تحليل سياسات 07 يونيو ، 2012

التّفجيرات في سورية، هل فتحت مرحلة جديدة؟

وحدة تحليل السياسات

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش..

مقدمة

يثير تواتر ظاهرة التفجيرات في الآونة الأخيرة أسئلةً عديدةً عن مدى دخول الثّورة السوريّة في مرحلةٍ جديدةٍ تتسم ببروز مؤشرات التّحول من الشكل السلميّ التظاهريّ الاحتجاجيّ إلى الأشكال العنفيّة التي قد يصبح شكل التفجير الانتحاريّ أحد أشكالها أو مرافقا لها؟ فهل هذه الظاهرة مؤشرٌ لمرحلة جديدة تتسم بهيمنة نمط العمليات التفجيريّة على طريقة تنظيم "القاعدة" والتي تذرَّع بها النظام لقمع الحركة الاحتجاجية منذ بداياتها؟ وما علاقتها بظاهرة التسلح الدفاعيّ بوصفها إحدى ظواهر هذه الثّورة؟ وهل تمثل امتدادًا لتلك الظاهرة، أم أنّها ظاهرة جديدة تختلف بنيويًّا عن ظاهرة التسلح، أم أنّها ظاهرة هامشيّة وعابرة في مسار الثورة فحسب، ولا تعدو أن تكون من نوع الإفرازات الفرعيّة المرافقة في تطور الثورة السوريّة؟

بدأت إرهاصات الظاهرة المسلحة تظهر في سورية منذ الشهور الأولى للاحتجاجات، بيد أنّها حملت طابعًا بدائيًّا تقليديًّا يعكس واقع البنى الاجتماعيّة العشائريّة والتقليديّة التي انطلقت منها. وتجسدت هذه الظاهرة في إطار دفاعٍ بسيط عن النفس، يشرعن حاجته الدفاعيّة والحمائيّة بالمعنى الأهليّ. لقد برز هذا الأمر بأشكال متعددة بعد عملية اقتحام الجامع العمري في 23 آذار /  مارس 2011، وما ارتبط بها من الهول الذي أصاب الرأي العام السوري لأن القوات الأمنية لم تتورع عن مهاجمته وخرق حرمته، وهذا ما أدى ببعض الشباب إلى حمل السلاح بهدف رد الاقتحامات الأمنيّة المتكررة، والرد على عمليات الإذلال والانتهاك التي تمارسها قوات النظام -والمليشيات التي أوجدها وأناط بها هذه المهمة- بطريقة ممنهجة.

طغى هذا الشكل من التسلح الدفاعيّ البسيط خلال المرحلة الأولى من عمر الثورة السوريّة على مناطق مختلفة كبعض أحياء حمص، وبعض قرى الغوطة الشرقية في ريف دمشق، وريف حماه وإدلب. وترافق مع بروز انشقاقات عسكرية من الضّباط والمجندين. ولكن مع بداية عام 2012، ظهرت حالات جديدة وطارئة لا علاقة لها بأنماط التسلح السائدة في سورية، تجلت في التفجيرات والسيارات المفخخة الغامضة المصدر، والتي استهدفت عدة مدن سورية، وخاصة دمشق وحلب. وهو الأمر الذي فتح الباب واسعًا لطرح تساؤلات جوهريّة عن مدى تأثيرها في الثورة السوريّة. ولذلك، ستحاول هذه الورقة تلمّس مؤشرات المرحلة الجديدة من خلال استقراء مسار "العسكرة" أو " الكفاح المسلح" في الثورة السوريّة، والمظاهر العنفيّة المرافقة، وانعكاساتها المرحليّة والمستقبليّة سياسيًّا ومجتمعيًّا، وتداعياتها على التحول الديمقراطيّ الذي تتبنّاه الثورة شعارًا وهدفًا مبتغى في ظل النهج القمعيّ -الأمنيّ والعسكريّ- المتبع كمنهج وحيد وخيار نهائي للنّظام في التعامل مع الثّورة الشعبيّة، والذي لا يمكن إهماله عند ذكر السياقات المختلفة باعتباره الدافع الرئيس لبروز مختلف الظواهر العنفيّة في الثورة السوريّة.