهاز الأمني أصبح أداة للقمع السياسي في فضاء اجتماعي-ثقافي قللت خصائصه الفلاحية من فرص حضور النقابات القوية المؤطرة للفعل الجماعي، وانتعشت فيه بالمقابل قيم التضامن والتعاضد القائمة على متغيرات القرابة والجيرة. وفقدت الإدارة المحلية مصداقيتها بسبب فسادها وأصبح موظفوها يتجرّؤون على إهانة كرامة المواطنين في الفضاء العام.

وإذا ما اختزلنا وقائع الأحداث يمكننا القول: إنّ الثورة مرّت بأربع مراحل كبرى: الأولى، تمثّلت في الاحتجاجات التي اندلعت في مناطق قفصة المنجمية ثم في أقصى الجنوب على الحدود الليبية في العام 2008، وهي احتجاجات ظهرت خلالها هشاشة الأداء السياسي للنظام السابق. المرحلة الثانية، هي تلك التي تفجّرت في سيدي بوزيد نهاية العام 2010 ثمّ سَرت كالهشيم في مناطق الوسط الغربي القريبة منها. المرحلة الثالثة، هي دخول مدن ساحلية كبرى على خطّ الاحتجاجات، ومنها صفاقس وسوسة وبنزرت. والمرحلة الأخيرة، تمثّلت في دخول منطقة تونس الكبرى في خضمّ الأحداث انطلاقا من أحيائها الفقيرة ومن مركز القيادة النقابية العامة في وسط العاصمة.

د. علي المحجوبي: التجارب النضالية منذ الاستقلال

د. علي المحجوبيأكّد الدكتور علي المحجوبي، الأستاذ في جامعة تونس، أنّ الثورة التونسية انطلقت من خلفية تاريخية، وتُعتبر امتدادا لانتفاضات عرفتها البلاد منذ حقبة النضال من أجل الاستقلال، وهي استمرارية لنضال النخب التونسية الذي قام على الحداثة وملاءمة الشريعة الإسلامية مع مقتضيات العصر.

وأوضح الدكتور المحجوبي، الباحث المتخصّص في التاريخ، في محور "الثورة التونسية خلفيات وسياقات" أنّ تونس أوّل بلاد عربية وإسلامية أُعلن فيها عن دستور (1861) ينصّ على فصل السلطات لوضع حدّ للحكم المطلق. مشيراً إلى أنّ روّاد الحركة الوطنية ومنظّريها في المجال السياسي تأثّروا بالفكر الغربي السياسي وفلاسفة الأنوار وبنوا حركتهم على البعد الديمقراطي.

وقال المحجوبي: إنّ الحركة الوطنية التونسية تبنّت المشروع الإصلاحي، وعملت على جبهتين: الأولى محاربة الاستعمار، والثانية مقاومة الاستبداد. لافتا إلى أنّ الجبهة الثانية لم تتوقّف، حيث عانى المناضلون - بمختلف انتماءاتهم - من السجن والنفي والغربة حتى بعد الاستقلال سواء في عهد بورقيبة أو الرئيس المخلوع بن علي. مؤكداً في الوقت نفسه أنّ النضالات السياسية التقت النضالات الاجتماعية منذ القرن الـ19 إلى انتفاضة 14 يناير 2011.

د. محمد الحبيب مرسيط: التجذر النضالي للمجتمع المدني

د. محمد الحبيب مرسيطاعتمد مشروع البناء الوطني في مرحلة ما بعد الاستعمار على مفهوم "الدولنة"؛ لذلك أخضعت مجتمعات المغرب العربي إلى نوع من هيمنة الدولة وسيطرتها ضمن مشروع تحديثي يهدف إلى استبدال بنى المجتمع التقليدية  ببنى تحديثية. إلا أن هذا المشروع لم تواكبه ديناميكية سياسية واجتماعية فعلية، وغلب عليه الطابع الزجري والقمعي؛ مما أثَر في انخراط أوسع فئات المجتمع ضمنه فتعاملت معه إما بالحذر والريبة أو بالمقاومة والرفض.

وفرض الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه تدريجيا بوصفه فاعلا رئيسا في كل مراحل مقاومة الاستعمار ﻣﻧﺫ الحرب العالمية  الثانية, إذ اضطلع بدور جوهري في تنظيم مؤتمر الاستقلال المنعقد ليلة 23 و 24 آب/ أغسطس 1946، وتسيير أعماله، وجمع هذا المؤتمر حساسيات الحركة الوطنية كلها. وقد قام الاتحاد بأعمال وحركات إضراب تُعتبر الأعنف والأكثر دموية؛ إذ كانت تستهدف في المرتبة الأولى النظام الاستعماري ورموزه الأكثر تمثيلاً، وقد دفع قادةُ الاتحاد مؤتمر حزب الدستور الجديد، اﻟﺫي انعقد في صفاقس سنة 1956 في بداية الاستقلال، إلى المصادقة على برنامج اجتماعي كان يفتقر إليه الحزب الوطني، وهو برنامج يستحضر في خطوطه العامة برنامج المؤتمر الرابع للمركزية النقابية اﻟﺫي أضحى بالفعل برنامج الحزب اﻟﺫي  كان يستعدّ لتسلم مقاليد البلاد.

كما شكّلت أحداث 26 كانون الثاني/ يناير 1978 الدموية نقطة تحول وقطيعة تشير إلى تحول حزب التحرير الوطني (الدستوري) إلى حزب يعدّ ركيزة أساسية لدكتاتورية ﺫات صبغة بوليسية تتزايد يوما بعد يوم. وقد كشف حجم القمع اﻟذي مُورِس يوم 26 كانون الثاني/ يناير ،الصبغة الدكتاتورية للنظام، ولم يستطع القمع متعدد الأشكال اﻟﺫي مورس قبل مذابح 26 كانون الثاني/ يناير النيل من النضال العمالي، وﻣﻨذ  تلك الأحداث أضحت القضية النقابية التونسية تُبحث سنويا في رحاب المنظمة العالمية للشغل.

وقد أشرفت الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل على القطيعة مرة ثانية في آذار/ مارس 1984، حيث واجهت الحركة المطلبية والتهديدات بالإضراب تصلّب الحكومة اﻟذي تمثَّل في رفض التفاوض والإيقافات بالجملة للإطارات النقابية والطرد التعسّفي  للعمّال والمحاكمات.

وعلى الرغم من كلّ الضّغوطات المسلَّطة على الحركة النقابية في هذاالوضع شديد التقلب والتعقيد، بقي الاتحاد - كما بالأمس - مسكونا بالهاجس الوطني وتغليب هذاالبعد في مقاربته لمسألة التنمية والقضايا الاجتماعية، واستطاع مع غياب دور فاعل للأحزاب أن يشكّل مظلّة للاحتجاجات طوال السنوات الماضية وحتى إسقاط نظام بن علي.

د. نور الدين جبنون: تعامل الجيش مع الثورة

د. نور الدين جبنونإنّ أحد العناصر الأكثر أهمية في التسلسل الحالي للاحتجاجات في بلدان مختلفة من العالم العربي، التي أخذت شكل انتفاضات تطوّرت في مرحلة لاحقة إلى ثورات في أغلبها سلمية، هي مجموعة التفاعلات وردّات الأفعال التي جاءت من أطراف متعددة، من بينها قوّات الأمن الداخلي بمختلف فروعها وتشكيلاتها: من شرطة وقوّات شبه عسكرية ومليشيات وأمن رئاسي ومخابرات، وتهدف دراستها إلى فهم قدرة الأنظمة على الصمود باستخدام درجات متفاوتة من العنف في قمع هذه الثورات، وتسليط الضوء على دور القوّات المسلحة المتميز و الأساسي في التعجيل بسقوط رؤوس هذه الأنظمة وأركانها والتفاعل الإيجابي مع المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الثورة.

وفي هذا المضمار فإن الدور الذي قامت به المؤسسة العسكرية التونسية في النأي بنفسها عن الدخول في مواجهة دموية مع الشعب قبل هروب زين العابدين بن علي وبعده يضع على المحكّ قضية العلاقات المدنية - العسكرية ومسائل الأمن التي يجب أن ينظر لها على أنها جزء لا يتجزأ من مستقبل تونس السياسي ؛ وذلك بهدف إضفاء الطابع الديمقراطي على أداء القطاع العسكري والأمني والعمل على إزالة الغموض الذي شاب هذه العلاقات في ظلّ نظام أحادي استبدادي، تداخلت فيه السلطات باختراق حجاب السرّية الذي كثيرا ما اكتنف عمل هذه الأجهزة. 

كما أنّ أحد مظاهر القطيعة مع الماضي لا يمكن أن يتكرس إلاّ بوضع حدٍّ لتصوّر خاطئ ساد منذ سنوات الاستقلال الأولى ، والمتمثل في أنّ المجال العسكري يجب أن يكون حكرا على الرئيس بموجب الصّلاحيات الواسعة التي كان يتمتّع بها رأس السلطة التنفيذية في إطار النظام الرئاسوي الذي وضع أسسه الحبيب بورقيبة واختزله في شخصه وكرّس منظومته الاستبدادية والقمعية خليفته بن علي.

ومن هذا المنطلق، فإنّ محاولة رسم دوْر الجيش الوطني التونسي وتحديده في التعامل الإيجابي مع ثورة الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير ۲۰۱۱ لا يمكن أن تُفهم إلاّ بقراءة متأنّية لتطوّر العلاقات المدنية-العسكرية في بعدها النظري وفي إطار الدولة التونسية الحديثة مدخلا لرصد الواقع السياسي الجديد، الذي لم تتبلور ملامحُه بوضوح بعد.

وتعتبر البداية المفصلية في كانون الثاني/ يناير ۱۹٧۸ عندما فشلت قوّات الأمن الداخلي من حرس وشرطة في التعامل مع حركة الاحتجاجات الاجتماعية التي قادها الاتحاد العام التونسي للشغل، والتي أقحم فيها الجيش باستدعائه للنزول إلى الشارع لمواجهة حركة المحتجّين، على الرغم من عدم معرفته بإدارة المظاهرات ممّا أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى في ما عرف بـ"الخميس الأسود".

وتكرر السيناريو ذاته في كانون الثاني/ يناير ۱۹۸٤عندما أثبتت قوات الأمن الداخلي للمرة الثانية على التوالي عدم كفاءتها في التعامل مع حالة من الرفض الاجتماعي لنمط الحكم القائم الذي لم يعد قادرا على حل مشاكل البلاد ومواكبة متطلبات المجتمع. وعلى الرغم ممّا عرف عن "القوّة الصامتة" من تحفّظ في الخوض في الشأن السياسي الداخلي فقد بدأ التململ يتجلّى بوضوح في صفوف الرتب العالية من القيادات العسكرية حول الاستياء من تولّي الجيش وظيفة الشرطة التي هي من مهامّ الأجهزة الأمنية، وذلك نتيجة للتّقصير الواضح في أداء البيروقراطية التي تسيطر على مفاصل وزارة الداخلية؛ وبدأت بوادر انعدام الثقة تتبلور تدريجيا بين بعض أفراد المؤسسة العسكرية وموظفي وزارة الداخلية وتأخذ شكل الشعور بعدم الارتياح لكيفية إدارة الأجهزة الأمنية أزمات ذات طابع اجتماعي، في حين أنّ الجيش يعتقد رغم إثقاله بالأعباء الجديدة والمتجدّدة أنه لم يجن أيّ فوائد إضافية تقديرا لهذا الدور الذي أُسند إليه مُكْرها، بل أصبح الشعور السائد لدى القيادات العسكرية هو التوجّس من محاولات التوريط واستنزاف قدرات الجيش القتالية في معارك جانبية نتيجة أخطاء سياسية قاتلة وفشل أمني ذريع.

وقد وقع نشْر الجيش لأوّل مرة في محافظتيْ سيدي بوزيد والقصرين في التاسع من كانون الثاني/يناير2011 بهدف حماية بعض المنشآت والبنى التحتية من مؤسّسات مالية وعامة وخاصة وبنايات تابعة للدولة مثل مقرّات المحافظات والمعتمديات والبلديات، غير أنّ المنهج القمعي الذي اتبعته قوّات الأمن في هذه المناطق أدّى إلى مناوشات بين الجيش وقوّات مكافحة الشّغب خاصّة في مدينة الرقاب بمحافظة سيدي بوزيد، حيث هدّدت وحدات من الجيش الوطني المرابطة في هذه المدينة بإطلاق النار على عناصر من الشرطة كانوا يطاردون مواطنين عزّلا بهدف الاعتداء عليهم، بعد أن حاول هؤلاء الاحتماء بقوّات الجيش. ولا يعتقد أنّ هذا التصرّف جاء نتيجة أوامر واضحة من القيادة العسكرية بقدر ما يعتبر تصرفا فرديا مرتبطا بتقييم آني للوضع الميداني من قيادة هذه الوحدات.  وأمام تسارع الأحداث بدأت منذ الثاني عشر من كانون الثاني⁄ يناير2011 وحدات من الجيش الوطني تأخذ مواقعها داخل العاصمة تونس وضواحيها. ورغم أنّ انتشار هذه الوحدات جاء كثيفا فإنّ نوعيّة الأسلحة الخفيفة التي كانت بحوزة هذه القوّات ووسائل النقل من مركبات همفي، أمريكية الصنع، التي كانت تحت تصرفها، وهي ليست أسلحة حسم ميداني، تدلّ بوضوح على توجّس النظام من تسليم العاصمة إلى قوّات ذات تسليح ثقيل، حيث من الممكن أن تساير حركة الاحتجاجات، ويكون لها الدور الحاسم في تغيير الوضع السياسي القائم.

د. عبداللطيف الحناشي: الكوادر الحزبية تفوّقت على قادتها في الثورة

د. عبداللطيف الحناشيكانت "الثورة" في تونس تفتقر لقيادة سياسية تحرك الناس وتوجّههم نحو أهداف وطنية محددة، غير أنّ ذلك لا يمنع القول إنّ الكثير من القواعد والكوادر المنتمية لتلك الأحزاب، أو بعضها، ساهمت بتفاوتٍ في الثورة ومختلف مساراتها، وهي الكوادر الناشطة في الاتحاد العام التونسي للشغل وفي غيره من منظّمات المجتمع المدني وخاصة في الأقاليم. كما يجب التأكيد أنّ الثورة جاءت نتيجة تراكم نضالات سياسية ونقابية وحقوقية انطلقت بعد  عدّة خيبات  رافقت بناء الدولة الوطنية، و ركّزت على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وغيّبت حقوق الشعب التونسي الأساسية السياسية والمدنية في الوقت الذي انكشفت فيه عوراتها وتعمّقت أزماتها، مع وصول زين العابدين بن علي إلى السلطة الذي أرسى أسس الدولة الأمنية، وانتهج خيارات تنموية كانت تبدو صائبة في الظاهر لكنها أثمرت فسادا ومشاكل اقتصادية واجتماعية لم تعرف البلاد لها مثيلا.

عرفت تونس ثورة شعبية بدأت عفويّة في سيدي بوزيد، غير أنّ القاعدة المجالية والاجتماعية للثورة اتّسعت، فانضمّ إليها النقابيون والحقوقيون والكوادر الوسطى وقواعد الأحزاب السياسية واتحادات الطلاب في القرى والمدن  وصولا إلى الأحياء الشعبية في العاصمة. وساهمت كل تلك الفئات في إنضاج الثورة وتطور أشكالها إلى أن حقّقت أحد أهدافها وهو هروب رئيس الجمهورية من البلاد يوم 14 كانون الثاني/ يناير  2011، ودخول البلاد مرحلة سياسية جديدة تختلف كليّا عن المراحل التي عرفتها أكثر من ستة عقود. ويبدو أنّ الثورة لم تنجز من مهامها غير القليل، وهي في مراحلها الأولى ويظهر أنّ الطريق أمامها لا يزال طويلا.

 وضاعفت الأزمة الاقتصادية - التي عرفتها تونس منذ أواخر سنة 2007، وارتباطا بالأزمة المالية والاقتصادية العالمية - أزمة نمط التنمية الذي أرسته حكومات زين العابدين بن عليّ، كما عمّقت الفوارق بين مختلف الفئات الاجتماعية وبين مختلف مناطق البلاد، وتمثل مشاكل التشغيل والبطالة أهم المشاكل التي تثير جميع مكوّنات المجتمع التونسي والدولة ومنظّمات المجتمع المدني، إذ أصبحت إحدى مقدّمات التهميش والإقصاء وتعطّل آليات الاندماج الاجتماعي.

لقد كان لتراكم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال، واستفحالها، منذ أواسط ثمانينيات القرن الماضي، خاصّة بعد ارتباط الاقتصاد التونسي بالرأسمالية المعولمة مع ما أفرزه ذلك من تحوّلات عميقة في المجتمع التونسي المنفتح بطبيعته على التقدّم التقني والقيمي للمجتمعات الأخرى - آثار عميقة في أوضاع كلّ الفئات الاجتماعية، وخاصّة الشباب المتعلم (تصل نسبة التعليم إلى أكثر من 95 %) من خرّيجي الجامعات، في المناطق الداخلية خاصّة، الذي انسدّت أمامه أبواب العمل، وظلّ على هامش الدورة الاقتصادية وقتا طويلا، يعاني التهميش والمرارة والاغتراب في الوقت الذي كانت فئات محدودة تنعم بجميع خيرات البلاد.

ولا يكمن تفرّد الانتفاضة بتونس في صفتها الثورية، باعتبار أنها أطاحت برمز القهر والاستبداد الرئيس بن عليّ وحسب، بل في مجالها الاجتماعي والوطني، ووسائل نضالها الفريدة: فهي ثورة عفوية غير مسلّحة، ودون قيادة سياسية موجّهة، كما تكمن فرادتها أيضا في أشكال تطوّرها من: احتجاجات اجتماعية ضدّ الفقر والبطالة والتهميش الاجتماعي والاقتصادي، إلى انتفاضة شعبية عمّت أغلب مناطق البلاد التونسية، ثم إلى ثورة سياسية بشعارات استهدفت خيارات النّظام السياسي القائم ورموزه البشرية والمادية. فاستهداف مقرّات الحزب الحاكم والمطالبة بحلّه تحيل الباحث إلى البحث عن الجذور العميقة لهذه الثورة؛ إذ لا يمكن تفسير عوامل الثورة وأسبابها وأبعادها بالعوامل الآنيّة فقط، أي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي أفرزها حكم بن عليّ طيلة أكثر من عقدين من الزمن، بل بالنظام السياسي الذي أقامه الرئيس الحبيب بورقيبة، مؤسّس الحزب الحر الدستوري الجديد، هذا الحزب الذي حكم البلاد منذ الاستقلال بآليات غير ديمقراطية وفرض نماذج تنموية وسياسية كان مآلها الفشل. الأمر الذي يفسّر - إلى حدّ بعيد - استبشار التونسيين ببيان السابع من نوفمبر الذي وعد الشعب بالحرية والديمقراطية وبعدالة اجتماعية تتماشى والتطور الثقافي و الاجتماعي للشعب التونسي ونضجه السياسي.

وليس من الغريب أن يغيّر الحكم الجديد اسم الحزب الحاكم و يسمح بدخول دماء جديدة إليه، وليس من قبيل الصّدفة أن نجد أغلب رموز المعارضة السياسية والنقابية الفاعلة هي من جيل السبعينيات، هذا الجيل المناضل في ساحات العمل الطلاّبي والسياسي والجمعياتي، وهو الجيل الذي كتب وحلّل وأبدع وعلّم وربّى الأجيال التي من بعده: أبناء وتلاميذ وطلبة ونقابيين... وعلى خلفية كلّ ذلك لا يمكن القول: إنّ ثورة تونس هي ثورة الشباب وحسب، بل إنها ثورة الشعب التونسي كله، وهي الثورة التي شاركت فيها أيضا الأحزاب والمنظّمات السياسية والمهنية، أي المعارضة، وقدّمت التصورات والمواقف حولها ومن أجلها، وهي التي واجهت حكم بن عليّ وتصدّت لسياساته وفساد نظامه وعائلته بكلّ ما امتلكت من إمكانيات وشجاعة. لذلك يمكن القول إنّ الكثير من مكوّنات الشعب التونسي وفئاته، التي تضرّرت من هذا الحكم الاستبدادي، قد ساهمت ،بتفاوت، في الدفع نحو الثورة وتأجيجها، كلّ بحسب إمكانياته ووسائله.

عزالدين عبدالمولى: دور الإعلام في ثورة الشعب

عزالدين عبدالمولىلم يكن الإعلام، والإعلام الجديد على وجه التحديد، مجرد ناقل لأحداث الثورة في تونس، وإنما تحوّل بطبيعته التفاعلية، واتّساع نطاق استخدامه بين فئات الشباب خاصة، إلى واحد من محرّكات الثورة. لقد ساهم بفعالية ملحوظة في تشكيل وعي جديد من خلال حركة التسييس السريعة والمكثّفة، وربط النشطاء ببعضهم البعض وتنسيق حركتهم الميدانية.

دور الإعلام الجديد بوسائطه المتعدّدة خلق بيئة اتصالية، تغيّرت فيها أنماط التواصل الاجتماعي والسياسي، وأصبح للإعلام فيها تأثير غير مسبوق. واعتمدت هذه الورقة على تحليل بعض المعطيات الإحصائية حول استخدام الناشطين التونسيين لشبكة "فيسبوك"؛ دعما لأطروحتها الأساسية التي تؤكّد دور الإعلام في ثورة الشعب في تونس.

وككلّ حدث تاريخي كبير، تقدّم لنا الثورة التونسية نفسها باعتبارها ظاهرة متعدّدة الأبعاد ومتراكبة الوجوه ولا يمكن فهمها باختزالها في بعد واحد أو الاكتفاء بقراءتها من وجه بعينه. وأيّا كانت قوّة الإعلام وتأثيره في عملية التغيير، فلا يمكنه بأيّ حال أن ينوب عن الشعب ممثّلا في قواه السياسية والاجتماعية ومؤسّسات مجتمعه المدني الناشطة والفاعلة ميدانيا. إنّما نتناول دور الإعلام في الثورة التونسية باعتباره وجها بارزا من وجوهها، يساعد فهمه على فهم أبعاد أخرى لهذا الحدث الكبير.

وتكمن أهميّة تناول البعد الإعلامي للثورة بدرجة أولى في إلقاء الضّوء على الحركة الاجتماعية الجديدة التي أبدعت في استخدام وسائط الإعلام الجديد، فأوصلت صوت شعبها المنتفض في جنوب البلاد وشمالها، في شرقها وفي غربها، إلى العالم بأسره. تلك الحركة التي فجّرت الثورة وقادتها واجتهدت في حمايتها ضدّ محاولات التفاف الحركات المضادة للثورة. إنها حركة الشبيبة الثائرة التي طبعت هذه المرحلة من تاريخ تونس بطابعها الخاص، وأهدت بلادها وأمّتها والعالم كله ثورة لن تنقضي دروسها سريعا.

ولعلّ أوّل الدروس المستفادة من هذه الثورة، أنها أعادت إلى مجال التداول مفهوما أساسيا من مفاهيم التغيير السياسي، هو مفهوم الثورة الذي خلْنا أنه اختفى وإلى الأبد مع نهاية الأيديولوجيات والأفكار التغييرية الكبرى. وبعد ذلك وجد هذا المفهوم طريقه إلى النقاش العام في عدد من المؤتمرات والمنتديات والمقالات ،فضلا عن تداوله الواسع على شاشات التلفزيون وفي أوساط الملايين من مستخدمي شبكة الانترنت.

وإذا كان الحديث عن الثورة يغري - بطبيعة الحال - بالمقارنات السريعة واستدعاء التاريخ بنماذجه الثورية السابقة، فإنّ لكل ثورة ظروفها ولكلّ ثورة سياقاتها. ومهْما بدا من عناصر الاشتراك بين ثورة الشعب في تونس وأيّ ثورة أخرى، فإنّ الثورة التونسية تظلّ ذات "خصوصية تونسية". ومن أبرز وجوه تلك الخصوصية، طريقتها المتميزة في التعاطي مع ما أتاحته لها ثورة الاتصالات من تكنولوجيات ووسائط إعلامية حديثة.

د. سمير المقدسي: العجز الديمقراطي العربي وعوامل التحول إلى الديمقراطية

د. سمير مقدسيعلى ضوء نجاح الثورتين التونسية والمصرية، ومن المأمول نجاح الثورات القائمة في بعض البلدان العربية الأخرى، تساءل الدكتور المقدسي: هل بإمكاننا التنبّؤ بأن عام 2011 سيكون الفاصل بين عهدين عربيين؛  عهد سيادة الأوتوقراطية وعهد التحوّل إلى الديمقراطية؟  وهل سيشهد هذا العام ترسيخا لأسس الديمقراطية الحقيقية في كلّ من تونس ومصر؟ يقول د. المقدسي: "أعي أنّ مفهوم الديمقراطية قد لا يكون من المفاهيم المتّفق عليها، ولكني أفترض أنّ هذا المفهوم يشمل نظما سياسية يعتبر فيه الأفراد أنفسهم متكافئين سياسيا، ويحكمون بصورة جماعية، ويمتلكون جميع الطاقات والموارد والمؤسّسات التي يحتاجون إليها لحكم أنفسهم، وبالتالي فإنّ هذه النظم تستنبط قيم الحرية والعدالة والمساواة". ويقول: "لا أدّعي معرفة الإجابة عن السؤالين السّابقين ولا أودّ أن أتنبّأ بهما، بل سأتطرّق إلى بعض العوامل الرئيسة التي - في اعتقادي - قد تساهم في تسليط الضوء على عملية التحول إلى الديمقراطية في العالم العربي: ما هي أسباب تعثر هذا التحول أو تأخّره حتى يومنا الحاضر؟ وما هي العوامل المؤثّرة في دفعه مستقبلا؟".

ومن ثمّ، سأتقدّم بمجموعة من الملاحظات حول هذه المسألة، أقسّمها إلى ثلاث فئات: أولها، يتعلق بالبيئة السياسية-الاقتصادية للبلدان العربية حتى أواخر عام 2010.  وثانيها، العوامل التي عملت على إعاقة التحوّل إلى الديمقراطية الحقيقية لحينه. وثالثها، العناصر المؤثرة في دفع عملية التحول الديمقراطي قدما، آخذين بعين الاعتبار التحولات الحديثة في كل من تونس ومصر. وحين ننظر إلى العالم العربي حتى أواخر 2010 نرى على وجه العموم انغلاق المؤسسات السياسية على التنافس السياسي الحقيقي، فلا تعكس هذه المؤسسات تمثيلا شعبيا حرا وصحيحا، وإن كانت درجات هذا الانغلاق تختلف من بلد إلى آخر. وعلى الصعيد الاقتصادي، تحوّلت الاقتصادات الوطنية العربية تدريجيا من اقتصادات ترتبط مفاصلها الأساسية بالقطاع العام إلى اقتصادات تعتمد على القطاع الخاص عبر مشاريع الخصخصة والانفتاح على الخارج.

الملفت بهذا الخصوص هو ظاهرة الجمع بين الأوتوقراطية والانفتاح الاقتصادي داخليا وخارجيا؛ إذ إنه بغياب المؤسسات الضامنة للمصلحة العامّة التي تصونها النظم الديمقراطية (ولو مع خلل أو شوائب في التطبيق) فقد نتج عن هذا الانفتاح الاقتصادي في العديد من البلدان العربية تقاطع مصالح بين طبقة السياسيين الحاكمة (أو بعضها) ورجال الأعمال الكبار (أو بعضهم) ترافق معه ارتفاع مستويات الفساد. لنتذّكر أنه في العام 2009 صنّف مؤشر الفساد الذي تعتمده Transparency International معظم البلدان العربية في النصف الأسفل لهذا المؤشر.

وإذا نظرنا إلى العالم العربي ككل، فإن النظرية الموسّعة للتحديث تعجز عن تفسير طبيعة العجز العربي المتواصلة في ميادين الديمقراطية والحريات، وهنا بالذات تقف التجربة العربية في تعارض مع تجربة بلدان عديدة في المناطق الأخرى من العالم حيث نرى ترابطا إيجابيا بين التنمية الاقتصادية وعملية "الدّمقرطة".

إذَنْ، ما البدائل التفسيرية لاستمرارية العجز الديمقراطي على صعيد الوطن العربي ككل؟  يمكن إرجاع هذه الظاهرة إلى عاملين أساسيّين: هما الثروة النفطية (نظرية الدولة الريعية التي تعتمد على مقايضة الرفاه الاقتصادي بالحريات السياسية) وبدرجة أهم صراعات المنطقة وبخاصة الصراع العربي الإسرائيلي، تضاف إليه الحروب الأهلية والخارجية، والتي وفّرت كلها ذرائع للسلطة القائمة بعدم السير في عملية التحوّل الديمقراطي الحقيقي، في غياب حلّ عادل للقضيّة الفلسطينية، وفي خلق بيئة إقليمية غير مؤاتية للإصلاح السياسي الحقيقي. وقد يكون تأثير هذه الصراعات في يومنا الحاضر أقلّ شأنا ممّا كان عليه سابقا، ولكن في مطلق الأحوال لا يمكننا أن نتجاهل التأثيرات السلبية للصّراع العربي الإسرائيلي في مسيرة الديمقراطية العربية.

في المقابل، أسّست الثورتان التونسية والمصرية لمرحلة سياسية جديدة في العالم العربي، مرحلة التحوّل من الأوتوقراطية إلى الدّيمقراطية،استنادا إلى عوامل كامنة وراء هذا التحوّل. وما علينا إلاّ الانتظار لنرى إلى أيّ مدى ستؤثّر هاتان التجربتان في تحفيز التحوّل الديمقراطي على الصّعيد العربي العام.  لكن تسريع هذه العملية وتوسّعها في الوطن العربي قد يكون عملية معقّدة؛  فلكلّ بلد عربي خصائصه وتاريخه، وبالتالي فإنّ شروط نجاح التحوّل إلى ديمقراطية حقيقية لا شكليّة يمكن أن تختلف من بلد عربي إلى آخر.

أ.د. كمال عبد اللطيف: أسئلة الإصلاح والتغيير في العالم العربي

أ.د. كمال عبد اللطيفلا بد من الإشارة إلى أمرين اثنين لهما علاقة مباشرة بأنماط الاحتجاج التي انطلقت من تونس، وشملت خلال الأشهر الثلاثة الماضية كثيرا من فضاءات المدن والقرى في أغلب البلدان العربية، يتمثل أولهما في كون الحدث أعاد الاعتبار المادي والرمزي للسياسة وللعمل السياسي، وترتّب عن الحراك السياسي الدائر اليوم في الشارع العربي جدلٌ سياسي في موضوع الإصلاح.

ونتج عن الجدل المذكور بناء جملة من المواقف والشعارات المطابقة لمقتضيات الحال العربية. كما ترتّب عن ذلك، أنّ فِعل الغليان الذي ملأ فضاءات الميادين العامة اتّجه للدّفاع عن ضرورة إنجاز تعاقدات سياسية جديدة، تروم دعم المشروع الإصلاحي الديمقراطي المُجَمَّد، والمعطّل في أغلب البلدان العربية.

أمّا الأمر الثاني، فتكشفه طبيعة المبادرات التي أطلقت في قلب حدث تظاهر الشباب العربي في الشوارع في تونس أوّلا، ثم في مصر وباقي البلدان العربية، حيث أعادت هذه المبادرات - ذات قوة الصدمة الصاعقة، ودينامية التظاهر الصاخب في المدن والقرى التونسية - الاعتبار لقيم تَوارتْ من المشهد السياسي العربي. فالأمر يتعلق هنا بقيم الشجاعة والجرأة، وتبنّي المواقف التي تتّجه إلى تجاوز أشكال المخاتلات، التي أصبحت سمة ملازمة لصور الفعل السياسي العربي.

صنع فِعل المبادرة ما كان يعدّ إلى عهد قريب فعلا مستحيلا، لقد صنع طريق التغيير، ورَفَعَ حالة الانسداد السياسي التي أصبحت لازمة في الخطاب السياسي العربي. ومن غرائب الحدث العصيّة على منطق التاريخ، أنّ المبادرين من الفاعلين الموقدين لشرارته الأولى، لم يكونوا من محترفي الفعل السياسي الراديكالي، كما عهدناهم في بقايا اليسار وفلوله، في أغلب خرائط المشهد السياسي العربي. لقد كان شباب الفعل الصانع للحدث يقع خارج النَّفَسِ السياسي الاحترافي، إلاّ أنه انطلق من قلب المجتمع والسياسة؛ ليقدّم بصموده فعلاً تاريخياً مبدعاً ومولِّداً لآفاق جديدة في العمل السياسي، نفترض أنها تتمّ بطريقتها الخاصة، إنه مشروع الإصلاح السياسي العربي.

 منحت مبادرة حدث الخروج إلى الشارع في المدن التونسية وهوامشها، كل سمات الفعل السياسي المدني، الموسوم بالجرأة والشجاعة، ومنحت العمل السياسي المناهض للاستبداد، أفقا للتحرك الهادف إلى الدفع بمشروع الإصلاح السياسي، إلى حدوده القصوى. وفي قلب هذا الأفق المناضل، انتصب فاعلون جدد، يقودهم الشباب لمعانقة دروب الحرية، ومسالكها الوعرة، وأبوابها التي يتطلع إليها الجميع. حصل ذلك دفعة واحدة، دون التفات للمسوغات التي ظلت تكبّل الإرادات. فقد كانت طلائع الثورة مسلّحة بعزيمة الإرادة والفعل القادرين على تفتيت الصّخر، ووقف جبروت الطغيان.

يصعب على الملاحظ أن يصدر أحكاما سريعة ترسم ملامح ما جرى ويجري في كل من تونس ومصر، وفي فضاء وساحات عربية أخرى وإلى حدود هذه اللحظة. وذلك رغم كل ما راكم الحدث في جريانه من تداعيات ومعطيات، بل ومكاسب. ويبدو لي أن ما يقع في المجتمعات العربية هذه الأيام، يعدّ أوّلا وقبل كل شيء، محصّلة عوامل متعددة، بعضها يعود إلى عقود من الزمن.

وُصف حدثُ التغيير في تونس بمفردات كانت تردُ في الغالب في شكل مرادفات، من قبيل التمرد، والانفجار، والانتفاض، والثورة، إلى غيرها، وتعكس هذه التسميات برسومها المختلفة وغير المتكافئة ردودَ فعل متنوّعة، وهي لا تقدّم في نظرنا توصيفا دقيقا لما جرى ويجري، في الشارع التونسي ثم المصري. و بوصفي ملاحظا من الخارج، وحسب ما تقدّمه وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والشبكية، أعتبر أنّ ما جرى وما يتواصل جريانه بإيقاع مختلف في الساحات العربية الأخرى اليوم (اليمن وليبيا وسوريا)، يضعنا أمام مبادرة منخرطة في فعل تاريخي معقّد، يفترض أنه وسيلة للتحرّر من جبروت الأنظمة العربية المتسلطة والمستبدّة.

يرسم الحدث في تجلياته الأولى، المتمثلة في التظاهر ورفع الشعارات، ملامح نموذج جديد في التحول السياسي في المجتمعات العربية. وقبل الاقتراب من الحدث، ينبغي أن نتجنب إطلاق الأوصاف التي تضعنا في قلب مرجعيات نظرية بعينها، ونتّجه صوب التفكير في المنعطف الذي دشّنه الفعل المبادر؛ لعلنا نتمكن من ابتكار الأسماء المحايثة لروح رسالته، وروح الفعل الذي أسس ويؤسس اليوم في الحاضر العربي، المحاصر بالخيبات والهزائم، علامة ضوئية سيكون لها كما نتصور نتائج مهمة في مسار الصراع السياسي في المجتمعات العربية. لنقترب أكثر من الحدث وآثاره، لعلنا نصل إلى إدراك كيف نسجت خيوطه، فنتمكّن من تشخيص ما وقع ويقع في المجتمع التونسي.

تمثّلت شراسة النظام التونسي، في سياساته التي كانت مبنية على محاربة أيّ شكل من أشكال المعارضة، التي تروم التغيير أو تدافع عن الإصلاح و"الدمقرطة". وقد ترتّب عن ذلك، أن أصبح الشارع التونسي من دون خيارات سياسية متبلورة داخل الأحزاب، مقابل نظام بوليسي ساهم بكثير من العنف في تدجين المعارضة لصالح نظام الحزب الواحد.

ويمكن النظر إلى ما حصل في تونس باعتباره خلاصة لتفاعلات المجتمع التونسي مع منظومة الإصلاح العربية والكونية، وأنظمة الإصلاح كما تواترت في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، خلال الثلث الأخير من القرن السابق، وعلى الرغم من كلّ صور العنف والتدجين والطرد التي تواصلت ضدّ المجتمع التونسي، والتي كانت تمارس دون أدنى التفات لتحفّظات المنتديات السياسية والحقوقية العربية والعالمية وتنديداتها ، ومقابل كلّ النواقص والعيوب التي شخّصناها باختزال ونحن نوضّح سطوة النظام - ظلّ المجتمع التونسي قادرا على بناء مواقف وتصوّرات إصلاحية متّسمة بكثير من المعطيات المعبّرة عن كيفيات استيعاب النّخب لمكاسب الفكر السياسي الديمقراطي. وفي هذا السياق، نتصوّر أنّ بعض هذه المواقف والتصورات السياسية كانت حاضرة بصورة أو بأخرى، في أذهان مجموعات كثيرة من الشباب المنتفضين وسط العاصمة وفي قراها المهمّشة والنائية، قراها التي تعاني مثل باقي المدن العربية المهمّشة، من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

أ.د. سالم الأبيض: تحولات الخارطة السياسية في تونس

أ.د. سالم الأبيضيبدو أنّ المشهد السياسي والحزبي في تونس بات أشدّ تعقيدا ممّا كان عليه أيام حكم بن علي، ممّا يجعل تفكيكه وإعادة تركيبه أمرا صعبا أمام المشتغلين بالشأن السياسي وبالبحوث في علميْ السياسة والاجتماع السياسي. وهذه الصعوبة متأتية من المكاسب التي جاءت بها ثورة الديمقراطية التي شهدتها تونس لجلّ مكوّنات المجتمع السياسي والمدني، شأنها في ذلك شأن شرائح المجتمع وطبقاته وقواه الاجتماعية كافة، إذ تحقّق حلمها ودون تضحيات جسام وخسائر جمّة كثيرا ما تنتهي إليها الثورات والحركات الاحتجاجية الكبرى في التاريخ. ومن مظاهر الفيض والعطاء الذي أُغدق على ناشطي المجتمع السياسي التونسي، هذا العدد الهائل من المطالب التي تقدَّم بها أصحابها لتأسيس أحزاب سياسية بلغ عددُها بعد شهر من سقوط هرم النظام 40 حزبا جديدا تُضاف إلى 16 حزبا تنشط قانونيا، ويصبح المجموع بعملية حسابية بسيطة 56 حزبا وحركة سياسية تشتغل مباشرة بالعمل السياسي، ناهيك عن الجمعيّات المشتغلة في الشّأن نفسه بطريقة غير مباشرة.

الأحزاب المتكوّنة في تونس بعد هروب بن علي تشكّل درجة عالية من الضّبابية في الاختيارات السياسية والأيديولوجية للكثير منها، وإذا ما تمّ استثناء التيارات والأحزاب المعروفة بانتماءاتها الأيديولوجية القومية والإسلامية واليسارية، التي كانت تشتغل في الفضاء السياسي منذ زمن ليس بالقريب يتجاوز حتى تاريخ صعود بن علي إلى هرم السلطة، فإنّ بقية الأحزاب الناشئة لا تزال تعمل من أجل التعريف بنفسها أوّلا، وأغلبها لا يزال تحت التأسيس؛ بما يعنيه ذلك غياب الرؤية السياسية، ناهيك عن بلورة برامج في شكل لوائح لمؤتمرات تأسيسية لم تُعقد بعد.

وهذه المسألة لا تقتصر على الأحزاب مبهمة التسميات المتأثّرة في واقع الأمر بالفضاء السياسي التركي، بل يشمل الأمر بعض الحركات المصنّفة أيديولوجيا. وهذا الانفجار الحزبي في تونس في ظلّ الثورة له مبرّرات كثيرة، لعلّ أبرزها الحرمان السياسي والمنع من حقّ التجمع المكفول دستوريا والممنوع قانونيا وعمليا. فما يحدث في تونس اليوم في المستوى الحزبي كان يجب أن يظهر منذ أكثر من خمسين سنة، أي منذ الاستقلال، لكن الذي تمّ هو اغتصاب حزب واحد للسلطة وللفضاء العام باسم الشرعية الوطنية ومنع سواه من ذلك.

د. هيكل بن محفوظ: تونس بين حكومة الائتلاف وتصريف الأعمال

د. هيكل بن محفوظالحكومة التونسية قبل ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011 كانت دستورية ظاهريا، وأقرب ما تكون إلى حكومة إدارة بعد تعطيل دورها السياسي عقب تعديل 1988، وباتت شكلانية بالموازاة مع حكومة ظلّ تمارس أهم الصلاحيات وتعرقل عمل الحكومة العلنية.

وحسب هيكل بن محفوظ، فإنّ هذه الوضعية المذكورة جعلت الحكومة التونسية غير مستعدّة للانتقال الديمقراطي ولثورة شعبية، الأمر الذي جعل الحكومة المؤقّتة الأولى مرتبكة، تبدو كأنها عديمة الخبرة. وأشار إلى أن هشاشة الطبقة السياسية التونسية لم توفّر الظروف الملائمة لتشكيل حكومة ائتلافية كإطار للانتقال الديمقراطي. متسائلا: هل يكون هذا انتقالا للسلطة أم انتقالاً ديمقراطيا؟

وبيّن الدكتور هيكل بن محفوظ أنّ تونس عرفت منذ 14كانون الثاني/ يناير 2011 مرحلتين: الأولى شهدت انتقالا للسلطة على أساس الفصل 56 للدستور، سرعان ما تحوّل إلى ائتلاف بعد رفض وجود رموز النظام السابق في الحكومة المؤقّتة الأولى، لافتا إلى أنّ الضغط الشعبي دفع بالحكومة المؤقّتة الثانية لأن ترمز للانتقال ولكنها لا تؤمّنه، بحيث لم ترق لمقتضيات المرحلة السياسية ممّا عرضها للسّقوط هي الأخرى بسقوط الشرعية الدستورية أمام شرعية الثورة التي فرضت الانتقال من حكومة تصريف أعمال إلى حكومة انتقال ديمقراطي (حكومة قائد السبسي) على أساس روزنامة إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي وتحقيق الأمن، وتوافق معيّن أعاد للحكومة دورها السياسي؛ ونتج عنه صدور تنظيم السلطات المؤقّت. وأكّد أنّ الفترة الانتقالية لن تنتهي في تونس مع انتخابات 24تموز/ يوليو 2011، متوقّعا أن تستمرّ عقدا كاملا على الأقلّ للوصول إلى المرحلة العادية.

عدنان المنصر: جدلية السياسي والاجتماعي في اتحاد الشغل

عدنان المنصرجدلية العلاقة بين النضال السياسي والاجتماعي في مسيرة أعرق منظمة اجتماعية في تونس، تأخذ أهمية خاصّة في الظرف الراهن، بالنّظر إلى الدور الذي لعبته المنظمة النقابية (الاتحاد العام التونسي للشغل) في أحداث الثورة التي بدأ اندلاعها في مناطق تونس الداخلية لتتصاعد بعد ذلك وتسفر عن فرار الرئيس السابق زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني/ يناير 2011.

فبسبب التضييق السياسي في عهدي بورقيبة وبن علي شكّل الاتحاد العام التونسي للشغل - بالفعل - ملجأ للمناضلين الذين أحسّوا بعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية للفئات المقهورة التي شهدت مداخيلها تقلّصا سريعا مقابل تضخّم مداخيل الفئات المحظوظة التي اغتنمت الخيارات الليبرالية لملْء جيوبها والإفلات من الضّرائب. وفي مقابل الفراغ الذي تركه أفول الحزب الدستوري نتيجة خياراته الاقتصادية غير الشعبية في أوساط أوسع الفئات، فرض الاتحاد نفسه باعتباره قطبا اجتماعيا قويا، وعمل  على احتضان المناضلين، وتحرّر يوما بعد يوم من مراقبة الحزب والدولة لهياكله.

وعندما بدأت أحداث الثورة التونسية في التصاعد، وقبل انتشارها في عموم البلاد، عمدت الأوساط القيادية في الاتحاد العام التونسي للشغل إلى التذكير بمضامين الدراسات التي أنجزتها حول الوضع الاجتماعي في الجهات الداخلية، وهي دراسات بيّنت العمق الحقيقي للأزمة واقترحت على الحكومة في الوقت نفسه حلولا للتخفيف منها أو تجاوزها. وعلى الرغم من أنّ ذلك لا يبتعد عن الحقيقة، فإنّ المشكل الحقيقي يكمن في فقدان الاتحاد دوره الضّاغط على السلطات العمومية من أجل توجيهها لحلّ تلك المشاكل، خاصّة خلل التوازن في التنمية بين الجهات والفئات الاجتماعية. وهذا يعود إلى عملية التدجين التي تعرّض لها الاتحاد من السّلطة، ودخول قياداته في ممارسات اتّسمت بالفساد وسوء استغلال النفوذ؛ ممّا سهّل على الحكومة التحكّم فيه ثم في القرار النقابي بعد ذلك.

فاجأتْ الثورة الاتّحاد العام التونسي للشّغل مثلما فاجأت جميع الأطراف الأخرى على الساحة، حكومة وأحزابا، غير أنّ الكوادر الوسطى للمنظّمة هي التي أعطت الثورة جانبا كبيرا من حظوظ النجاح في بدايتها ونهايتها. ويعود ذلك في الحقيقة إلى أنّ تلقائية الثورة التونسية وعدم وجود زعامات تلتف حولها الجماهير، والتراث العريق الذي يتمتع به الاتحاد العام التونسي للشغل، إضافة إلى تنامي المعارضة للقيادة النقابية في صفوف الكوادر النقابية الوسطى والدنيا؛ كل ذلك جعل من مقرات الاتحاد ومناضليه في الأقاليم محضنة للثورة، حيث كان النقابيون يقودون التحركات ويتحدثون لوسائل الإعلام بمطالبها، على الرغم من موقف المكتب التنفيذي السلبي من هذه التحركات. وأدى الضغط على القيادة النقابية إلى موافقتها مكرهة على شنّ الاتحادات الجهوية إضرابات عامّة لاقت نجاحا كبيرا، وللدلالة على ذلك فإنه لم يكن بالإمكان حشْد كلّ تلك الجماهير المطالبة برحيل بن علي في الشارع الرئيس في العاصمة يوم 14 كانون الثاني/ يناير 2011 لو لم يكن ذلك اليوم يوم إضراب عام في تونس.

غير أنّ الأمر اللاّفت كان تصرف القيادة النقابية غداة يوم 14 كانون الثاني/ يناير، وفرار بن علي خارج البلاد. فرغم حالة الحرج التي كانت عليها تلك القيادة ممثّلة بالخصوص في المكتب التنفيذي لم تشعر بأنها معنية بالانتقادات الموجّهة إليها بفعل مواقفها السابقة من السلطة، فانطلقت في مجهود جعلها في مقدمة الأحداث، وجعلها تستثمر الثورة استثمارا سياسيا لا سابقَ له. فرغم تمكين الاتحاد العام التونسي للشغل من المشاركة في الحكومة بعدّة وجوه، فإنّ الاتّحاد سرعان ما رفض ذلك وقد أحسن قراءة ردود الفعل التي أحدثها تشكيل حكومة محمد الغنوشي الأولى التي ضمّت 14 وزيرا من الحزب الحاكم سابقا. عرّض ذلك الاتحاد إلى هجمات عنيفة من الحكومة، و من الحزبين المعارضين اللذيْن قبلا المشاركة فيها على عيوبها. ساهم موقف الاتحاد الرافض لمشاركة واسعة لعناصر من النظام القديم في الوزارتين اللّتين شكّلهما محمد الغنوشي في 15 كانون الثاني/ يناير وفي 27 شباط/ فبراير في إسقاطهما عبر اعتصامين جماهيريّين في ساحة الحكومة بالقصبة، ويتوقّع أن يواصل الاتحاد لعب دور رئيس في الساحة السياسية في المرحلة القادمة، حيث تبدو الساحة فارغة من خصوم أقوياء قد ينازعونه هذا الدور.

سهيل الحبيب: الانتقال الديمقراطي في التفكير العربي المعاصر

سهيل الحبيبقد يكون من الطبيعي أن تختفي،إلى حدّ بعيد، الكثير من خطوط التمايز بين المهتمّين بالشأن العام في لحظات التفاعل الفوري مع الأحداث الكبرى مثل ثورتي تونس ومصر اللتين أطاحتا، في وقت وجيز، برأسي النظام فيهما. وإذا كان الأمر لا ينطبق على تمايز المواقف السياسية المباشرة، ولا على تمايز المرجعيات الفكرية والأيديولوجية، إلى حدّ ما ، فإنه ينسحب، بشكل كبير، على تمايز موقع السياسي عن موقع المثقف، وعلى التمايز بين الاختصاصات التكوينية الأصلية وحقول الاهتمام والاشتغال، وعلى الروافد النظرية والمنهجية الكبرى التي تتوزّع إليها النخب العالمة والمثقّفة والمفكّرة .غير أنّ خطوط التمايز هذه سرعان ما تتدرّج نحو البروز، أو من الواجب أن تصير إلى ذلك في تقديرنا، مع طور الانتقال من لحظة التفاعل الفوري إلى لحظة القراءة المتروّية، من لحظة التمجيد والانتشاء بالمنجزات والبطولات إلى لحظة التدبّر والتفكير في التحدّيات والمشكلات والمعوقات.

واليوم تتولّد عن مخاض الانتقال الديمقراطي في تونس ما بعد بن علي من زاوية قراءتها في ضوء معالجات التفكير العربي المعاصر للمسألة الديمقراطية خلال العقدين الأخيرين خاصة، وإذا كان منطلقنا هذا صادرا عن زعم بخبرة ما في بحث قضايا هذا التفكير، فإنه لا يعني تخفّيا وراء رداء "أكاديمي" مزعوم أو "حياد موضوعي" كاذب في مقاربة مسألة سياسية - وليست أيديولوجية فحسب - بامتياز.

وهناك ثلاثة حراكات فكرية وعملية شهدتها ساحتنا العربية خلال السنوات الأخيرة بصورة مترابطة ومتداخلة ومؤثّرة في بعضها البعض، يتعلّق الحراك الأوّل بمحاولات بناء تحالفات جبهوية تضمّ مختلف "قوى الأمة" (التيارات الفكرية المعروفة تاريخيا: القومية والليبرالية والإسلامية واليسارية)، قوميا وقطريا، وفي هذا الإطار يمكن أن نشير خاصة إلى المؤتمر القومي الإسلامي وإلى مشروع الكتلة التاريخية على المستوى القومي العام، وإلى هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات على المستوى القطري التونسي. أمّا الحراكُ الثاني، فيخصّ الجانب الفكري المؤسّس لهذه الطموحات التكتلية مجسّدا خاصّة في الحوار القومي الديني وأدبيات المشروع النهضوي العربي والوثائق الصادرة عن هيئة 18 أكتوبر، في حين أنّ الحراك الثالث يهمّ المراجعات الفكرية التي أقدمت عليها مختلف القوى النازعة إلى التحالف في شأن المسألة الديمقراطية، وفي مقدّماتها المراجعات الإسلامية. وقد تمخّضت عن هذه الحراكات الثلاثة جملة من القسمات والقواسم الفكرية والنظرية التي تؤلّف مجتمعة هذه النزعة العامّة الأولى، والتي تصبّ عموما في فكرة جوهرية مدارها أن الديمقراطية حلّ لمشكلة السلطة الاستبدادية في الوطن العربي.

وضمن هذا المنعطف تتّضح المعالم الفارقة بين ضربين من التمثّلات لماهية الانتقال الديمقراطي في تونس، وفي الوطن العربي عامة، وكلّ ضرب تنتج عنه وتجسّده، في الوقت نفسه، خيارات مخصوصة للانتقال الديمقراطي، إمّا بالانصراف التام لما يُعتقد أنه استكمال لمهام الثورة، أي القطع التام مع رموز الاستبداد وتشريعاته، وهو المفكر فيه والمفعّل في المشهد التونسي الراهن، وإمّا بجعل الثورة بداية لمسار إصلاحي تدرّجي طويل الأمد يقود إلى تغيّرات مجتمعية حقيقية - تشمل مختلف البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية - يفترضها ويحويها، في الوقت نفسه، الانتقال إلى الديمقراطية، وهذا الخيار غير مفكّر فيه ومغيّب تونسيا اليوم.

د. امحمد المالكي: الأسس الدستورية للجمهورية التونسية

د. امحمد المالكيحظيت المسألة الدستورية بمكانة خاصة في سياق الانتفاضة التي انطلقت بتونس في السابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2010 ، وتوّجت بسقوط رأس النظام السياسي في الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير 2011 . فمن الجدير بالتذكير أنّ أولى القضايا التي فتحت باب النقاش الدستوري في تونس، هي مسألة التكييف القانوني الواجب ترجيحه لملْء الفراغ الناجم عن رحيل الرئيس، وما إذا كانت تحكمه مقتضيات الفصل السادس والخمسين أم السابع والخمسين من الدستور. والحقيقة أن الأمر كان واضحا، حيث لم تكن القضية مجرد ملء الفراغ الرئاسي كما هو وارد في الفصلين 56 و57 من الدستور، بل تعلقت بإعادة تأسيس شرعية جديدة، بمتطلبات دستورية وقانونية وسياسية مغايرة، وهو ما أوضحته على التوِّ طبيعة الثورة الحاصلة في البلاد التونسية يوم الرابع عشر من كانون  الثاني/ يناير 2011.

 تؤكّد التجارب الدستورية، من الناحية التاريخية، أنّ الثورة، بحسبها قطيعة مع ما سبقها، تلغي الدستور، وتفتح الباب أمام وضع دستور جديد، يستبطن قيمها، ويعكس خيارات الناس وتوافقاتهم حول الشرعية الجديدة التي يرومون تأسيسها. والحقيقة ينطبق هذا المعنى، بكلّ المقاييس، على تونس، التي دشَّنت أولى حلقات ما يمكن تسميته " ربيع التغيير في العالم العربي"، وهي الآن تجهد من أجل إرساء أسس البناء الجديد على الصعد الدستورية والقانونية والسياسية والمؤسساتية. وكأيّ سيرورة من هذا النوع، تتعدد الأسئلة حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه الثورة في ترسيم القطيعة مع النظام المنهار، وبناء آخر جديد على أنقاضه. بيد أنّ ثمة عوامل ساهمت في إنضاج مشروع التغيير في تونس، على الرغم من استدامة واقع الانسداد السياسي أكثر من عقدين، وهو ما يمكن الارتكاز عليه للنظر بتفاؤل إلى ما يعتمل في المجتمع التونسي من تطورات حثيثة للانتقال بالبلاد إلى إرساء منظومة دستورية وسياسية ومؤسساتية جديدة.

تخلّلت النقاشات الدستورية والسياسية التي أعقبت سقوط النظام في تونس آراء، يمكن إجمالها بين من يطالب بإقامة "نظام برلماني"، ومن يدعو إلى العودة إلى النظام الرئاسي كما أُرسيَ في وثيقة 1959 قبل أن  تحوله التعديلات اللاحقة التي طالت نص الدستور، إلى نظام رئاسوي Presidentialiste ، لا سيما منذ حكم رئيس الوزراء الأسبق المرحوم الهادي نويرة. 

لكنه وبناءً على ما يعتمل داخل المجتمع التونسي من نقاشات، وعلى وجه التحديد وسط النخبة السياسية والاجتماعية والإعلامية، يمكن القول إن هناك إجماعاً حول القطيعة مع النظام القديم والسعي إلى تأسيس نظام جديد، قوامه التحرر من مصادر التكلس التي حوّلت النظام الجمهوري من نظام رئاسي غير متوازن إلى نظام رئاسوي مغلق، هيمن على كلّ مفاصل الدولة وطوَّعها لخدمة الرئاسة ومن يتحلّق حولها، كما اخترق، عبر تسخير مؤسسة الدولة لصالح الحزب المسيطر، كلّ مفاصل المجتمع وتعبيراته.

وتشكل عملية "الدسترة" الجارية الآن في تونس من خلال اللجنة الاستشارية الخاصة بالإصلاحات الدستورية والسياسية، والاستعداد لانتخاب المجلس الوطني التأسيسي في الرابع والعشرين من يوليو/ تموز 2011، الذي سيتولى  وضع دستور جديد للبلاد ،ويصعب منهجياً ومعرفيا الفصل بين عملية "الدسترة" والبحث عن التوافق حولها. فبقدر ما ينجح الفرقاء السياسيون والاجتماعيون وحاملو الثقافة والفكر وعموم شرائح المجتمع في إنضاج التوافق وخلق أرضية مشتركة حول أساسياته، بالقدر نفسه تتقدم عملية الدسترة، وتستقيم عناصر هندستها؛ لذلك، نعتبر التوافق شرطا لازماً لإنجاح عملية الدسترة، وهذا ما نلاحظه مطروحاً بشكل بارز في الحالة التونسية، فعلاوة على إحداث ثلاث لجان لمعالجة موضوعات الإصلاح الدستوري والسياسي، والنظر في انتهاكات حقوق الإنسان، ومراقبة اختلاس المال العام، طالت مختلف فئات المجتمع التونسي نقاشات حول الأسس التي يجب أن تنبني عليها "الدسترة" المرتقبة، والآليات اللازمة والملائمة لتأسيس شرعية دستورية، ومن ثمّ سياسية جديدة تتناغم مع روح التغيير الحاصل في الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني 2011.

محمد الهدار: أيُّ نمط تنموي بديل للدولة الديمقراطية؟

محمد الهدارحقّقت تونس منذ الاستقلال نتائج تعتبر جيدة مقارنة ببلدان شمال أفريقيا رغم محدودية إمكانياتها على المستوى الاقتصادي، وعلى هذه النتائج بنت دولة بن علي مشروعيتها، خاصة أن المنظّمات العالمية كالبنك الدولي تقدم تونس باعتبارها نموذجا يُحتذى به. فلماذا نتكلم اليوم عن نمط تنموي بديل؟

إنّ الاقتصاد التونسي يمرّ بوضعية صعبة، تتميز بانخفاض النشاط وبطء نسق الاستثمارحيث إن المتوقع بلوغ النتائج التالية في سنة 2011، إضافة إلى تراجع نسبة نموّ الناتج المحلي الإجمالي بحدود صفر في المئة. وكان الاقتصاد في عهد بن علي يتسم بالهشاشة والفساد و العجز عن إيجاد حل للبطالة والتوازن الجهوي بشكل عام.

فخلال الفترة 1987 - 2009 شهدت تونس معدل نمو اقتصادي سنوي قدره 5 في المئة، ويعتبر هذا النمو أعلى من المتوسط بالنسبة إلى بلدان شمال أفريقيا على مدى العقود الماضية، على الرغم من تراجع الموارد الطبيعية المتاحة، ومناخ تنافسي متزايد على المستوى الدولي. لكن في الوقت نفسه، يعتبر هذا النمو في تونس هو أدنى من النموّ الذي سجّلته بعض البلدان مثل كوريا وتشيلي وماليزيا.

وتحسّن النموّ ساهم في تحسّن الناتج الاجتماعي للفرد الواحد بنسبة الثلث خلال التسعينيات، على ضوء هذه النتائج تصنّف تونس في مجموعة البلدان متوسّطة الدخل حسب تصنيف البنك الدولي مع دخل فردي يقدّر بـ 3300 دولار أمريكي سنة 2008.  ولولا الفساد لكان لتونس أن تحقّق نسبة نموّ أعلى وتوفّر المزيد من فرص العمل ويكون توزيع الثروة بين فئات المجتمع أفضل؛ فالمزيد من الفساد قلّص من الاستثمار، وهذا يعني تقلّص نسبة النمو والعمالة. وانتشر الفساد عبر المؤسسات وحتى في دواليب الدولة؛ ما أعاق خلق الثروة، وجعل أصحاب المؤسسات يفضّلون عدم إثارة أيّ رغبة في الحفاظ على مؤسّسات صغيرة، وبالتالي لا يعمل الاقتصاد بكامل طاقاته، إذ يتكون النسيج الاقتصادي من 90 في المئة من مؤسّسات صغرى ومتوسطة تستخدم رأس مال أدنى من التكنولوجيا ولا تعتمد على الابتكار بدلا من التجارب الدولية الأخرى.

في الظرف الحالي وضعت الحكومة المؤقّتة برنامجا يرمي إلى تأمين استراتيجية الدولة واحترام كلّ التعهّدات تجاه الأطراف التونسية والأجنبية، ومن أولوياتها الأمن والتشغيل والتنمية الجهوية والانتظارات الاجتماعية.

يتّصف هذا البرنامج بتوزيع الثروة أكثر من خلقها، فعلى المدى القصير لا تستطيع الحكومة المؤقّتة خلق مَواطن الشغل، كما أنّ دفع الاستثمار يتوقّف أساسا على الأمن والاستقرار وخلق المناخ الجيّد.

والتوصّل إلى نمط جديد من النمو - بغضّ النظر عن معدّل نسبة النمو في تونس - يجعل هناك حاجة ملحة إلى تغيير النمط الحالي، فقد وصل هذا النمط - المتّبع حاليا - إلى حدّ لا يمكن معه خلق فرص العمل اللازمة للحدّ من بطالة خريجي التعليم العالي، الذين بلغ عددهم 157 ألفا سنة 2010. في هذا المعنى  على تونس استغلال منافذ جديدة ذات قيمة مضافة عالية يوفّرها اقتصاد المعرفة، و تعتمد على مهارات رفيعة المستوى. ويتبع ذلك أن واحدا من المواضيع الرئيسة لتغيير الديناميكية التنموية في السنوات المقبلة يكمن في تعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة، استنادا إلى رأس المال البشري الموجود في البلاد من خلال قدرتهم على الابتكار والمبادرة والتحديث.

د. أحلام الضيف: دور الرقابة في حماية النظام الديمقراطي

د. أحلام الضيفيمكن فهم دور الرقابة في حماية النظام الديمقراطي ببساطة على أنه نظام يجعل الشعب مصدرا للحكم، وعلينا القبول بأن الهدف الأساسي لهذا النظام هو حماية حقوق الشعب وحريته حتى أمام من انتخبوه وأوصلوه إلى السلطة. وبهذا المعنى أكّدت الدكتورة أحلام أن المواطنين في النظام الديمقراطي يجب أن يكونوا مطمئنين إلى أن الحكومات الجديدة لن تطيح بالقيم المشتركة التي أوصلتها إلى الديمقراطية،

وتطرّقت الباحثة إلى المبادئ الأساسية التي لا يستقرّ النظام الديمقراطي من دونها: وأوّلها، مبدأ الفصل بين السلطات، وكذلك مبدأ سيادة القانون؛ لأن النظام هو الذي يصدر القوانين المعبرة عن الإرادة العامة في إطار الدستور، ومن ثم لا بد أن تحترم الدولة سيادة القانون، ومن هنا يأتي مصطلح دولة القانون الذي يقيّد نشاط الدولة من خلال تحديد الوسائل التي تسمّى اختصاصات الدولة والإجراءات المتبعة لذلك. وشدّدت الباحثة على ضرورة وجود نظام قضائي يراقب احترام القانون والمواطنة.

جمال باروت: التنمية التسلطية: نهاية نموذج

جمال باروتشهدت مرحلة الثمانينيات من القرن العشرين دخول أكثر من بلد عربي - بفعل ارتفاع المديونية الخارجية - إلى معدلات غير مسبوقة في مرحلة الإصلاح الاقتصادي وفق الصيغة النمطية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي التي تستند إلى وفاق واشنطن، وحتى أوائل التسعينيات كانت الدول العربية كافة تطبق برامج الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة باتفاق مع صندوق النقد الدولي أو دون اتفاق معه.

وعلى الرغم من مواكبة هذه الإصلاحات الاقتصادية لأخرى سياسية اجتاحت دول المنطقة، فإن سيرورة الإصلاحات ونتائجها أبرزت مايمكن وصفه بـ" نموذج التنمية التسلطية"، الذي قام على التحالف بين سلطة الدولة وبين شريحة رجال الأعمال الجدد في نمط" احتكار القلّة" وتكوين "رأسمالية الحبايب والقرايب". وتركيز الاستثمارات في قطاع الخدمات في الوقت الذي تقلّص فيه حجم الاستثمار العام. وقد أدّى هذا النموذج إلى تحقيق معدّلات جيدة، بل ومرتفعة في بعض البلدان مثل تونس، من النموّ الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، و غير ذلك .

غير أن ثماره سقطت في "سلال" الطبقات القوية، وفي مقدّمتها شرائح رجال الأعمال الجدد، وارتفعت اختلالات العدالة التوزيعية، وتمفصل ذلك مع ارتفاع معدّل الفقر والبطالة، وبرزت فجوات التنمية المناطقية والإقليمية، حيث نشأ في كلّ بلد اتّبع هذا النموذج شمال متدرج الشمالية وجنوب متدرج الجنوبية. وهو ما كان يعني في هذا المنظور أن ارتفاع وتيرة التهميش كان الوجه الآخر لسياسات النمو التسلطي التوزيعية والاستثمارية.  وقد تمثّل ذلك أكثر ما تمثّل في تونس ومصر وسوريا.

واندلعت شرارة نهاية النموذج، ووصوله إلى نهايته في تونس، ثم امتدّت إلى مصر وعدّة بلدان عربية، ولاسيما سوريا التي احتذت خلطةً من التجربتين التونسية والمصرية، وصلت في أواخر العشرية بدورها إلى مأزقها ونهايتها. وقد طرح ذلك من جديد إعادة طرح إشكالية العلاقة بين التنمية والديموقراطية في مرحلة تطور تاريخية جديدة كبرى في العالم العربي يشكّل التحول من التسلطية إلى الديمقراطية، والدمج بين التنمية والحرية عنوانها الأساسي ومضمونها الجوهري، وهي مرحلة ما زالت في طور التكوّن.

د. محمد الصفار: بروز النضال الشبابي الجديد

د. محمد الصفارثمانية عشر يوماً استغرقها الحدث الثوري في مصر منذ اندلاع التظاهرات الاحتجاجية فى الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير الماضي، وحتى تخلى رأس النظام الحاكم في مصر عن السلطة في الحادي عشر من شباط/ فبراير. ورغم أن هذين التاريخين يضعان الدراما الثورية، أو لحظة الانفجار الثوري، بين قوسين، فإن الحدث المصري لم يكتمل بعدُ؛ فلم تتضح طبيعته أو تتكشّف أبعاده أو تظهر تداعياته المحلية أو القومية أو الإقليمية أو الدولية، ولا يقتصر ذلك على مصر فحسب، بل يشمل تونس التي اندلعت منها شرارة الثورة، وكذلك ليبيا التي تخضّبت بدماء المصادمات المسلّحة، و اليمن والعراق والبحرين وعمان وسوريا، وغيرها من البلدان التى تأثّرت برياح الثورة.

ولمعرفة الدور الذي اضطلعت به فئة الشباب أثناء الحدث الثوري وفي أعقابه، لا بد من تثبيت العدسة على أيام الثورة، تلك الثمانية عشر يوماً الفاصلة؛ كي تظهر بعض القسمات الواضحة للشطر المنقضي من الحدث الثوري. والرؤية المدقّقة للأحداث، من أبرز رموز النظام، كانت تعكس منطقاً تآمرياً وتحيزاً ضدّ تيار سياسي بعينه فقط (الإخوان المسلمون)، لكنها تستبطن ما يسميه المؤرخ الهندي راناجيت جوها "التحيز النخبوي"، الذي سيطر على نظرة المؤرخين الهنود لثورات الفلاحين ضد الحكم الكولونيالي البريطاني. وتكمن النخبوية هنا في اعتبار أنّ تعبئة الفلاحين وتنظيمهم للقيام بثورة مرتهن بوجود قيادة كارزمية أو تنظيم سياسي أو طبقة قائدة، ذلك أن الصورة السائدة عن الفلاحين هي افتقارهم الكامل أو شبه الكامل للوعي والتنظيم السياسيين، ممّا ينزع عن الهيئات الفلاحية أيّ طابع سياسي، بل يجعلها تحركات عفوية أو تلقائية. ومن هنا يمكن فهم تجاهل نائب الرئيس السابق عمر سليمان مطالب المتظاهرين، فهم من وجهة نظره لا يمتلكون أيّ ثقافة أو وعي سياسي ، ولا يعدو تحركهم التلقائي سوى استغلال لهم من قوة منظّمة تتّخذهم ستاراً لأهدافها (الإخوان المسلمون)، وسيكون حلّ المشكلة هو التعامل مع تلك القوة وليس الاستجابة لمطالب المتظاهرين. ويؤكّد راناجيت جوها أنّ التّحيز النخبوى يستلهم الخبرات الغربية في الحركة السياسية، ويقفز فوق خصوصية الواقع المحلّي، حيث إن المبادرات الفلاحية للثورة السياسية ارتبطت بقيادات محلية واعية، لم يكن أيّ منها يحكم سيطرته على العناصر الثورية كافة، بل اتّحدت هذه العناصر القيادية على الأرض، بصورة تختلف عن السلطة التي يمارسها التنظيم أو الحزب السياسي الحديث.

ويأتي مفهوم "الريزوم"، الذي استخدمه الفيلسوف الفرنسي جيل ديلوز، ليساعد في الكشف عن خصوصية الواقع المحلي من حيث تعدّد المبادرات النابعة من أسفل وتحالفاتها الشبكية.

وتتمثل التشكيلات "الريزومية" في المجموعات الشبابية التي حملت الثورة المصرية على أكتافها، مثل حركة 6 أبريل وحركة كفاية وشباب الإخوان والحملة الوطنية لدعم البرادعي وحركة الاشتراكيين الثوريين ومجموعات "الفيس بوك" (مثل مجموعة "كلنا خالد سعيد" ومجموعة الرصد) وغيرها الكثير.

ومن أبرز سمات التشكيلات الريزومية، التنوع الشديد في الشكل وأسلوب الحركة، ولعل ذلك يفسّر الاختلاف الهائل في الخلفية الفكرية والتنظيمية للمجموعات الشبابية، وتتسم أيضاً بالقدرة الهائلة على التواصل عبْر الامتداد الشبكي، وهو ما لا يجعل للشكل الريزومي مركزاً يمكن شل فاعليته أو قيادة يمكن استئصال عناصرها. ولعل ذلك يتجسد في قدرة المجموعات الشبابية على التنسيق والعمل التنظيمي والحركي المشترك، مثلما اتّضح من إطلاق فكرة النزول إلى الشارع في يوم عيد الشرطة (25 يناير) في محافظات مصر.

وحينما ضربت التكوينات الريزومية للشباب بجذورها في تربة الواقع وثبتت وجودها فيه على هيئة مجتمعات صغيرة، ما لبثت بتشابكها وتنسيق تحركاتها، مع الحفاظ على التعدد والتنوّع الشّديدين، أن تحوّلت إلى مراكزَ جديدة مناوئة للسلطة تمارس ضغوطاً شديدة، في طول البلاد وعرضها، على نظام الرئيس السابق ومعاونيه، واستطاعت مقاومة كلّ الضغوط التي مُورست عليها، والإغراءات التي قدّمت لها للانسحاب من مواقعها، ورفضت كافة الإجراءات الإصلاحية الشكلية التي قام بها مبارك لاحتواء قوى الثورة التي أَجبرت الرئيس السابق على التنحِّي عن منصبه، بعد أن حاصرت مقارّ السلطة القديمة كافة وشلّت حركتها.

شهادات نشطاء ثورتي تونس ومصر عن مسيرة التغيير                      شاهد كلمات نشطاء الثورتين

قدّم مجموعة من الناشطين الشباب في ثورتي تونس ومصر شهاداتهم الميدانية عن واقع تجربتهم في الثورة والوسائل التي اتبعوها خلال مسيرة الاحتجاجات في البلدين إلى أن تم إسقاط نظامي الحكم فيهما وذلك في جلستين ترأسهما مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور عزمي بشارة.

الأمين البوعزيزي: الثورة نجحت لأنها لم تكن نخبوية

الأمين البوعزيزيكانت هناك إمكانية لانطلاق الثورة في سيدي بوزيد من خلال الحزب التقدمي الديمقراطي، وكان أصدقاؤنا مستعدّين، وكان سقف الانتفاض لديهم عاليا، والمنطقة في سيدي بوزيد لم تكن صناعية، والغضب كان على مستوى الأرضية الشعبية التي لم تكن من العمّال.

ويؤكّد الأمين البوعزيزي أنّ النشاط كان موجّها ضدّ التوريث والفساد والاستبداد بعيدا عن الخطاب النخبوي، وقال إنّ الثورة تأسّست في سيدي بوزيد عبْر شباب يدفعون العربات، وكنّا نطلب تحصين هذا المشهد الديمقراطي كي يكون غزيرا ويوميا، وأضاف البوعزيزي: على مدى عشرة أيام كنا معنيّين إعلاميا، وكنّا نريد إنشاء لجان ونقل المعركة إلى الولايات الأخرى، وبعدها قالت السلطة نحن خصّصنا ستة مليارات للتنمية وبناء تلك المنطقة، علما بأن الحزب الحاكم كان قد دمّر المؤسسات في هذه المنطقة، ووسائل الإعلام حاولت أن تنمّق الأحداث الأولى، وأشار المتحدث إلى أنّ العملية كانت في بدايتها قبلية وبمشاركة جهات سياسية أخرى.

وائل العيفي: المعركة كانت إعلامية

وائل العيفيكانت المعركة على الصعيد الإعلامي تحديا كبيرا بعد أن حاول إعلام السلطة التعتيم، فعقب اندلاع الأحداث مباشرة، وبعد إهانة محمد البوعزيزي، وإقدامه على إحراق نفسه، تجمعت في البداية كل من عائلته والنقابيين والناشطين وزملائه من الباعة وشباب المدينة، وقد كنت حاضرا مع شباب المدينة في الساحة التي أحرق فيها البوعزيزي نفسه احتجاجا على الوالي ورئيس البلدية، وبدأ الناس يندّدون بالسلطات المحلية، وقد حاولت تنزيل اللقطات بالهاتف الجوال واستخدمت الفيسبوك لنشرما يحدث في مدينتي، وكنت أشارك في الاحتجاج وطالبنا بإطلاق سراح زميلنا المعتقل حينها علي البوعزيزي. ومع توسّع الاحتجاجات في أحياء أخرى بدأ أصدقائي يرسلون لي اللقطات، وكنت أتولى إرسالها إلى قناة الجزيرة بعد التنسيق مع علي البوعزيزي. وتوجّه العيفي بسؤال إلى زعماء المرحلة السياسية الحالية والذين منعوا الاعتصامات وسألهم عن الطريقة التي يفترض من خلالها حماية الثورة بعد منع الاعتصامات والتظاهرات؟

علي البوعزيزي: الثورة تتويج نضال دام 23 عاماً

علي البوعزيزيكنتُ أول من التقط صور محمد البوعزيزي و وزّعتها لإثارة الحدث إعلاميا، و الانتفاضة في سيدي بوزيد انطلقت على أساس مطلبيْ الحرية والكرامة. وأضاف: لقد كانت نتيجة تحركات ونضالات منذ 23 عاما، قدم فيها حزب النهضة وحزب العمّال والحزب الشيوعي والكثير من المناضلين التّضحيات الجسام،

وأكّد الناشط علي البوعزيزي أنّ الثورة في سيدي بوزيد كانت منظّمة، وقال: لقد نشطت في الحزب الديمقراطي التقدمي، وكوّنا نواة في الجامعة على أساس أنّ نظام زين العابدين ضعفَ وهو يعيش آخر أيّامه وأردنا استقطاب أكثر ما يمكن من الشباب للحصول على تنازلات سياسية من النظام وقد اعتصمنا للإفراج عن سجين سياسي وطالبنا بالعفو التشريعي رغم أن أجهزة البوليس فرّقتنا بالقوّة . ومن ثمّ اعتُقلنا فقد كان نظام بن علي يعتقلنا في قضايا حقّ عام مثل قضايا "استطعام" وعدم قدرة على الدفع التي تُلفَّق لنا في المقاهي والمطاعم، وتابع علي البوعزيزي في شهادته: لقد تم اعتقال ستة أفراد من الجامعة، وكان همّنا أن ننهض بالجهة ومطالبها وكسر حاجز الخوف وكسر التعتيم الإعلامي، وقد انضمّ الفلاّحون للاعتصام في منطقة الرقاب بعد مصادرة أراضيهم لعدم قدرتهم على سداد القروض.

وتحدّث البوعزيزي عن يوم السابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر الماضي عندما أقدم محمد البوعزيزي على إحراق نفسه، وقال: لقد اتصل بي أحد أقارب البوعزيزي وقال: إنه أضرم النار في نفسه وبادرت مع مجموعة من المناضلين في الحزب بالتنسيق مع المجتمع المدني والحقوقيين، وكنّا موجودين بعد نصف ساعة في موقع الحدث، وحاولنا كسر التعتيم الإعلامي وحاجز الخوف لكسب التعاطف من جميع أنحاء العالم. وأضاف علي البوعزيزي: لقد كانت تلك البداية، وبدأت الثورة بالعائلة الصغيرة والتفّ حولها المجتمع المدني، وحاولنا تأجيج حالة الغضب من خلال الخطابات لدفع الناس للمشاركة والانضمام للاعتصامات، وتم لنا ذلك وصمدنا 21 يوما حتى تفجّرت المواجهات في كل تونس ووصلت الثورة إلى العاصمة.

رشدي حرشاني: ليست ثورة "فيسبوك "

رشدي حرشانيكانت الثورة منظمة بإتقان، وليست كما يقال إنها ثورة على "الفيسبوك"، ولولا وجود سياسيين وموجّهين ومراقبين لما نجحت الثورة. يقول حرشاني: عندما اتصلت بنا وسائل الإعلام سألونا: من أنتم؟ لم أكن أعرف من أنا! لكنني كنت أعرف أنني من الناس الذين صدّوا الالتفاف الإعلامي والتعتيم على الحركة، ويوميا كان هناك خمسون صحافيا وخمس عشرة قناة فضائية تدخل سيدي بو زيد. ومن البداية لاحظنا أنّ هناك أمرا يجب القيام به، والكلّ كان يسأل أين دار البوعزيزي؟ وأين أحرق نفسه؟ وكان الموضوع بالنسبة إلى البعض سياحة، لكننا حاولنا أن نستغلّ الإعلام، ونعمل معه في مواجهة التعتيم على الثورة.

علي الرجال: انتصرنا على الأمن بتكتيكات حربية

علي الرجالإنّ واقع الثورة والترتيبات التي كانت تجري من مدينة الإسكندرية حيث كنت أنشط، جعل الحدث السياسي في هذه المدينة مساهما بشكل فعّال في تحريك الفعل السياسي في كلّ أنحاء مصر. وقال الرجال: إنّ البطش الأمني الذي تقوم عليه الأنظمة العربية كافة كان المحرّك الأساسي لثورة الشباب الشعبية في مصر وتونس على حدٍّ سواء.

وأوضح أنّ الوتيرة التي سارت بها الثورة، والسرعة التي لم تكن متوقّعة، سببها معرفة الشباب واستيعابهم آليات العصر، مشيراً إلى أنّ الهدف الأساسي الذي كان يسعى إليه المتظاهرون هو تغيير نمط الحياة بشكل عام وليس تغيير الدستور وحده.

وشرح علي الرجال أساليب التكتيك التي كانت تسير بها الثورة منذ البداية، وقال: إنّ التمويه الذي اتبعه الشباب كان يتّخذ طريقة "الريزومة" التي تتفرّع إلى أكثر من جهة، وليس لها مركز ثابت تقترب منه، إذ إنّ الشباب كانوا عندما يداهمهم الأمن المركزي يتوزّعون ثم يتجمّعون مرة أخرى في مكان آخر لا يصل إليه أعوان الأمن، وإذا وصلوا إليه يتم الفعل نفسه وهكذا...

وأشار إلى دور الحركات الأخرى قائلا: إنّ الجمعية الوطنية التي يرأسها الدكتور محمد البرادعي كانت حركتها بطيئة لم تلبّ تطلّعات الشباب إلاّ أنّ الحركة الشعبية التي نظمت لدعم حملة البرادعي كانت الأكثر حراكا ودعما للثورة.

وشرح علي الرجال الطريقة التي كان يتبعها الشباب في الطرق الجانبية للهروب من الأمن المركزي، وقال: إن هذا الأسلوب السلمي القائم على الذهنية استطاع أن يهزم جهاز الشرطة الذي يحمل سلاحا موجّها إلى الصدور. ووصف دور الأحزاب بأنها حركة ضمير وليست حركة تغيير، حيث إن الأحزاب تستخدم آليات قديمة للتغيير على عكس الشباب.

نوارة نجم: خطابات مبارك وراء نجاح الثورة

نوارة نجميعدّ الرئيس مبارك وابنه جمال أهم أسباب تفجير الثورة المصرية؛ نتيجة فعلهما في المجتمع، وتحييدهما الجيش، واعتماد "التسطيح" الثقافي، وعزل فئات المجتمع عن بعضها البعض، إضافة إلى اللعب بمسألة الطائفية الدينية وتفجير كنيسة القديسين، وأشارت نوارة إلى أن الانعزال الذي حدث في المجتمع دفع الناس إلى الالتقاء مع بعضهم البعض.

وقالت نوارة: إن خطة قطع الاتصالات التي استخدمها النظام والعنف في مواجهة المتظاهرين، شكّلت وقودا لثورة الشباب؛ لأنها استفزّت كل الناس. ومثّلت الخطب التي كان يلقيها الرئيس المصري المخلوع بدورها دافعا للمزيد من الثورة. وأضافت: الرئيس مبارك كان ذا موهبة تتمثل في مقدرته على استفزاز مشاعر الناس على الرغم من أنه عندما يتكلم لا يقصد الاستفزاز ولكن حديثه العادي كان ولابد أن يحمل كلمات الاستفزاز بشكل طبيعي.

محمد أبوالغيطمحمد أبوالغيط: القمع في الصعيد نفسي

اعتمدت الثورة في الصعيد على القمع النفسي الرهيب الذي مورس منذ بداية الثمانينيات، زمن وزير الداخلية اللواء زكي بدر؛ ما جعل الحراك السياسي في الصعيد أمرا عسيرا. وأكّد أبو الغيط أنّ الديمقراطية والدستور لم ينزلا إلى أرض الواقع لتلبية تطلعات الناس. وحذّر أبو الغيط من استمرار سياسة تغييب القانون في الصعيد، معتبرا أنّ على ثورة 25 يناير تغيير الواقع هناك.

أنس حسن: الإعلام والمطالب الشعبية شكّلا قيادة الثورة

أنس حسنالجانب الإعلامي الكبير والخطير الذي كان يقوم به نشطاء في الثورة المصرية عبر المواقع الاجتماعية والانترنت نجح في نقلها إلى الفضاء العالمي من خلال الوسائل الحديثة المتاحة، وكانت الحملة الإعلامية ناجحة جدا لأنها تمثلت في هيئة مطالب وليس في شكل أشخاص.

ولفت حسن إلى أهمية الدور الذي قامت به "شبكة رصد" في إدارة المعركة الإعلامية لفضح انتهاكات النظام السابق خلال الثورة، ونقل صور القمع، وتوجيه القوى الشعبية الثائرة، مشيرا إلى أنه رصد جهدا شبابيا كبيرا شمل كل أنحاء مصر، وظلّ متواصلا عبر شبكة التواصل الاجتماعي "فيسبوك" حتى الآن من أجل حماية مكتسبات الثورة.

هشام سليمان: لجان الحماية منتديات سياسية

لجان الحماية الشعبية التي شُكّلت لحماية الأحياء السكنية من البلطجية، مثّلت منتديات بات يمكن استخدامها حاليا لمناقشة مستقبل مصر السياسي ، حيث تبادل الناس من مختلف المشارب الأفكار عن حقيقة ما يجري في مصر والمستقبل الذي يريدونه لبلدهم، وكان ذلك في سياق التوحّد الشعبي لمواجهة خطر معروف أنه خارجي، أي أن التهديد لم يكن على صورة الشعب ضدّ الشعب، بل الشّعب في مواجهة النظام الذي خطّط لثورة مضادّة بافتعال حالة من الفراغ الأمني وهو ما يتأكّد في ضوء مشهديْن: الأوّل، أنّ معظم مناطق الطبقة الوسطى والبرجوازية في مصر محاطة بأحزمة من المناطق العشوائية وقد توحّدت هذه المناطق مع بعضها في مواجهة حملات الترويع التي شنّها فلول النظام السابق. والثاني، أنّ الوضع الأمني في الشارع المصري لم يكن على أفضل مايرام قبل الثورة، وإن كان ذلك لم يصل به إلى فقدان الإحساس بالأمان الكلي في الشارع. وبدأت عملية تنظيم اللجان الشعبية في المناطق التي لا يوجد فيها اتصال مباشر بين سكانها كضواحي القاهرة، فكانت المساجد وسيلة الحشد وتجميع الناس للتطوّع في هذه اللجان، حتى بعض رجال الأمن الذين تركوا مواقعهم انضمّوا إلى هذه اللجان بعد إحساسهم بعدالة الثورة ومطالبها. 

رؤى أمناء أحزاب تونسية حول التحول الديمقراطي واستشرافهم للمستقبل

انعقدت جلسة حوارية خاصة تناولت رؤية قادة أحزاب سياسية وتنظيمات نقابية تونسية وتوقعاتهم لمستقبل التحول الديمقراطي في بلادهم، من خلال استعراض الفرص والمعوقات. وشارك في هذه الجلسة نخبة من السياسيين التونسيين.

حمادي الجبالي: الثورة ملك الشعب

حمادي الجباليقال حمادي الجبالي، أمين عام حزب النهضة التونسي: إنّ الجميع في بلاده يتشرّف اليوم بأنه تونسي وعربي بعد الثورات التي أنهت عمرا طويلا من الدكتاتورية والاستبداد، واعتبر الجبالي خلال اليوم الثالث من أعمال مؤتمر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أن الثورات في الوطن العربي جاءت شعبية وتتشابه في مطالبها.

وشدّد على أن هذه الثورات جاءت بعد نضالات كبيرة قادتها الأحزاب السياسية والنقابات، وهي بالتالي ثورة ملك الشعب التونسي، ولا يمكن لأحد أن يتكلم باسمها؛ لأن عنوانها كان الكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق. وأضاف الجبالي، القيادي في حركة النهضة، أن تونس اليوم تعرف حركة ردّة ضدّ الثورة التي قادها الشعب وضحّى بأغلى ما لديه من أجل تحقيق أهدافها، وأشار إلى أن هناك العديد من مناصري حزب التجمّع المنحلّ، وعددا من أصحاب النفوذ الموجهين من الخارج من أجل وقف زحف الثورة وتحقيق أهدافها العليا، منبها إلى أنه لا يمكن إطلاق اسم الثورة كاملا إلاّ بعد تفكيك منظومة الفساد والاستبداد. وقال: إن المطلوب اليوم هو البناء بالتدرج وعلى منظومة صحية بأبعادها الاجتماعية، مشيرا إلى أن مستلزمات الثورة التونسية الاستجابة لمطالب الشعب كلها من خلال تنمية سياسية واجتماعية.

منصف المرزوقي: الثورة تحتاج إلى سنوات لتبلغ أهدافها

منصف المرزوقيقال الدكتور منصف المرزوقي، أمين عام حزب المؤتمر من أجل الجمهورية: إن كلّ ثورة لها ثورة مضادّة كما علّمنا التاريخ، وأن الثورة التونسية ربما تحتاج إلى سنوات حتى تبلغ أهدافها، معتبرا أن حالة التوجّس التي تملأ الساحة اليوم هي حالة غير صحّية، ولا بد أن يتسامى فيها الجميع من أجل تحقيق مطالب الشعب.

وأشار إلى أن هاجس تحقيق الأمن والاستقرار والحياة الاقتصادية أمر ملحّ في الوقت الراهن، وأن النخب والأحزاب السياسية لا بد لها أن تتبنى سياسة مسؤولة، أساسها الاستماع إلى صوت الشعب المطالب بالحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية. وأضاف المرزوقي أن الساحة لا تزال تواجه فلول حزب التجمع والبوليس السياسي والاستقطاب الثنائي، منبها إلى أنه على الأحزاب السياسية أن تحذّر من هذا الخطر، ولا تقع في لعبة النظام السابق الذي عزف على وتر الاستقطاب وضرب التيارات ببعضها البعض.

وقال: إن الأطراف السياسية لا بد أن تتخلى عن صراعاتها وتتجمع حول المصلحة الوطنية؛ لأن الشعب استطاع أن يُنجح الثورة لكن لا أحد يستطيع التكهن بالإكراهات التي ستواجهها البلاد في المرحلة المقبلة. واعتبر أن الثورة في تونس تحتاج إلى مزيد من الوقت من أجل بلوغ أهدافها الكبرى، وأن الطريق طويل أمام الجميع والكل يجب أن يتحمل مسؤوليته في هذا الإطار.

عبيد البريكي: زوال الاستبداد حتمي

عبيد البريكياعتبر الأمين العام المساعد والناطق الرسمي باسم الاتحاد العام التونسي للشغل عبيد البريكي أن الثورة التونسية أعطت النموذج للنضال ورفض الاستبداد والقمع، مشيرا إلى أن العدالة الاجتماعية التي كانت عنوان الثورة لا بد لها من مناخ سياسي حتى تتوطن أكثر. وأضاف البريكي أن العمل النقابي في تونس تحلى دائما بالنظرة النقدية؛ لأنه كان يرصد الأسباب العميقة التي أدّت إلى اندلاع الثورة، وخاصّة السعي نحو الثراء السريع على حساب حقوق الشعب وثرواته، مضيفًا أنّ عناصر الشبه بين النظامين التونسي والمصري تتطابق إلى حدّ كبير، وبالتالي كان من الضروري أن تكون النتيجة واحدة وهي زوال الاستبداد وإنهاء زمن الدكتاتورية.

وقال: إنّ أسباب الثورة تمثّلت أساسا في البطالة وغياب الطّبقة الوسطى، وكان هذا عنوان حكم الرئيس بن علي الذي كرّس سياسة التغييب، واللعب على حساب إضعاف الأحزاب والنقابات وضرب بعضها البعض. ولفت إلى أنّ الثورة لم تتّخذ إلاّ عنوان الحقوق السياسية والاجتماعية، ولم ترفع فيها أي شعارات أيديولوجية سواء كانت إسلامية أو علمانية، ولا يوجد إثباتٌ واحد يدلّ على هذا الأمر، والكلّ كان على وعي بأن التنمية الاجتماعية والحقوق السياسية أمر لا بدّ أن يجد طريقه إلى الشعب التونسي من دون أيّ تأخير.

عبدالعزيز المسعودي: التحول الديمقراطي فترة دقيقة من تاريخ تونس

عبدالعزيز المسعوديأكّد عبدالعزيز المسعودي، ممثل حركة التجديد أنّ واقع الثورة التونسية يملي على كلّ القوى السياسية أن تستجيب للواقع الجديد في تونس، مشدّدا على أنّ الثورة كانت بلا قيادة من الأحزاب السابقة المعارضة، وأنها كانت حركة جماهيرية ضدّ الظلم وامتهان الكرامة، لكنه استدرك بالقول إنّ هذا الواقع لا يعني أن القوى الديمقراطية لم يكن لها دور في هذه التحركات لأنها شاركت عبر قواعدها في كامل تراب الجمهورية، ومن خلال النقابات ومنظمات المجتمع المدني التي شاركت بفعالية وبنشاط في الثورة.

وقال المسعودي: إن حركة التجديد شاركت في الحكومة الأولى برئاسة محمد الغنوشي الوزير الأول السابق في فترة دقيقة من تاريخ تونس بعد انتصار الثورة مباشرة وفرار بن علي، علما بأنها كانت فترة فراغ سياسي على مستوى السلطة التنفيذية وفي وضع أمني مخيف. واعتبر أنّ نجاح المرحلة الحالية حتى انتخاب مجلس تأسيسي في 24 يوليو/ تموز 2011 يتطلّب العمل على تمهيد الأرضية لإجراء انتخابات ديمقراطية شفّافة بغية تشكيل المؤسّسات الدستورية التي تكرّس مبادئ الديمقراطية والحرية وتعيد السيادة للشعب وتنجز مهام التحول إلى الديمقراطية.

عبداللطيف عبيد: الحوار لحسم الخلاف بين العلمانيين والإسلاميين

عبداللطيف عبيدأكّد عبداللطيف عبيد ممثل التكتل الديمقراطي لأجل العمل والحريات في ختام مؤتمر الثورات والإصلاح والتحول الديمقراطي في الوطن العربي، ضرورة إجراء حوار بين الإسلاميين والعلمانيين في تونس لضمان تحول هادئ وسليم نحو الديمقراطية، بالقطع مع سياسات الماضي التي تميزت بالتهميش والإقصاء.

وأشار عبيد إلى ضرورة أن تستجيب المرحلة المقبلة سياسيا إلى طبيعة المجتمع التونسي، الذي وصفه بأنه قومي عروبي وساهم بشكل كبير في نشر الثقافة العربية في أفريقيا، داعياً إلى منهجية وسط والاحتكام إلى صناديق الاقتراع في إعادة تعريف شكل الجمهورية التونسية الثانية ومضمونها.

وأكّد أن الانتخابات الحرّة والنزيهة ستضمن استكمال مشروع الثورة وحماية مكتسباته، وأن المرحلة الحالية تتطلب اليقظة والوعي التاميْن، معبّرا عن تفاؤله بالمستقبل خاصّة أنّ الثورة نجحت في تطويق الفساد لكن هنالك الكثير من العمل لاجتثاث الفساد بشكل كامل.