العنوان هنا
مقالات رأي 12 يوليو ، 2012

أفكار لمقدمة الطبعة السادسة لكتاب "المجتمع المدني"

الكلمات المفتاحية

عزمي بشارة

المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وعضو مجلس الإدارة في المركز. وهو باحث وكاتب معروف، نُشرت له عدة كتب ومؤلفات في الفكر السياسي، والنظرية الاجتماعية، والفلسفة. عمل أستاذًا للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت بين عاميْ 1986 و1996. وساهم في تأسيس مراكز بحثية في فلسطين، منها: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن)، ومركز مدى الكرمل للدراسات الاجتماعية التطبيقية. اضطر في عام 2007 إلى الخروج إلى المنفى بعد ملاحقته إسرائيليًا بتهمٍ أمنية.

نشر الدكتور عزمي بشارة مئات الأوراق والدراسات والبحوث في دوريات علمية بلغات مختلفة، ومن أبرز مؤلفاته: "المجتمع المدني: دراسة نقدية"؛ "في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي"؛ "من يهودية الدولة حتى شارون"؛ "الدين والعلمانية في سياق تاريخي" (جزآن في ثلاثة مجلدات)؛ "في الثورة والقابلية للثورة"؛ "أن تكون عربيًا في أيامنا"؛ "الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية"؛ "مقالة في الحرية"؛ "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة"؛ "في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟"؛ "تنظيم الدولة المكنى ’داعش‘: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة"، ومنها كتبٌ أصبحت مرجعيةً في مجالها.

كما أنجز عملًا تأريخيًا تحليليًا وتوثيقيًا للثورات العربية التي اندلعت في عام 2011، ونشره في ثلاثة كتب هي: "الثورة التونسية المجيدة"؛ و"سورية درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن"؛ و"ثورة مصر" (في مجلدين). وتناولت هذه المؤلفات أسباب الثورة ومراحلها في تلك البلدان، وتعد مادةً مرجعيةً ضمن ما يُعرف بالتاريخ الراهن؛ لما احتوته من توثيق وسرد للتفاصيل اليومية لهذه الثورات مع بعدٍ تحليلي يربط السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل ثورة فيما بينها.

ننشر فيما يلي مقدمة الطبعة السادسة من كتاب "المجتمع المدني: دراسة نقدية" التي صدرت في بداية عام 2012، وقد كتبها المؤلف الدكتور عزمي بشارة لربط موضوعات الكتاب بالتطورات الجارية حاليا وما يمر به الوطن العربيّ من متغيرات أهمها الثورات العربيّة. وهذا نص المقدمة:

 

صدر كتاب المجتمع المدني في منتصف تسعينيات القرن العشرين حين ارتفعت وتيرة الجدل عن العلاقة بين المجتمع المدني والتحوّل الديمقراطي. وطُبعت منه ثلاث طبعات في بيروت وطبعتان في فلسطين. ونعتقد أنّه احتفظ بأهميته النظرية ككتاب مرجعيّ. ومثل أيّ كاتب، كان من دواعي سعادتي أن ألتقي مع كثيرين ممن قرؤوا الكتاب، وأخصّ منهم طلّابًا في جامعات عربيّة، وأكتشف أنّهم درسوا هذا الكتاب كمقرر في مساق من المساقات في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة.

منذ أن صدر الكتاب في طبعته الأولى، حاولت أن أقوم بتطوير بعض مقولاته. وقد سنحت الفرصة لذلك، خاصة في كتاب "المسألة العربيّة" الذي صدر بعد عشر سنوات على صدور كتاب "المجتمع المدني". وهو يحتوي على أفكارٍ جديدة أعدُّها امتدادًا للمشروع الفكريّ نفسه، ولكن عبر معالجة قضايا أخرى. وقد عدت وبسَّطت بعض مقولات كتاب "المسألة العربيّة" في كتاب "أن تكون عربيًا في أيامنا".

كتاب "المجتمع المدني" هو كتاب نظري يبحث في تطوّر مفهوم المجتمع المدني (أي في تعريفه التاريخيّ) عبر مراجعة تاريخ الفكر السياسيّ الغربيّ، وما يوازي ذلك من تطورات اجتماعيّة. وكان الهدف من الكتاب تفكيك حالة الاستهلاك الرائج لهذا المفهوم في الوسط الثقافيّ والسياسيّ العربيّ، والتي قامت على التعامل معه جاهزًا من المنتج إلى المستهلك. لقد انتشر تعامل صنميّ "فيتيشيّ" مع المفهوم، إلى درجة إفراغه من قدرته التفسيريّة ومفعوله النقديّ.

ومن هنا كان همّ الكتاب النظري هو تبيان أصل المصطلح فلسفيًّا، في بدايات الحداثة، وذلك قبل أن يتلبّس هذا البعد المعياريّ المنسوب له بعد انهيار المعسكر الاشتراكيّ. كما تابع الكتاب تطور المصطلح في الفكر السياسيّ حين كان مقابلًا للمجتمع الطبيعيّ، وحين أصبح متطابقًا مع الدولة، إلى أن استخدم مشوّهًا للدلالة على كلَّ ما ليس دولةً في نظر بعض اتجاهات الفكر الرومانسي العربيّ في تجميل المجتمع وشيطنة الدولة[1]، وهو ما جرَّده من وظيفته النقديّة والديمقراطيّة وجعله مطابقًا للمجتمع الأهليّ، لأنّه ليس "دولةً" وحسب.

لقد بينّا في هذا الكتاب وظائف المجتمع المدني المؤدّية إلى الديمقراطية، بعد أن غاب المفهوم وعاد إلى الظهور من جديد بمعنى مختلف، من مطابقته لمفهوم الدولة في بعض نظريات العقد الاجتماعيّ، ومروره بتمايزات أخرى عن الدولة كخاصية لمجتمع ينظّم ذاته ويعيد إنتاج ذاتِه في اقتصاد السوق، إلى تمييز نفسه عن "الكليركالي" الدينيّ، وعن العسكريّ. فلمفهوم المجتمع المدني تاريخٌ مرتبط بالسياسة والاقتصاد والأفكار، وبتطور نشوء فكرة المجتمع والدولة في مقابل الجماعة الوشائجيّة (العضوانيّة) من جهة، وآليات القسر التي تستخدمها الدولة في تثبيت سيطرتها من جهة أخرى.

ومن هنا، فقد بيّن الكتاب أنّ وصولَ المفهوم إلينا متطابقًا مع ما هو ليس سياسيّ -بعد عمليات فرزٍ طويلة امتدت إلى مرحلة ما بعد الحداثة في الغرب- قد ينقلب في الدول العربيّة ودول الجنوب الأخرى إلى عاملٍ ما قبل حداثيّ بإبعاد المثقفين عن السياسة عبر أنماط من العمل المجتمعيّ غير السياسيّ والمعتمد على التمويل الأجنبي تحت يافطة المنظمات غير الحكوميّة NGOs، وبرامجها، أو عبر المراهنة على البنى الأهليّة باعتبارها "ليست دولة"، مع أنّ وظيفتها ضد-مدنية أيضا، وليست فقط لا-دولتيّة.

وأوصلَنا التحليل إلى استعراضٍ مكثّف للفرق بين الأمة والقوميّة والتأكيد على الأمة المواطنيّة كونها أمة نحو الخارج ومجتمعًا مدنيًا نحو الداخل، وأنّ مفهوم المواطنة الديمقراطية هو المجسِّد للعلاقة بين السيادة السياسيّة والمجتمع المدني. لقد أظهرنا في هذا الكتاب أنّ المجتمع المدني صيرورة فكريّة وتاريخيّة نحو المواطنة والديمقراطية عبر مجموعة من التمفصلات والتمايزات في العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين المجتمع والدولة.

لم يَرُج المصطلح في حينه كنتيجة لانشغال علميّ جامعيّ حقيقيّ، أو تلبية لحاجة إلى نموذج نظريّ في تفسير إشكاليات معينة في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة في الجامعة العربيّة. وهذا همٌّ آخر له شجون أخرى، لأنّ العلوم الاجتماعيّة في الجامعة العربيّة تعيش في واد والتحديات السياسيّة والاجتماعيّة في واد آخر. ومن هنا، كانت هنالك أيضا حاجة جامعيّة لكتاب كهذا إذا جاز التعبير.

هذا الكتاب هو بحث نظريّ، ولذلك فهو موجه للمختصين، وبالدرجة الثانية إلى أيّ جمهور مثقف. ولكني سمحت لنفسي في مقدمة الطبعة الأولى أن أوجّه تحديات وأسئلة إلى القارئ العربيّ، ولا سيّما إلى قطاع من المثقّفين العرب الذين انصرفوا بدءًا من تسعينيات القرن الماضي إلى الحديث عن المجتمع المدني، تعويضًا عن نكوصٍ سياسيّ أصاب المثقّف العربيّ، وعن استقالةٍ من العمل السياسيّ بعد عجزٍ أو وهنٍ ضرب الحالة القوميّة واليساريّة في حينه. وفعلًا، كان غالبية من تعاملوا مع المفهوم من المنتج إلى المستهلك -في حينه- من خرّيجي أزمة اليسار والحركات القوميّة التي تجلّت على أشدِّها في تلك المرحلة من انهيار النظام السوفييتي، وأزمة النظام العربيّ بعد حرب الكويت واتفاقيات أوسلو، وغيرها من مظاهر انهيار التيار القوميّ بشكله الذي كان معروفا آنذاك كتيارٍ متمركزٍ حول دول عربيّة تتبنى القوميّة العربيّة كأيديولوجية رسمية. وفي ذلك الحين، قلنا إنّ جيلًا كاملًا من المثقفين قد انسحب من السياسة إلى خدمة النظام القائم؛ أو بات يراهن فكريًّا على فهمٍ غير صحيح للمجتمع المدني كأنّه خارج الدولة؛ أو انغمس في سياسات النظم التسلطيّة في بعض البلدان العربيّة في استخدام المفهوم في مواجهة ما توهَّمه هذا الجيل من مخاطر الإسلاميّين، وبدا كأنّه يترك ساحة العمل السياسيّ للتيار الإسلاميّ.

فيما يتجاوز الإشكاليات النظرية في الفكر السياسيّ الغربيّ التي أثارها الكتاب وعالجها، كانت هذه هي الإشكالية السياسيّة الأساس في كتاب "المجتمع المدنيّ". لقد طُرحت بالأمس كـ"تحدياتٍ" على المثقّفين العرب، تدعوهم للعودة إلى ساحة العمل السياسيّ انطلاقًا من المقولة الأساس التي حملها الكتاب والتي تقول: إنّ المجتمع المدني من دون سياسة وخارج سياق المعركة من أجل الديمقراطية هو عملية إجهاض لمعاني المجتمع المدني التاريخيّة وطاقته النقديّة، فضلا عن نزع قدرته التفسيريّة في فهم البنى الاجتماعيّة والسياسيّة.

ونحن نكتب هذه المقدمة لطبعة تصدر عن المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، تتململ المنطقة في خضّم أحداث مهمة تعصف بها وتنهي حالة الجمود التي عاشتها في العقود الثلاثة الأخيرة. ويطغى في هذه التطورات البعد السياسيّ، ذلك المتعلق بمسألة نظام الحكم، كما عرفّناه في الكتاب. وتعود فيها المسألة الديمقراطية كمسألة سياسيّة.

 

1- لقد عاد "السياسيّ" بقوّة إلى الحراك الاجتماعيّ، وعبر الثورات العربيّة التي توالت أحداثها بسرعة من تونس إلى مصر إلى اليمن وليبيا وسوريةـ فأين يقع "المجتمع المدني" في هذا الحراك الذي يُمكن أن نقرأ العديد من مظاهره في الحركات الاجتماعيّة، وحركات الاحتجاج التي ظهرت في العديد من المجتمعات العربيّة قبل اندلاع الثورات الكبرى؟

تشهد المجتمعات العربيّة عملية إعادة تشكّل تعمل فيها الهُويةّ العربيّة كخلفية ثقافيّة وجدانيّة مشتركة مبرزة للهموم المشتركة وموصلة للاحتجاج. ولكن الفاعل على الأرض هو جموع المواطنين، الواعين بحقوقهم كمواطنين والمدركين أنّ عليهم واجبًا سياسيًّا يتمثّل في مشاركتهم الفاعلة في الحيّز العام. وما يجري تشييده عبر هذه الصيرورة الثوريّة هو مجتمع مدني وأمة مواطنيّة في الوقت ذاته. وقد اعتبرناهما في الكتاب الشيء ذاته منظورًا إليه من زوايا مختلفة وبوظائفه المختلفة. ونحن نرى ذلك على نحو واضح في مصر وتونس وعبر محاولات حقيقية مثابرةٍ في اليمن. وتوضّح الحالة اليمنيّة -بطريقة جيدة- الإشكالية التي حاولنا شرحها، لأنّ المجتمع المدني هناك يشقّ طريقه بأمل ولكن بصعوبة بالغة عبر التمايز مع الدولة والقبيلة والعسكر في الوقت ذاته. وهو لن يتمكن من النجاح في هذه المعارك دفعة واحدة، بل في بعضها. ولكنه يبيّنها بصيغة نادرة دفعة واحدة, ولذلك؛ فإن معركة المجتمع المدني اليمنيّ طويلة، ولا تتوقف عند إسقاط رئيس.

لقد ساهمت قوى سياسيّة وحركات اجتماعيّة وجمعيات في التحضير لهذا الحراك الثوريّ العربيّ. ولكن هذا الحراك لم يكن ممكنا لولا انخراط فئات شعبيّة واسعة في تحدّي النظام الحاكم والتوجه إلى القضية السياسيّة. وهو ما ترددت الأحزاب والقوى السياسيّة في فعله طويلًا. ولكن، من جهة أخرى، أثبتت الأحداث صحة ما قلناه -حتى حين جرى تسخيف دور الأحزاب- عن أنّه في المجتمعات الساعية إلى الدمقرطة، تكون الأحزاب -أو تنظيم الناس الطوعيّ واتحادهم لهدف سياسيّ متعلق بنظام الدولة- جزءًا أساسيًّا من المجتمع المدني. وتشهد الساحة العربيّة عودةً إلى العمل الحزبيّ والحياة الحزبيّة بعد الثورة، في تونس ومصر، وحتى في تلك الدول التي لم يكن فيها للأحزاب دور فاعلٌ في حركة الشباب الثوريّ. ونحن نعتقد أنّ مسألة إقامة أحزاب سياسيّة ذات طابع وطنيّ عام هي تحد كبير يواجه قوى التغيير الديمقراطي في ليبيا التي لم تحسم مسألة الديمقراطية فيها بعد.

وفي المجمل، يبدو الآن واضحا أنّ المجتمع المدني، كمجتمع تعاقديّ بين أفراد، ظهر في الساحات بأجلى صوره في توتر مع الدولة التي لا تعتمد القسر فحسب، بل تلك التي تخلت عن وظيفة الدولة ذاتها، إذ حوّلت الحيّز العام إلى حيّز خاص عبر نشوء مفهوم الأسر الحاكمة وممارسته، وعبر تحويل المجال العام إلى "مزرعتها الخاصة". لقد تجلى المجتمع المدني في صراع الجموع مع الدولة على عودتها إلى الحيّز العام، وظهرت براعم المواطنة تتفتح في الفعل السياسيّ، ولكنها في العمق تطالب بدولة تتصرف كدولة وليس كعصبة صاحبة ملك خاص. لم تكن الثورات مناهضة للدولة، بل شهدنا رد فعل شبه فطريّ يرحّب بدور الدولة كحامية للثورة حين تميز نفسها عن النظام في صورة الجيش الوطنيّ. ومن يفهم نظرية المجتمع المدني يدرك أنّ المجتمع من دون دولة ليس مجتمعا مدنيا، بل قد ينهار إلى جماعات أو إلى ما دون الدولة، وتجربة العراق بعد عام 2003 مباشرة لا تزال ماثلة في الأذهان.

من هنا أيضا، يبدو جليًا أنّ المواطنة سوف تصارع من أجل حياتها في دولة مثل ليبيا ضد خصمين رئيسين لها؛ أولاهما التدخل الخارجيّ الذي يمسّ بالسيادة، فيظهر المجتمع المدني نحو الخارج كأمة ذات سيادة، وثانيهما محاولات إحياء القبليّة (العروشيّة) والجهويّة في تنافس النخب السياسيّة.

ولا تجوز -برأينا- الاستهانة بأهمية الأجندات الدوليّة الأجنبية وتدخّلها في البلدان العربيّة بحجة مساعدة الثورات الديمقراطية. فلا يلبث هذا الدعم أن يتحوّل إلى إملاءات سياسيّة اقتصاديّة تمسّ بسيادة أي بلد، وبمواطنته بمقتضى ذلك، فضلًا عن خياراته السياسيّة، خاصة فيما يتعلق بالتكامل مع بقية الأقطار العربيّة والالتزام تجاه فلسطين. كما ثبت أنّه في الدول التي تعيش الصراع السياسيّ في صورة صراع هُويّات، تتحوّل الاستعانة بالخارج إلى فعل طائفيّ لأنّه يرى في الطائفة المنافسة عدوه الأول، وفق نموذج "نحن وهم"، ويتحول التدخل الخارجيّ إلى عامل تفتيت مناهضٍ للمواطنة لأنّه يأتي بتصورات استشراقيّة عن التقسيمات الطائفيّة والمذهبيّة والقبليّة، ويُمأْسِسها ويسوّقها في إهاب لغة "التعدديّة" وادعاءاتها التوافقيّة، ويرفض الفعل القوميّ أو الوطنيّ كصيرورةٍ تُغيّر الواقع الاجتماعيّ ولا تسلّم به، وبالتأكيد ترفض تسيّسه.

ومن هنا تبرز أهمية فهم المجتمع المدني كصيرورة دمقرطة، وليس إسقاط نظام فحسب. فإسقاط النّظام قد لا يقود إلى الديمقراطية، لا سيما إذا لم يتوفّر لدى قوى الثّورة برنامج انتقالٍ إلى الديمقراطية، وإذا اكتفت بدورٍ هو ترديد ما يردّده الشارع من دون هذه القوى أصلًا.

 

2- ونحن نتحدّث عن دور المجتمع المدني في حركات الاحتجاج وفي الثورات القائمة، تلح المقاربة المعرفيّة بسؤال سبق أن طرحته مقدّمة الطبعة القديمة من الكتاب بالعبارة التالية: "عاد المجتمع المدني إلى الظهور في النظرية السياسيّة الغربيّة، بعد غيابٍ طويل، لتأطير معطيات تمرد المجتمع ضد الدولة الاشتراكية: حالة بولندا..."، فماذا عن المجتمع المدني العربيّ اليوم وثوراته؟ هل يُمكن الحديث اليوم عن "عودة جديدة" للمجتمع المدني العربيّ، ولكن هذه المرّة عبر قوى اجتماعية جديدة؟ ليس هروبًا من "السياسيّ" ولا تعويضًا عن غياب السياسة عبر خطابٍ عام ومراكز أبحاث وندوات، ولكن عبر حراكٍ فعليّ سياسيّ (ثورة) يلحّ ويصرّ على "التحوّل الديمقراطي"؟ هذا حاصل فعلًا. وهذا ما طرحناه في كتاب المسألة العربيّة. فالمطوب هو طرح مسألة نظام الحكم.

وتعيد أوضاع الثورات العربيّة وفاعلية المواطنين والنقاش الدائر المجتمعَ المدني إلى الواجهة. ولكن بتحدياته الجديدة. فالجميع يفهم الآن محدودية دور ما يسمى المنظمات غير الحكوميّة على أهميّته. وهي التي حاول بعض اليسار السابق في تسعينيات القرن العشرين أن يختزل تعريف المجتمع المدني فيها. لقد بيّنت الثورات العربيّة غير المنتهية بعد أنّ المجتمع المدني، كمجتمع مواطنين، لا يتبلور بمعزل عن مسألة الدولة، بل من خلال عملية تفاعل معها. لقد كان الزناد لإطلاق الحوار بشأن المجتمع المدني في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي هو دور نقابات عماليّة في موانئ بولندا على بحر البلطيق (غدانسك) الذي تحوّل من النضال على خلفية حقوق نقابيّة إلى قيادة ثورة مدنية ضد الدولة الشموليّة ودكتاتورية الحزب الواحد. ولم يُقصد بمفهوم المجتمع المدني -حتى حين أحيته النظرية السياسيّة في تلك المناسبة- الجمعيات غير الحكومية. والأهم من ذلك أنّ النموذج البولندي يذكِّر بالدور الذي كان للكنيسة الكاثوليكيّة في ذلك الحراك، وأنّ دور الدين في مثل هذه الحالات ليس مميّزا للمجتمعات الإسلاميّة. وبعد الثورة، رفض المجتمع البولندي مكافأة الكنيسة على دورها بالتنازل عن الحقوق الشخصيّة التي اكتسبتها المرأة في ظل النظام السابق، وذلك على الرغم من مطالبة الكنيسة المتكررة ببعض التعديلات القانونيّة.

لقد ساهم شباب أحزاب المعارضة في الثورات، كما ساهمت فيها الأحزاب ذاتها، ولا شك في أنّ بعض الشباب قد تلقى تدريبا على النشاط في قضايا حقوق الإنسان وعلى حق التجمع في جمعيات غير حكوميّة مدعومة غربيًّا. ولكن هذا لا يفسر خروج مئات الآلاف والملايين من أبناء الشعب الذين اقتحموا المجال العام بقناعة راسخة لا يزعزعها الرصاص بأنّه آن الأوان أن يتغير النظام السياسيّ، وأنّ عليه أن يذهب. وما لبث الجهد في بناء الديمقراطية أن تجلّى في صراع قوى اجتماعية ونخبٍ وأحزابٍ وتياراتٍ فكريّة وحوارها بشأن كيفية إدارة الدولة. وهو نقاش لا يتجاهل قضية الدولة، بل يضعها في مركز عملية تشكّل مجتمع مدني حقيقي، إنّها عملية بناء المجال العام الذي يصنع التقاطع بين المجتمع والدولة. وهو مجال توسّع بفعل النشاط الإعلامي وشبكات التواصل الاجتماعيّ، وغيرها مما كتب وقيل فيه الكثير.

واللافت للنظر أنّ المثقفين لم يكن لهم دورٌ أساسيٌّ كفئة في عملية الاحتجاج الكبرى التي عمّت العالم العربيّ وانتشرت مثل النار في الهشيم. وإذا ما استثنيا مثقفي الأنظمة، وهم كثر، فقد انقسم الباقون إلى من غلب على موقفهم العجز والإحباط والتشكيك. فمنهم من شكّك في الأيدي الخارجيّة محوّلًا الثورة إلى مؤامرة، ومنهم من خاف وخوّف من التيار الإسلاميّ. ولكن، كان للحراك الثوريّ العربيّ الحالي مثقفوه، وذلك خلافا للادعاء السائد الذي يروَّجُ في الغرب كأنّه لم تكن للثورة رموزها الثقافيّة. وهو ادعاء عنصريّ، يرغب في أن يتعامل مع الثورات العربيّة كمادة خام، وكظاهرة عفويّة تحتاج إلى تشكيل.

ولا بد من إعادة الاعتبار -وبقوة- لمثقفي الثورة العربيّة الذين نظّروا لها ورافقوها، ولا خجل في هذا الموضوع. لقد كانت سعادتي غامرة حين اكتشفت مصادفة في أمين البوعزيزي وغيره من الشباب المثقف الذين أشعلوا الانتفاضة في سيدي بوزيد شبابًا قرأوا كتباً مثل "المجتمع المدني" و"المسألة العربيّة" وتحاوروا بشأنها وحاوروني أيضا، كما قرأوا غيرها من الكتب لغيري طبعا. وكان ميدان التحرير في مصر يعج بالكتّاب والمثقفين الذين تضيق هذه المقدمة عن ذكرهم الآن. كما كان الإعلام وسيلة للتأثير يحاول بعض المثقفين التقليل من شأنها بدعوى أنّها لا تليق بالمفكر، وكأن الموضوع هو صورة المثقف وليس واجبه ومسؤوليته. ولكن الواقع أنّ هذه هي وسائل الإعلام المتاحة، وقد استغلّ مثقفو ومفكرو الشعوب الأخرى ما كان متاحًا لهم من وسائل إعلام للوصول إلى الجمهور في حينه، مثل الصحيفة والمذياع وغيرها.

والحقيقة أنّ التشكيل متوقف على الحوار التواصليّ بين المثقفين العرب والقوى السياسية في الدول كافة لتحديد شكل النظام السياسيّ الديمقراطي المطلوب في كل بلد؛ ونوع العلاقات التي سوف تسود مع الدول العربيّة الأخرى؛ وأشكال التّأثير التي سوف يمارسها المجتمع على الدولة عبر الأحزاب والانتخابات الدورية وحرية التعبير عن الرأي وأنظمة الرقابة والمحاسبة؛ وسياسات التنمية الاقتصادية في مقابل التبعية الاقتصادية وأنظمة الفساد التي كانت قائمة. فحركة الشعوب العربيّة التي خرجت إلى الشارع في صورة حراك ثوريّ واحتجاجات تحتاج إلى صياغة لكي لا يكون سهلًا على النخب القديمة الحاكمة احتواؤها.

 

3- لقد تابعنا في هذا الكتاب بتوسعٍ عملية التعريف الوظائفيّ - التاريخيّ للمجتمع المدني، وانتقلنا من الجماعة الأهليّة إلى المجتمع، ومن اقتصاد السوق إلى الاتحادات الطوعيّة وغيرها. ولكننا أكّدنا أنّ هذه عملية لا يمكن أن يُطلب من كل مجتمع أن يمر بها كاملة من جهة، ولا يُكتفى بنتائجها الجاهزة من جهة أخرى. فما هي صيرورة المجتمع المدني الممكنة عربيًّا؟

لقد قلنا إنّ امتحان تشكّل المجتمع المدني في التجربة التاريخيّة الغربيّة في مسار الديمقراطية، هو "عملية الدمقرطة ذاتها". وفي التجربة التاريخيّة العربيّة المعاصرة، ثمّة تحليل يحمل بعديْن أساسيّيْن لتعثّر حراك المجتمع المدني:

- بدأ الإصلاح الديمقراطي من فوق ولمصلحة الطبقة الحاكمة في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. وقد فشل الإصلاح مع فئة المثقفين التي التفت حوله وراهنت عليه، إذ لم تفقد الأنظمة زمام المبادرة وكان بإمكانها تسخير الإصلاح لصالحها. وما تبقى منه هو أنظمة شبيهة ببقية الأنظمة التي لم تقم بالإصلاح، من ناحية طبيعة الأسر الحاكمة وتحالفها مع أجهزة الأمن ورجال الأعمال، وقيامها على أساس العلاقات الزبائنيّة، ولكن مع هامش حرية أوسع. وفي هذا الهامش تدرّبت الأحزاب والجمعيات وغيرها على الفعل الاحتجاجيّ.

- لقد تُرك العمل السياسيّ للأحزاب الإسلاميّة. وهذا بالطبع لم يكن قرارًا ذاتيا اتخذته القوى الأخرى التي تغيّرت ظروف عملها الدوليّة والإقليميّة على نحو أضعفها، ولكن المخرج الذي بحثت عنه في العمل اللا-سياسيّ في الجمعيات وغيرها لم يسعفها، فأبقى أحزابًا مصابة بالجمود من جهة، وعملا غير سياسيّ يكنّي نفسه "مدنيًا" من جهة أخرى. أما الحركات الإسلامية، فقد شهدت -من دون شك- مرحلة ازدهار في الفترة السابقة لا مجال لتلخيصها الآن. ولكنها لم تنته إلى نجاح سياسيّ يُذكر، ما عدا على جبهة المقاومة. وفشلت تجربتها السياسيّة في السودان، أما التجربة في أفغانستان فإنها ساهمت في تنفير الناس من طرح "الإسلام هو الحل" من دون نقاش. وصار النقاش واجبا على الأقل. وهو ما سمح ببدء عملية تقييم ذاتيّ نقديّ مفيد.

وإضافة إلى الفشل في تحقيق أي نجاح سياسيّ واضح، فقد قرّبت التجربة التركيّة الأحزاب الإسلاميّة الرئيسة من مراجعة موقفها من الديمقراطية، بعد أن كان بعضها متقدما على النموذج التركيّ، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر نموذج مصطفى السباعي في سورية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي في سورية؛ وحالة حركة النهضة في تونس لاحقا. ولكن النشاط السياسيّ الواسع درّب الحركات الإسلاميّة ومثقفيها على العمل السياسيّ بالدرجة التي كان عليها القوميّون واليساريّون في خمسينيات وستينيات القرن الماضي أو يزيد. وحين نشبت الثورات وجدتها حركات سياسيّة مدرّبة وصاحبة قدرة على المبادرة والمناورة.

ونلاحظ أنّ مثقفي المجتمع المدني القدامى، ومنهم من نشط في الأحداث بقوة وإخلاص، قد انقسموا إلى قسمين رئيسين:

- منهم من اكتفى بتوجيه المديح المطلق للشباب باعتبارهم قيادةً ويتّكل عليهم، وبتمجيد العفويّة خشية أن تَختطف نخب سياسيّة الثورةَ.

- ومنهم من أكد على النقد الموجّه للشباب لعجزهم أن ينتظموا أو يؤسسوا أحزابًا.

والخشية -كما أرى- أن تضيع ما بين هذين الحدين دينامية المجتمع المدني العربيّ الفاعلة حاليا باتجاه تأسيس مجتمع المواطنة ودولتها أو تأسيس المواطنة كحيّز تقاطع بين الدولة والمجتمع بين هذين الحدّين؛

فالمديح المطلق وغير المشروط الموجه للشباب، يشبه مديح المثقّفين العرب للمجتمع المدني، بكونه وصفةً سحريّة للديمقراطية. ويمكن أن يكون مضللا للشباب وكأنّهم فئة سياسيّة أو تيار سياسيّ متجانس, أو يعرّضهم إلى "عناق الدب" المميت، فتتزين كل قوة سياسيّة بمجموعة من الشباب الذي يكون لهم دور شاهد الزور، بغض النظر عن برامج هذه القوة السياسيّة. لقد جرى في مصر الاحتفاء السريع بالشباب لاحتوائهم قبل أن يُنهيَ هؤلاء مهمتهم الثوريّة المتعلقة بتغيير النظام. وهو ما عقّد المسألة وحوّلها إلى صراع مديد على عدة جبهات مع بنى النظام القديم التي ظلّت قائمة ولم تفقد قدراتها المؤسسيّة على العمل، وحاكمت حتى الرئيس السابق بالقوانين القديمة.

أما نقد الشباب لأنهم غير مسيسين -من دون مشاركتهم في عملية التسيس، أو بتجاهل النظر إليها كصيرورة- فنتيجته العملية ترك المجتمع السياسيّ للأحزاب الدينيّة الأقوى من بين الأحزاب القديمة القائمة في الساحة، وللانتماءات والهُويّات الفرعيّة لتنتعش وتزدهر في دول المشرق العربيّ وبعض دول المغرب. وطبعا، لم نوافق لاحقًا في كتاب المسألة العربيّة، ولا في دراساتنا الأخرى على المفهوم الإقصائيّ الذي يقول إنّ الديمقراطية في الوطن العربي يجب -أو يمكن- أن تُبنى باستثناء الحركات الإسلاميّة، فلا بد من تأكيد شرعية مشاركتها في العملية الديمقراطية. ولكن شباب الحركات الإسلامية -وغيرهم من الشباب- يفتحون آفاقًا جديدة لتطور المجتمع السياسيّ العربيّ بتفاعلٍ أوثق مع قيم المجتمع المدني القائمة على المواطنة والانتماء للمجتمع ككل.

 

4- والفكرة الأخيرة التي نود طرحها في مقدمة هذه الطبعة هي أنّنا لم نتوّصل إلى الفصل النظري بين الأمة والقوميّة في المجتمع المدني مصادفةً، بل كان ذلك نتيجة لبحثٍ مطوّل ميّزنا فيه العناصر السياسيّة السياديّة الأكثر أهمية في مفهوم الأمة عن العناصر اللغويّة والإثنيّة والثقافيّة الأكثر أهمية في مفهوم القوميّة. وطبعا، لم نستثن لقاءهما التاريخيّ، خاصة في بحث القوميّات عن التّحول إلى أمم عبر السيادة وإقامة الدولة، لا سيما في مرحلة التّحرر الوطنيّ وبناء الدول. لقد حاولنا أن نقدّم في هذا الفصل مساهمة جديدة في نظرية القوميّة. ونعتقد أنّ العديد وجد صعوبة في فهمها لأنّ عُدّته الفكريّة مختلفة عما هو مألوف عربيًّا. وأذكر أنّ الباحث المعروف الصديق د. عزيز العظمة قد التقطها وأشار إليها، كما التقطها وفهمها المؤرخ المعروف الصديق د. وجيه كوثراني. وقد التفت إليها في أحاديث شخصيّة عديدة دارت بيننا.

وكنت قد طوّرت هذا الجانب في كتاب "المسألة العربيّة" مع أنّ البعض اعتقد أنّني انسحبت نسبيًّا من ذلك التمييز الذي قمت به في كتاب "المجتمع المدني". والحقيقة أنّني طوّرتها وحدّدتها أكثر بتطبيقها على الحالة العربيّة في كتاب "المسألة العربية". ولكن البعض -كما يبدو- لا يعترف حتى بوجود قوميّة عربيّة، فضلا عن أمة، على الرغم من اعترافه بقوميّة أيّ أقلية ممكنة تعيش بين العرب، بل وتجري قَوْمنةُ بعضها على نحو مقصود. ولكن الثورات العربيّة تؤكد وجود الهُويّة العربيّة في الواقع. وتؤكد معها عمليةَ بناء أمم مواطنيّة غير متطابقة مع القوميّة، ولكن القوميّة العربيّة تمثّل لها بُعدًا ثقافيًّا ولغويًّا ووجدانيًّا لا يمكن الاستغناء عنه عربيًّا في منحها مضمونًا ثقافيًّأ عابرًا للطوائف في الدولة وعابرًا للدول العربيّة. وهذا ليس موقفًا أيديولوجيا قوميًّا، لا عربيًّا ولا غير عربيّ. ولا يجوز أن يثير ذلك حساسية قوميّات أخرى لأنّ الأمة المواطنيّة التي نكتب عنها ليست قائمة لا على القوميّة ولا على الدين في الدولة الديمقراطية، وعليه؛ فهي لا تَعدُّ غير العرب أو غير المسلمين أقليات، إلا إيجابًا، أي في مجالات الحقوق الثقافيّة الجماعيّة التي يطالبون بها.

لم تتحول هذه النظرية إلى فكرة سياسيّة حزبيّة بالطبع. ولكن ليس لدي شك في أنّها تمثّل التيار المركزيّ السائد من دون أن يصيغ ذاته. وسلوك الشباب في الثورات مطابقٌ لها ويؤكّدها، فخطاب الثورات العربيّة تأكيد على المواطنة والهُويّة الوطنيّة القائمة عليها، من دون المس بالهُويّة العربيّة التي عبَرت عليها جائحة الثورة.

ولكن التحدّي الكبير الذي يواجهه المشرق العربيّ تحديدًا هو تحوّل الصّراع مع النظام إلى صراع هُويّاتيّ لا يفتت المشترك القوميّ فحسب، بل يمنع تشكّل أمّة مواطنيّة أيضا. وإزاء هذا الخطر، لا يجوز الاكتفاء بشعار إسقاط النظام في المشرق، بل من واجب القوى الديمقراطية التّأكيد على البعد المدني المتعلق بالمواطنين ككل، وعلى البعد الديمقراطي الذي لا يتعامل مع الأقليّة الطائفيّة كأنّها أقلية سياسيّة، ومع الأكثرية الطائفيّة كأنّها أكثرية سياسيّة، فهذا ليس تعبيرا عن نظامٍ مدني على الإطلاق.

وليس لدينا شك في أنّ المواطنة العابرة للهٌويّات الثقافيّة والإثنيّة والطائفيّة والقبليّة من جهة، والقوميّة القائمة على اللّغة التي تكرّسها وسائل الإعلام الفضائيّة والتي تكرّسها أيضا وسائل التواصل الاجتماعيّ من جهة أخرى، هي كيانات تتطور وتتبلور من دون توقف. ومن مهمة المثقف أن يطرح لها صياغةً واعية، لأنّ الصياغات الواعية المناقضة قد تقف في طريق عملية تحول نراها طبيعيّة ومنطقيّة، فتتحول الأمور إلى المجتمع الطبيعيّ وروابطه الوشائجيّة (العضوانيّة) أو التضامنيّة بحسب تعبير الصديق الراحل الدكتور خلدون حسن النقيب، وحروب الكل ضد الكل، بدلا من التّطور الطبيعيّ نحو المجتمع المدني والديمقراطية كبديل للاستبداد, وهو التحدّي الحالي للمجتمع المدني.

يخوض المجتمع المدني حاليا صيرورةً على جبهات ثلاث: 1. على الديمقراطية والكرامة والحرية، ضدّ نظام الاستبداد وهذا هو التحديث الثوريّ. 2. على السيادة، ضدّ التدخل الأجنبي لكون السيادة الوطنيّة الوجه الآخر للمجتمع المدني. 3. على المواطنة، ضدّ مطابقة الانتماءات السياسيّة بالهُويّات الطائفيّة والمذهبيّة والقبليّة، أي ضد تشظية المجتمع المدني والكيان السياسيّ.


[1] أؤكد هنا على كلمة "بعض" بعد أن عاتبني بعض الأصدقاء الباحثين على ما عدّوه تعميمًا غير مقصود.