العنوان هنا
مقالات رأي 30 أكتوبر ، 2018

كلمة تقدير ووفاء لصديق فاضل وباحث متميز

ناصر الدين سعيدوني

أكاديمي جزائري مختص بالتاريخ الحديث والمعاصر. درّس التاريخ بجامعات الجزائر وجامعة آل البيت (الأردن)، وجامعة الكويت. له العديد من الدراسات والمؤلفات المنشورة تتعلق بتاريخ الجزائر والعالم العربي الحديث والمعاصر. حاصل على دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من كلية الآداب بجامعة إيكس-آن-بروفانس، فرنسا (1988).

كان رحيل الباحث الدكتور جان بول باسكوال خسارة لا تُعوض بالنسبة إلى الدراسات التاريخية المتعلقة ببلاد الشام في العهد العثماني، خسارة تضاف إلى ما فقده العالم العربي من باحثين أكفاء، خاصة سورية لما أصابها من تدمير مادي ومعنوي قضى على قدراتها العلمية وأخمد حركة البحث العلمي فيها. لقد كان تأثري بالغًا بذهاب هذا العالِم المُجِدّ والباحث الموفق في حركية المجتمع الشامي في العهد العثماني الذي استغرق نشاطه وارتبط به معنويًا وحسّيًا حتى عُرف لدى الباحثين العرب بعاشق الشام.

تعرّفت إلى الباحث باسكوال أول مرة في مؤتمر تاريخ بلاد الشام، إذ استوقفتني طيبة نفسه وانفتاح شخصيته وطرافة الموضوع الذي قدّمه في المؤتمر عن "البيئة والتغذية في حوران في منتصف القرن التاسع عشر". بعدها استمرت علاقتي العلمية به وتوطدت أثناء فترات ترددي على مركز الأبحاث بإيكس آن بروفانس، نظرًا إلى اهتمامنا المشترك بالوثائق العثمانية في المحاكم الشرعية المختصة بالتركات والأوقاف والمنازعات، والتي كانت موضوعنا المفضل في الجلسات التي جمعتني به في مكتبه، خاصة أنه كان يبدي اهتمامًا بالدراسات التي كنت أنجزها حول الوقف في الجزائر في العهد العثماني.

ومن أبرز الذكريات التي أحتفظ بها عن اللقاءات العلمية التي شارك فيها كلانا، ندوة إسطنبول حول الوقف في العالم الإسلامي المعاصر (في القرنين التاسع عشر والعشرين) ووظائفه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والتي نظمها الأستاذ فاروق بيليسي في 13 و14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1992، وأثمرت فيما بعد كتابًا نشره المعهد الفرنسي للدراسات الأناضولية. وكان ذلك اللقاء فرصة للتفاعل العلمي والتواصل الإنساني ساهم في تعميق العلاقة بيني وبين الباحث باسكوال.

كنا خلال هذه اللقاءات نتجاذب أطراف الحديث عن أوضاع البحث ومستجداته في البلاد العربية، والتي كانت غالبًا ما تجرّنا إلى التوسع في الحديث وإثارة ذكريات الشام ومشاريع البحث في المركز الوطني للأبحاث بفرنسا وذكريات الجزائر التي زارها وهو طالب في أحد تجمعات الشباب.

كما كانت تشاركه أحيانًا زوجته المستشرقة الألمانية الباحثة ريجينا في الحديث عن واقع البحث وآفاقه، وعن حياتها في الشرق وسفرها إلى إيران بحثًا عن الوثائق لأطروحتها عن الثعالبي. ولقد كان تأثري عميقًا عندما أصرّ على أخذي معه إلى منزله خارج إيكس آن بروفانس حيث وجدنا زوجته في انتظارنا، لنذهب سويًّا إلى إحدى قرى اللوبيرون Pays du Luberon في مقاطعة فوكلوز Vaucluse للتبضع، وصادف ذلك يوم السوق الأسبوعية للقرية، فتجوّلنا وانتهى بنا المقام في ساحة أحد المقاهي الجميلة، حيث تناولنا الغذاء وتبادلنا أطراف الحديث، وكان ذلك آخر عهدي به منشرحًا ومندفعًا؛ إذ شعرت في اللقاءات اللاحقة بتأثره وانطوائه على نفسه بعد مرض زوجته ووفاتها. وكان سلاحه مواظبته على البحث، لكن مرضه فرض عليه العزلة وحدّ من تواصله معي، ومع ذلك راسلني خلال فترة تفرغه العلمي في عمّان (2007-2009) وأطلعني على نشاطه العلمي.

وبعد عودته إلى إيكس آن بروفانس (2009) تردّت حالته الصحية، ولم يعد في الإمكان التواصل معه، ولم نتمكن مع بعض الأصدقاء من زيارته في المستشفى وهو على فراش الموت، فكان نبأ وفاته في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2015 مؤثرًا في النفس لفَقْد صديق عزيز وباحث مُجِدّ وهب حياته لدراسة وثائق المحاكم الشرعية بهدف تحليل حركية المجتمع الشامي في العهد العثماني.

***

لقد عرفت الباحث ج. ب. باسكوال عالمًا متواضعًا وباحثًا منقبًا في وثائق بلاد الشام، محللًا إشكاليات مجتمع دمشق ومعالجًا واقع الحياة اليومية فيها. قضى فترة طويلة في دمشق الشام (1975-1987)؛ إذ عمل سكرتيرًا علميًا في المعهد الفرنسي بدمشق، وتعرّف، عن قرب، إلى المشرق العربي، كما كان له اطلاع على اللغة العربية الفصحى وإتقان مميّز للهجة الشامية، وكانت له معرفة عميقة بواقع المجتمع العربي في دمشق وحلب وعمّان وبيروت وغيرها. وربطته علاقات وطيدة بالباحثين المهتمين بتاريخ بلاد الشام.

قضى باسكوال جلّ حياته باحثًا متفرغًا لمشاريعه العلمية، يتعامل مع الوثيقة ويجتهد في تحليلها طوال عمله بوصفه مدير أبحاثٍ في معهد أبحاث ودراسات العالم العربي والإسلامي Directeur de recherches à l’IREMAM (1987-2007)، فأنجز خلال تلك الفترة دراسات نوعية ضمن مقاربة التاريخ الحديث المهتم بالمهن والوظائف والطوائف، اعتمادًا على سجلات المحاكم الشرعية (القسمة العسكرية خاصة)، لتحليل المجتمع الشامي بنشاطاته ومكوناته الاجتماعية من أعيان وصنّاع وحجّاج وفقراء وأغنياء وعسكريين وعلماء وأشراف، وغيرهم. وقد تمكن في دراسته النوعية من تحليل واقع المجتمع الشامي في العهد العثماني (خلال القرون السادس عشر حتى التاسع عشر). وكان يرى أن شروط البحث في الوثائق وتحليل معطياتها تفرض العمل الجماعي، وهذا ما التزم به في بعض أبحاثه التي شاركه في إنجازها باحثون آخرون، مثل سراب أتاسي التي عملت معه في تأسيس ورشة عمل دمشق القديمة Atelier du Vieux Damas المهتمة بجمع الوثائق النادرة وتطوير البحث فيما يهم دمشق، وأندريه ريمون André Raymond، وكوليت إيستابليت Colette Establet التي عملت معه فترة طويلة (15 سنة) في سجلات المحاكم الشرعية (وثائق الوقفيات والتركات والقسمة العسكرية) المتعلقة بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي بدمشق.

إن الباحث ج. ب. باسكوال بإنجازاته العلمية ونوعية أبحاثه الأكاديمية يقدم نموذجًا للباحثين الشباب، وقدوة للعاملين على سجلات المحاكم الشرعية، ومثالًا في تجاوز التاريخ التقليدي إلى مقاربة معمّقة وتحليل موضوعي للبنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الشامي في العهد العثماني.

***

ترك باسكوال العديد من الدراسات الأكاديمية، نذكر منها لكثرتها وتنوعها، الأعمال التالية باعتبارها نماذج تعكس مواضيع أبحاثه:

  • البيئة والتغذية في حوران في منتصف القرن التاسع عشر، أعمال المؤتمر الدولي الثاني لتاريخ بلاد الشام (1516-1939)، جزءان، المنعقد في دمشق، خلال الفترة 11/27-1978/12/3. ج 1، ص 415-428 (تناول فيه المحاصيل الزراعية والاكتفاء الذاتي والأصناف الكمالية وأنماط المأكل والمشرب، اعتمادًا على كتاب إرنست ديلبي Ernest Delbet "فلاحو بصرى أسكي شام")، (1857).
  • دمشق في نهاية القرن السادس عشر بحسب ثلاث وقفيات عثمانية، ج 1 (دمشق: المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1983).

Jean-Paul Pascual, Damas à la fin du 16ème siècle, d’après trois actes de waqf ottomans, vol. 1 (Damas: IFEAD, 1983).

  • دمشق خارج الأسوار: الميدان السلطاني (دمشق: المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1994)، (رصد أهم مراحل تطور دمشق جنوبًا خارج باب الجابية أو طريق الحج "حي الميدان التحتاني، الوسطاني الفوقاني" نهاية الحكم المملوكي وبداية العهد العثماني)، (بمشاركة سراب أتاسي وميادة قندلفت).

Jean-Paul Pascual, Sarab Atassi & Mayada Qandalaft, Damas extra-muros, Midan Sultani (circonscription 36-section 1-3), Présentation et analyse des édifices répertoriés (Damas: IFEAD, 1994).

  • العائلات والثروات في دمشق: 450 أسرة دمشقية عام 1700 (دمشق: المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1994)، (بمشاركة كوليت إيستابليت).

Jean-Paul Pascual & Colette Establet, Familles et fortunes à Damas: 450 foyers damascains en 1700 (Damas: IFEAD, 1994).

  • "داخل البيوت الدمشقية في بداية القرن الثامن عشر"، في: المدن في الدولة العثمانية، إشراف دانيال بانزاك، مج 2 (باريس: المركز الوطني للبحث العلمي، 1994)، ص 15-46، (بمشاركة كوليت إيستابليت).

Jean-Paul Pascual & Colette Establet, “Les intérieurs damascains au début du 18ème siècle: sous bénéfice d’inventaire,” in: Daniel Panzac (dir.), Les villes dans l’Empire ottoman: Activités et sociétés, vol. II (Paris: CNRS, 1994), pp. 15-46.

  • "قياس التفاوت الاجتماعي في المجتمع العثماني: تطبيق مؤشر جيني على القاهرة ودمشق حوالى عام 1700"، مجلةالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي للشرق، مج 37، العدد 2 (1994)، ص 171-182. (بمشاركة كوليت إيستابليت وأندريه ريمون).

Jean-Paul Pascual, Colette Establet & André Raymond, “La mesure de l’inégalité sociale dans la société ottomane: Utilisation de l’indice de Gini pour Le Caire et Damas vers 1700,” Journal of Economic and Social History of the Orient,vol. XXXVII, no. 2 (1994), pp. 171-182.

  • "القهوة والمقاهي بدمشق: إسهام عن تاريخ انتشارها في القرن السادس عشر"، مجلة بابيروس، مج 42 (1995-1996).

Jean-Paul Pascual, “Café et cafés à Damas, contribution à la chronologie de leur diffusion au XVIe siècle,” Berytus Archaeological Studies, vol. XLII (1995-1996), (paru en 1999), pp. 141-156.

  • مادة "دمشق"، في: معجم الفن (لندن: ماكميلان، 1996).

“Damascus,” in: Dictionary of Art (London: Macmillan Publishers Ltd, 1996).

  • "الأسواق في دمشق المملوكية العثمانية"، في: الموسوعة الإسلامية، ط 2 (ليدن: دار بريل للنشر، 1998).

“Sûk (Damas aux époques mamelouke et ottomane),” in: Encyclopédie de l’Islam, 2ème éd. (Leiden: Brill, 1998).

  • الرحلة الأخيرة إلى مكة: تركات المتوفين من الحجاج الدمشقيين حوالى عام 1700 (دمشق: المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1998)، (بمشاركة كوليت إيستابليت).

Jean-Paul Pascual & Colette Establet, Ultime voyage pour La Mecque: Les inventaires après décès de pèlerins morts à Damas vers 1700 (Damas: IFEAD, 1998).

  • "تكون فقيرًا أو تكون غنيًا بدمشق نحو عام 1700"، في: الفقر والغنى في العالم الإسلامي المتوسطي، إشراف جان بول باسكوال، (ستراسبورغ/ باريس: المؤسسة الأوروبية للعلم/ ميزونوف ولاروز، 2003)، (بمشاركة كوليت إيستابليت).

Jean-Paul Pascual & Colette Establet, “Être pauvre, être riche à Damas vers 1700,” in: J. P. Pascual (dir.), Pauvreté et richesse dans le monde musulman méditerranéen (Strasbourg and Paris: Fondation Européenne de la Science/ Maisonneuve & Larose, 2003), pp. 227-253.

  • الفقر والغنى في العالم الإسلامي المتوسطي، إشراف جان بول باسكوال (ستراسبورغ/ باريس: المؤسسة الأوروبية للعلم/ ميزونوف ولاروز، 2003).

Jean-Paul Pascual (dir.), Pauvreté et richesse dans le monde musulman méditerranéen (Strasbourg and Paris: Fondation européenne de la Science/ Maisonneuve & Larose, 2003).

يندرج الكتاب ضمن برنامج الأبحاث الذي تشرف عليه راندي ديغيليم Randi Deguilhem بعنوان "الفرد والمجتمع في العالم المتوسطي الإسلامي" Individu et société dans le monde méditerranéen musulman. وهو من الأبحاث التي تمولها المؤسسة العلمية الأوروبية روبير إلبيرFondation européenne de la science (ESF) Robert Ilbert التي تضم 76 وكالة وطنية للتمويل موزعة على 29 بلدًا تشمل جميع الاختصاصات.

  • النسيج والناس في دمشق حوالى عام 1700 (دمشق: المعهد الفرنسي للشرق الأوسط، 2005)، (بمشاركة كوليت إيستابليت).

Jean-Paul Pascual & Colette Establet, Des tissus et des hommes, Damas vers 1700 (Damas: IFPO, 2005).

  • العاملون في الدولة من المجتمع الدمشقي العثماني: العسكر نهاية القرن 17 (دمشق/ إيكس آن بروفانس: المعهد الفرنسي للشرق الأوسط/ معهد أبحاث ودراسات العالم العربي والإسلامي، 2011)، (بمشاركة كوليت إيستابليت).

Jean-Paul Pascual & Colette Establet, La gent d’État dans la société damascène ottomane, les ‘askar à la fin du XVIIe siècle (Damas and Aix-en-Provence: IFPO/ IREMAM, 2011).