العنوان هنا
مقالات رأي 21 أبريل ، 2011

رمزية ميدان التحرير

الكلمات المفتاحية

آية نصار

آية نصار، باحثة مصرية معيدة بقسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وتعد رسالة ماجستير بعنوان: "في العلاقة بين السياسة والمكان دراسة في مفهوم المدينة".

تتناول هذه الورقة "المكان" باعتباره رمزا سياسيا انطلاقا من حالة ميدان التحرير في القاهرة. فلقد شهدت مصر في الفترة من 25 كانون الثاني/يناير إلى 11 شباط/فبراير 2011 إحدى تلك اللحظات التي يتكثف فيها الفعل السياسي ليضع اسم مكان على خارطة التاريخ السياسي والاجتماعي. ورغم أن الحكم الموضوعي على هذه الفترة وما سيتبعها من تغير في العلاقات السياسية والاجتماعية في مصر، وتأثيراتها في المحيط العربي، سيظل متروكاً للتاريخ؛ إلا أنه بالنسبة إلى من عايش هذه الفترة، فإن ميدان التحرير؛ والمعنى الذي تشكل حوله والأحداث التي ارتبطت به؛ قد اكتسب بكل تأكيد أبعاداً جديدة وفارقة.

تحاول هذه الورقة أن تتجنب قدر الإمكان الوقوع في مطب السرد الرومانسي المرتبط باللحظات الثورية، وإن كانت لا تستطيع ادعاء انفصالها التام عن وحي هذه اللحظة. فقد قدّم ميدان التحرير نفسه في صورة المدينة الفاضلة، حيث مثَّل كل مشاعر الحنين لمصر الموحّدة؛ التي لا تتفكك وفقا للاختلافات الطبقية أو الدينية أو الإيديولوجية أو العمرية، أو تلك المستندة إلى نوعٍ أو مسقط رأسٍ؛ وهي الوحدة التي برزت في انتماءات الجموع المتوافدة والصامدة في الميدان أثناء الثورة. إلا أن باب السؤال سيظل مفتوحاً بشأن ما إذا كان الميدان يجسّد بوتقة مثالية أزالت الفوارق أثناء قيام "الشعب" المصري بالتغيير المنتظر؟ أم كان ميدانا تلتقي فيه التيارات المختلفة للّحظة تاريخية ومن بعد ذلك تتخذ طرقها المتفرقة؟

وربما ترتبط تلك الأسئلة بمعضلة الوحدة والتنوع، وهي الأسئلة التي أصبحت وجيهة جدا الآن في فترة ما بعد 11 فبراير 2011 حول تعدد المطالب والرؤى لما يجب أن تكون عليه "مصر الجديدة". وبما أن مصر الجديدة ارتبطت بالميدان فإليه تعود الورقة لتَلمس ملامح الإجابة عن هذه التساؤلات.


المشهد التأسيسي

يشار إلى ميدان التحرير كونه مركز القاهرة، وهو البوابة الجنوبية لمنطقة "وسط البلد"، تلك المنطقة التي مثلت مركز التحولات السياسية التي شهدتها القاهرة منذ بداية صعود هوية العاصمة بوصفها مدينة حديثة. ولم يكن مقررا لمنطقة وسط البلد في البداية أن تكون مركزاً تجارياً وإدارياً، ولكن كان التصور الأصلي أن تكون حياً سكنياً راقياً يتبع النمط الأوروبي ويقترب من الصورة التي رسمها الخديوي إسماعيل لتحديث عاصمته بعد زيارة قام بها إلى باريس سنة 1867[1].

ويرتبط حي الإسماعيلية، الذي سيعرف بعد ذلك بمنطقة وسط البلد، في الذاكرة الجمعية بالخديوي إسماعيل، بالرغم من أن إنشاءه وبناءه لم يتم بصفة كاملة في عهده، إذ أن الترتيبات المالية التي كان يتطلبها مشروع بناء هذا الحي لم تُتِح للخديوي أن يشهد خطته الأصلية تتجسد وتنفّذ كاملةً[2]، وتم استكمال معمار هذه المنطقة بشكلها المتعارف عليه حالياً في فترة الوجود الاستعماري البريطاني[3].

وجدير بالذكر أن منطقة وسط البلد مثلت الوجه الكوزموبوليتاني العالمي للقاهرة الحديثة، من حيث التأثيرات الغربية في أنماط العمارة، وأنماط الإنتاج والاستهلاك واستغلال أوقات الفراغ، بل حتى طابع ملابس مرتادي المنطقة والأنشطة التي يمارسونها... كل هذه العناصر جعلت من وسط البلد في النصف الأول من القرن العشرين مركزا تجارياً ومالياً وسكنياً راقياً على الطراز الأوروبي[4].


تنازع الهويات

مع سقوط الإمبراطورية العثمانية واعتلاء أول "ملك" حكم مصر، بدأت النزعة الوطنية في البروز. ففي سنة 1922 أصبح الملك فؤاد أول ملك لمصر، وفي سنة 1924 أصبح سعد زغلول أول رئيس وزراء وطني في أعقاب زخم سياسي تبلور مداه في ثورة 1919، التي مثلت تغيراً واضحاً في المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي. وفي إطار هذا المشهد مثل وسط البلد أحد المواقع التي كانت مسرحاً لهذا المجتمع الكوزموبوليتاني وما طرأ عليه من تغيرات مع بروز تيار وطني قوي. وخلال الفترة من سنة 1930 حتى سنة 1952، اتسم الطابع المعماري لمنطقة وسط البلد خاصة البنايات حول ميدان إسماعيل (والذي سيسمى ميدان التحرير لاحقاً)- بتزايد النزعة الوطنية، في الوقت الذي شهدت الواجهات الكولونيالية الأوروبية - والمرتبطة بعهد إسماعيل - علامات القدم والتآكل والاختفاء وراء لافتات المهنيين من الأطباء والمهندسين، وهو ما عبر بدوره عن تغير في هوية منطقة وسط البلد نحو الطابع المهني والتجاري وبعيداً عن طابع الحي السكني والترفيهي[5].

وشهدت السنوات السابقة لسنة 1952 تزايد النظرة السلبية للنمط المعماري والمباني المرتبطة باسم الخديوي إسماعيل، وبالرغم من أن خططه لتعمير القاهرة كانت سابقة للاستعمار البريطاني، إلا أن وجود اسمه وآثاره على وجه القاهرة الحديث ارتبط بصورة الفساد والاحتلال والاعتماد على الخارج[6]. وكما يشير إلى ذلك سمير رأفت، فإن اسم الخديوي إسماعيل كان موجودا في كل مكان في القاهرة الحديثة (القاهرة الإسماعيلية- كوبري الإسماعيلية- قصر الإسماعيلية وميدان الإسماعيلية و غيرها) بشكل مكثف، بحيث لم يكن من الممكن محوه إلا بقيام ثورة وهو ما حدث فعلاً[7].

وقد مثل الميدان ومنطقة وسط البلد مسرحاً للأحداث السابقة لانقلاب 1952. فقد قتلت القوات البريطانية في 25 يناير 1952 (نفس اليوم والشهر الذي اندلعت فيه الثورة الأخيرة) عددا من عساكر الشرطة في مدينة الإسماعيلية، وفي اليوم الموالي اندلعت الحرائق في منطقة وسط البلد مستهدفة أهم المعالم المعمارية المرتبطة بالحكم الاستعماري فيما عُرف بحريق القاهرة[8].

ويشير محمد الشاهد إلى أن هذا الحريق مثَّل نهاية حقبةٍ وثورةً ضد المعمار الكولونيالي ذي الصبغة التجارية والترفيهية، التي اعتبرت إلهاءً عن الحس الوطني[9]. وارتبطت هذه الثورة بشعور مضاد لعمارة الميدان والحي، حيث حرق الثائرون رمز الاحتلال، وهو ما تكرر رمزياً مع احتراق مقر الحزب الوطني المجاور للمتحف المصري في 2011[10].

بعد سنة 1952، كانت إعادة تسمية شوارع وسط البلد و ميادينه من أهم توجهات عبد الناصر، ففي سنة 1954 تمت إعادة تسمية 15 شارعا وميدانا من بينها ميدان الإسماعيلية الذي أصبح "ميدان التحرير"، بعد أن تم هدم معسكرات قصر النيل في سنة 1952[11] ، لكي يتم تحرير الميدان رمزياً[12].

ومع ميل عبد الناصر وتوجهه نحو الشرق، اصطبغ الطابع المعماري بالحداثة السوفييتية، ويجسدها بامتياز معمار مبنى "المجمع" الضخم[13]. وخلال هذه الحقبة أصبح الميدان والحي المحيط به مستوعبيْن إلى حد كبير في الحياة اليومية الشعبية، بعدما كانا يحظيان بمكانة حصرية ذات طابع كوزموبوليتاني غريب عن جموع الشعب[14]. وفتح عبد الناصر الميدان والمنطقة المحيطة به للفنادق الحديثة مثل "هيلتون النيل"، والتي ستقوم محل الفنادق المرتبطة بتجربة الاحتلال مثل "شيبرد"[15] الذي تعرض للحرق، ليلعب "هيلتون النيل" الدور نفسه من حيث توفير مكان للطبقات الغنية التي أصبحت آنذاك في مركز قوة[16].

ورغم أن فندق الهيلتون يُعد مبنى خاصا إلا أنه لعب دور الرمز للتعبير عن رؤية عبد الناصر للتحديث وتجسيداً لقدر من الانفتاح على العالم، مع إعادة إنتاج الرموز الفرعونية في داخله، واختلاف طابعه الخارجي عن المعمار الكلاسيكي المميز للمتحف المصري والذي ينتمي لعهد إسماعيل، وعن معمار المجمع المؤسسي البيروقراطي، كما أنه أقيم في موقع مقر القوات البريطانية السابق[17].

ومع عصر الانفتاح، بدأت القاهرة في التوسع إلى الحد الذي تفتقد معه لمركز واحد جامع[18]، خاصة مع انتشار الأحياء السكنية الخاصة التي لا ترتبط بمركز للمدينة[19]، وفقد ميدان التحرير مركزيته وطابعه الموحد، ليشهد تأثيرات العولمة من رموز استهلاكية في الإعلانات وسلاسل مطاعم الوجبات السريعة، واستقباله أفواج السياح[20].


المشهد التمهيدي: الميدان عشية 25 كانون الثاني/يناير 2011:

لعب ميدان التحرير أكثر من دور في الفترة السابقة لتاريخ 25 كانون الثاني/يناير 2011، فقد كان مسرحاً للاحتجاج والتجمع منذ وقت الاحتلال البريطاني، وشهد مقتل ثلاثين متظاهراً عند قصر النيل، وذلك قبل انسحاب القوات البريطانية من قصر النيل وتسليم المعسكرات للسلطة المصرية بين سنتي 1946 و1947[21]. ورغم أن توسع القاهرة قَدَّم بدائل عديدة يمكن لحركات الاحتجاج الشعبي أن تتجمع فيها[22]، إلا أن ميدان التحرير لم يفقد رمزيته الاحتجاجية والتجمعية، ففي السبعينات شهد الميدان نزول حوالي مليوني مصري في جنازتي جمال عبد الناصر وأم كلثوم، وفي سنة 2003 شهد الميدان تظاهرات حاشدة ضد الغزو الأميركي للعراق، وقُدّر عدد المتظاهرين فيها بنحو 30.000 متظاهر[23].

وشهد الميدان باعتباره وحدة تاريخية ومعمارية جامدة عمليات تغيير متعددة لرموزه المعمارية والثقافية، إذ لم تتحول مبانيه آثارا وأيقوناتٍ لعصور بائدة، فقد هُدم بعضها مثل معسكرات الجيش البريطاني في قصر النيل، وأنشئتْ مكانها مبانٍٍ حديثة مثل الفنادق الحديثة، ومبنى جامعة الدول العربية، بينما تم إعادة استخدام بعضها الآخر مثل مبنى وزارة الخارجية. كما تتجاور في الميدان المباني الكلاسيكية مثل المتحف المصري والحديثة الضخمة مثل "المجمع"، ويجتمع مقر الجامعة الأميركية (القديم) مع مسجد عمر مكرم. ويلاحظ أنّه بدأ مؤخراً نقل بعض هذه المقار، وهو ما يؤثر في محتوى الميدان الرمزي، فقد انتقلت الجامعة الأميركية إلى القاهرة الجديدة، وسينتقل كل من المتحف المصري ومجمّع التحرير إلى خارج الميدان[24]، وتمّ بيع فندق هيلتون النيل لتقوم على إدارته شركة أخرى.

وظل الميدان رمزاً للحركة الدؤوب للأشخاص والمواصلات[25]، فهو بالقرب من محطات الحافلات (الأتوبيس) ومحطة المترو الرئيسة، وهو الميدان الواصل بين القاهرة الكولونيالية والقاهرة المتروبولوتيانية بمبانيها الشاهقة التي تحجب رؤية النيل[26]. وربما ساهم موقع ووظيفة الميدان في احتفاظه بحيويته مكانا معيشا بدلاً من أن يكون مكانا جامداً وتاريخياً وحسب.


الفصل الجديد: لقطات من مشهد الثورة

سبق مشهد الثورة العديد من الوقفات الاحتجاجية، والتي تراوحت من احتجاجات عمالية، ودعوات للعصيان المدني فيما عرف بحركة 6 نيسان/أبريل، وتظاهرات الحركة المصرية من أجل التغيير-كفاية-، والوقفات التي تمت الدعوة إليها بعد حادث مقتل خالد سعيد، ثم حادث تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية في مطلع عام 2011 وما تلاه من نزول الكثيرين إلى الشارع، وتكرار مشهد التعذيب المفضي إلى القتل مع سيد البلال على هامش هذا الحادث. وتلا هذه الاحتجاجات إقدام بعض المواطنين المصريين على إضرام النار في أنفسهم أمام مجلس الشعب الواقع بمنطقة الميدان في أعقاب التغيير السياسي في تونس[27]. وهي جميعها وغيرها محطات اختلفت في أهميتها و تأثيرها، إلا أنها كانت جميعها تعمل على تهيئة ميدان التحرير لمشهد 25 كانون الثاني/يناير-11 شباط/فبراير 2011.

ولعب الميدان دوراً محورياً في الأيام الأولى للثورة، لأنه أصبح موضع النزاع بين رموز الدولة (قوات الأمن المركزي) والمتظاهرين. فمنذ اليوم الأول للتظاهرات كان الميدان محل التنازع الأساس، حيث كان الصراع الرئيس يوم 25 كانون الثاني/يناير حول محاولة المتظاهرين الوصول إلى ميدان التحرير وسعي النظام إلى صدهم عن ذلك، وهو اليوم الذي انتهى بشكل عنيف استخدمت فيه قوات الداخلية كامل قوتها لإخلاء الميدان. وينطبق نفس الأمر على يوم "معركة الجمل"، حيث أصبح الميدان ساحة صراع بين رموز النظام (بعد أن انسحبت قوات الشرطة) والثوار .[28] ومن ثمَّ فإنه يمكن القول إن الثورة في بعدها الرمزي كانت صراعاً على "تحرير" ميدان التحرير.

وكان احتراق مقر الحزب الوطني؛ بالإضافة إلى إضرام النيران في العديد من مقار الحزب وأقسام الشرطة[29]؛ تكرارا لمشهد سبق وقوعه في ميدان التحرير، حيث شهد قبل 59 سنة في نفس الشهر حرْق مبانٍٍ كانت تعد رموز الاحتلال والفساد. والآن، وإذ تعود الحركة الطبيعية تدريجياً إلى الميدان المزدحم، يظل مبنى المقر المحترق شاهداً على أن الميدان بعد 25 كانون الثاني/يناير قد شهد تغيراً سياسياً فارقاً. وقد أصبح مصير مبنى الحزب المحترق مثار نقاش يتراوح ما بين إنشاء حديقة مكانه أو إنشاء متحف للثورة[30]، مثلما يتأرجح مصير مقار الحزب الأخرى[31].

وتعد طبيعة الميدان الحيوية و وظيفته عاملاً مساهماً في إضفاء الطابع الاستثنائي على الحدث، لأنه معيش ومحفور في تفاصيل الحياة اليومية للكثير من المواطنين، ومن ثمَّ فإن مقترحات تحويله إلى ساحة دائمة للاحتجاج على نمط هايد بارك البريطانية، كانت تنذر بترويض الاحتجاج وتقنينه وربما السيطرة عليه، في مقابل ضرورة الحفاظ على عفوية الاحتجاج وصبغته الاستثنائية وذلك باستحواذه على مكان يعد جزءا من نمط الحياة اليومي للكثير من قاطني القاهرة والمترددين عليها.

وكما اتضح سابقاً، فإن ميدان التحرير كان دائما في خضم التغيرات وإعادة النظر في الهوية الوطنية والأحداث والتغيرات التي تعاقبت على المشهد الحضري والسياسي والثقافي لأهل القاهرة. وربما مثَّل مشهد 25 كانون الثاني/يناير -11 شباط/فبراير إحدى لحظات التحرر من سجن التاريخ، لتصبح لحظة حرية حقيقية بمعنى ممارستها وإعادة تعريفها وإضفاء خبرة خاصة وواقعية لجيل الثورة يتم معها إعادة فهم معنى "التحرير" ليتحول إلى ممارسة فعلية وليس رمزا تاريخيا متناقلا[32].


ملاحظات ختامية

  • على الرغم من تركيز جل اهتمام الورقة على ميدان التحرير، فإن هذا لا يعني أبداً السقوط في النظرة المركزية التي لا ترى في مصر إلا القاهرة، ولا ترى في القاهرة إلا المركز، فهوية القاهرة في القرن العشرين منيت أساساً بانعدام المركز الواحد مع عمليات التوسع المتعددة والانفجار غير المحسوب في المدن والأحياء السكنية الجديدة، والمناطق السكنية العشوائية، وهو ما كان يعطي الانطباع بتشرذم هوية العاصمة العمرانية. وقد يكون من تأثيرات ميدان التحرير إعادة نوع من المركز الرمزي للمدينة، بعدما كانت قد أوشكت على التفكك إلى مجتمعات سكنية مغلقة ومتباعدة، وانحسر الضوء عن وسط البلد بوصفه مركزا حضريا سياسيا واجتماعيا ماعدا في استثناءات بسيطة تحاول إعادة الحياة لقلب القاهرة[33].
  • لا يخلو أي مشهد يجتمع فيه المختلفون في وحدة واحدة من إقصاء خفي، فمركزية التحرير ربما تكون قد أقصت هامشاً، والطابع الحضري الذي غلب على الثورة لم يحظ بمشاركة الريف، بل إن غياب العنف والأسماء السياسية اللامعة والقادة عن مشهد التحرير- وهو الأمر الذي يعد من الإيجابيات غير المعتادة للثورة- لا يعني اختفاءهم عن المشهد السياسي خارج الميدان. وهذا التعامل مع أطراف ولاعبين خارج مشهد الميدان هو أحد التحديات التي تواجه استمرار ميدان التحرير رمزا للوحدة، والتغيير السلمي، والإجماع حول أهداف وطنية مشتركة.
  • العمارة والمكان، ليسا إلا تعبيرا بصريا عن هوية المجتمع ووجوده، إلا أن علاقتهما به ليست بسيطة، فأحياناً يلعبان دور الصورة التي يطمح المجتمع أن يكون عليها، وأحياناً أخرى يكونان رمزاً من رموز السلطة[34] التي تستدعي معاداتهما أو تحريرهما.

وأخيراً، فإن المكان يكتسب رمزيته السياسية من إمكانات الفعل التي يمتلكها ويجسدها الفاعلون السياسيون، ومن المثير والفارق في حالة ميدان التحرير أنه وخلال الثمانية عشرة يوماً، برز نموذج الفعل السياسي الشعبي الجامع والموحد، والمدعوم بقيم معيارية وأخلاق أطلق عليها فيما بعد "أخلاق الميدان"[35]. وهو أمر استثنائي في شؤون السياسة التي تُعرّف نفسها على أنها فنّ التنازع والصراع، إلا أنه من الواقعية الاعتراف أن هذا الاستثناء تمر عليه الخطوب والحوادث، ومن ثم يعود ميدان التحرير مكانا ورمزا وبكل المعاني التي أصبح يحملها، ليصبح محل تنازع بين الكثير من القوى السياسية والاجتماعية والثقافية، وهذا التنازع لا يجب أن يكون مدعاة للإحباط الذي أصبح يعتري الكثيرين، إذ أن هذا التنازع حول ميدان التحرير ومَن الأحق بتمثيله هو الذي يجعل منه رمزاً سياسياً.


[1]Timothy Mitchell, Colonizing Egypt, (University of California Press, 1991),pp. 4, 17. and Mohamed ElShahed, Facades of Modernity: Image, Performance, and Transformation in the Egyptian Metropolis, MA Thesis (MIT: 2007), p. 29.And André Raymond, Cairo: City of History, (Cairo: The American University in Cairo Press, 2007),p. 312.

[2] للمزيد من التفاصيل حو ل الترتيبات الكامنة وراء بناء هذا الحي انظر: جان-لوك أرنو، القاهرة: إقامة مدينة حديثة 1867-1907: من تدابير الخديوي إلى الشركات الخاصة، ترجمة: حليم طوسون وفؤاد الدهان،(القاهرة: المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، 2002)

[3] ElShahed, op.cit. pp. 29-31.

[4] Ibid, pp. 33-34

[5] Ibid, pp. 35-39.

[6] Ibid, p. 40.

[7]Samir Raafat, "Midan Al-Tahrir ", Cairo Times, December 10, 1998 available at http://www.egy.com/landmarks/98-12-10.php

[8]Khaled Adham, "Cairo's Urban Déjà vu: Globalization and Urban Fantasies" in El Sheshtawy, Yasser (ed.), Planning Middle Eastern Cities: An Urban Kaleidoscope in a Globalizing World, (London and New York: Routledge,2004), p.163.

[9]Elshahed, p. 41.

[10] في كلتا الحالتين لا توجد مصادر موثقة عمّن أشعل حريق القاهرة سنة 1952، أو المتسبب في احتراق مقر الحزب الوطني سنة 2011 وهو ما تكرر مع الكثير من مقراته في المدن المختلفة، بالإضافة إلى أقسام الشرطة، إلا أن التقارير الإخبارية عادةً ما تشير إلى قيام "المتظاهرين" بعمليات الحرق. انظر على سبيل المثال: "احتراق مقار الحزب الحاكم ومراكز الشرطة بمدن مصرية" ، أون إسلام،28 -1-2011
http://www.onislam.net/arabic/newsanalysis/newsreports/islamic-world/128236-28-01-2011.html

[11] Samir Raafat, op. cit.

[12] Elshahed, p. 43.

[13] بالرغم من أن مبنى المجمع كان قد تم بناؤه قبيل الانقلاب مباشرةً في عام 1951. المرجع السابق ص 43. Maria Golia, Cairo: City of Sand, (reaktion books, 2004), Pp. 83-84

[14] El shahed, p. 44.

[15] و يحاجج خالد أدهم بأن إعادة بناء هذا الفندق "شيبرد" إنما كان رمزاً لانحسار المرحلة الكولونيالية الاستشراقية وصعود اللحظة التاريخية للقاهرة ما بعد-الكولونيالية. انظر: Khaled Adham,op.cit, p.152.

[16] Elshahed, p. 44-45

[17] Ibid, p. 45.

[18]Raymond, p. 361.

[19]Adham, , p. 160.

[20] انظر في تفصيل ذلك: هبة رؤوف عزت،" شرفة تطل على ميدان التحرير مرآة لتحولات وطن.. ومرتكز للوعي والذكريات"، المستقبل 15-3-2011، العدد 3940.http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=457468

[21] Elshahed,p. 40.

[22] Raymond, p. 365.

[23]Golia,pp.85, 150, 167, 196-197.
"Top 10 Famous Protest Plazas", Time, 9-2-2011
http://www.time.com/time/specials/packages/
article/0,28804,2047066_2047070_2047071,00.html

[24] "وزير: نقل مجمع التحرير و16 وزارة إلى خارج العاصمة"، الدستور، 24-1-2010
http://dostor.org/politics/egypt/10/january/23/3983

[25]Yasser El sheshtawy, "Tahrir Square",Alrroya.com, 15-2-2011
http://english.alrroya.com/content/tahrir-square

[26] Raymond, p. 368.

[27] "مواطن ثان يشعل النار بنفسه أمام البرلمان وثالث يمسكون به قبل أن يفعلها مجددا"، الدستور. 18-1-2011،http://dostor.org/politics/egypt/11/january/18/35245

[28] "18 Days That Shook the World, From the first protest to Mubarak's fall, the Egyptian revolution in photos," 11-2-2011 http://www.foreignpolicy.com/articles/2011/02/11/
the_18_days_that_shook_the_world?page=0%2C0

[29] "احتراق مقار الحزب الحاكم ومراكز الشرطة بمدن مصرية"، أون إسلام،28 -1-2011
http://www.onislam.net/arabic/newsanalysis/newsreports/islamic-world/128236-28-01-2011.html

[30] محمد المهدي،"متحف الثورة"، 11-3-2011
http://www.eldostor.net/society-and-people/variety/11/march/11/37924?quicktabs_1=1

[31] مثال: "دعوى قضائية تطالب باستعادة مقار (الوطني)" ، صحيفة الشروق، 25 -2-2011،http://www.shorouknews.com/ContentData.aspx?id=397028
"محافظ الدقهلية يقرر استرداد كل مقار الحزب الوطني المملوكة للدولة"، الأهرام 31-3-2011.http://gate.ahram.org.eg/NewsContent/5/35/55714/المحافظات/أخبار-وتقارير/محافظ-الدقهلية-يقرر-استرداد-كل-مقار-الحزب-الوطني-ا.aspx

[32]انظر على سبيل المثال المقال\التدوين التالي الذي يطرح فكرة صناعة الذكرى المعيشة بدلاً من اجترار تاريخ ماضNaseem Tarawnah , "How Egypt Inspired a Generation of Young Arabs", The Black Iris, 13-2-2011
http://www.black-iris.com/2011/02/13/how-egypt-inspired-a-generation-of-young-arabs/

[33] Elshahed, P. 20.

[34] Elshahed, p. 40.

[35] للمشاهدات الحية عن تجربة الوجود في الميدان انظر على سبيل المثال:
Amira Noshokaty," Eyewitness accounts: People in the Egyptian Revolution", Ahram online, 20-2-2011
http://english.ahram.org.eg/News/5973.aspx