تحليل سياسات 30 يونيو ، 2015

الخلاف السعودي - الأميركي في شرق أوسط متغير

الكلمات المفتاحية

فريدريك ويري

​زميل أوّل في برنامج الشرق الأوسط في معهد كارنيجي للسلام الدولي، حيث يركّز اهتماماته على شؤون الأمن والسياسة في الخليج وشؤون ليبيا وسياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط. وقد عمل في منصب محلّل سياسات أوّل في مؤسسة "راند" الأميركية. وهو مؤلّف كتاب حول السياسة الطائفية في الخليج. نال شهادة الدكتوراه من جامعة أكسفورد

تُثير هذه الأوقات المشاكل والقلق بالنسبة إلى الدبلوماسية السعودية. وجاءت الدفعة الأولى من تلك المشاكل في أعقاب الانتفاضات العربية عام 2011 والتي اعتبرتها المملكة العربية السعودية مثل من يفتح "صندوق باندورا"؛ إذ خرج منه الإسلام السياسي، والطائفية، والقبلية، والنفوذ الإيراني، والقاعدة. ثم تصاعد الأمر باطراد إلى نشوب سلسلة خلافات مع الولايات المتحدة الأميركية بشأن النظام الإقليمي وإستراتيجيات إدارة الفوضى المحيطة به.

وانتقدت أنظمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية بقيادة السعودية الولايات المتحدة على ما اعتبرته استسلامًا أميركيًا ساذجًا للطموحات النووية الإيرانية في المفاوضات الجارية، واستخفافًا بالخطر الإقليمي للإخوان المسلمين، وترددًا خطرًا في التدخل في سورية. وما زاد الطين بلة إعلان واشنطن عن "دوران محورها" الإستراتيجي نحو آسيا، وتنامي استقلالها في مجال الطاقة، وقرب انسحاب قواتها العسكرية نهائيًا من العراق وأفغانستان.

وليس جديدًا وجود مخاوف خليجية من خذلان الولايات المتحدة لها؛ فهي محفورة بعمق في صلب العلاقة بينهما. وكثيرًا ما كانت الدول الخليجية، كونها صغيرة وتعتمد على راعٍ أكثر قوة لحمايتها، قلقة من أن تتخلى واشنطن عنها لمصلحة جيرانها الأشد فتكًا أو تُورطها في حرب إقليمية من صنع أميركي. والشيء الجديد في تلك المخاوف هو التفاوت في مستوى النبرة وحدة رد المملكة؛ إذ أخذت الصحف السعودية تتحدث عن المواضيع الاعتيادية على صفحتها الأولى بمستويات جديدة من الحدة: الخليج يُستبعد من المفاوضات الإقليمية مع إيران، والولايات المتحدة تخدعها سورية وإيران وإخوان مصر.

وقد ازداد انتهاج السعودية، بدافع من إحساسها بالخطر، لسياسةٍ خارجية نشطة وحازمة في جميع أنحاء المنطقة، وبشكل متعارض أحيانًا مع مصالح الولايات المتحدة، بل حتى مقوِّضٍ لها. وخير مثال على ذلك تمويل خلع الجيش المصري لحكومة محمد مرسي، وتمويل جماعات المعارضة في سورية. كما دعت السعودية إلى اتباع سياسة دفاعية خليجية أكثر إظهارًا للقوة لتشمل "قيادة عسكرية موحدة" للقوات الخليجية، وصدرت عنها تهديدات مبطنة للولايات المتحدة بالبحث عن شركاء عسكريين آخرين.

وعلى الرغم من أنه لا يجب إهمال هذه الخلافات بشأن النظام الإقليمي والنشاط السعودي، ثمة عدة عوامل حاسمة تعمل ضد حدوث قطيعة حقيقية في العلاقات الأميركية السعودية. أولًا، لا يوجد لدى الرياض بديل حقيقي عن الضمانات الأمنية المقدمة من الولايات المتحدة على الرغم من وجود تحركات تمهيدية نحو عدة قوى آسيوية وجنوب آسيوية من أجل التسلح والتجارة. وعلى الأرجح لن تتحقق آمال السعوديين في إنشاء تكتل دفاعي محْكم في الخليج؛ فقد تعثر جهد سابق كان يرمي إلى بناء تعاون متعدد الأطراف في مجال الدفاع الجوي وإيجاد هيكلية قيادية موحدة لدول الخليج بسبب عدم الثقة والانقسامات المتأصلة. ثانيًا، سيكون الطريق نحو تحقيق إنجاز حقيقي يغير قواعد اللعبة في العلاقات الأميركية – الإيرانية، فضلًا عن الانفراج المتواضع في المجال النووي، أطول وأكثر ضبابية مما يعتقد المتشائمون السعوديون والمتفائلون في واشنطن. ولو حصل ذلك، فعلى الأرجح لن يكون تأثيره في العلاقات الأميركية - السعودية والمنطقة مُزلزلًا ومغيِّرًا بقدر ما هو مفترض عمومًا. وأخيرًا، تظل ركائز التعاون الأميركي - السعودي قوية في مكافحة الإرهاب والمساعدة العسكرية، بل من المرجح أن تنمو، ولا سيما في ضوء تعاظم تهديد الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

وإذا كان ثمة مجال للقلق ينبغي أن يوليه المسؤولون الأميركيون اهتمامًا أكبر، فهو الدائرة الداخلية للسعودية؛ إذ يبدو أنّ المسؤولين الأميركيين، في اندفاعهم لتأكيد الدعم الدفاعي والدبلوماسي للمسؤولين السعوديين، يتغاضون عن اتجاهات مثيرة للقلق في السياسة الداخلية للسعودية كالإفراط في قوانين مكافحة الإرهاب، ووهن الإصلاحات الاقتصادية، وصعود الشباب، والبطالة المستوطنة، ومسألة انتقال السلطة. وعلى الرغم من أن استقرار المملكة غير مهددٍ على المدى القريب أو المتوسط، يتعين على المسؤولين الأميركيين إجراء تعديلٍ هادف في هذا الجزء الرئيس من الحوار الأميركي - السعودي لدرء التحديات قبل فوات الأوان.