العنوان هنا
مقالات رأي 16 نوفمبر ، 2011

هل سيتحرّك زمننا نحو المستقبل؟

الكلمات المفتاحية

سيّار الجميل

باحث ومؤرخ، عمل أستاذًا باحثًا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى غاية كانون الثاني / يناير 2015، وتولّى الإشراف على برنامجين بحثيّين هما: "تكوين قطر الحديث"، و"موسوعة الخليج العربيّ". وله أكثر من 30 عامًا من الخبرة في مجالي التعليم الجامعي والبحث الأكاديمي في جامعات أوروبا، وأميركا الشماليّة، والعالم العربيّ. درَّس مساقات التّاريخ العالميّ وتاريخ الفكر المقارن، ومناهج التّاريخ وفلسفته، والتّاريخ العثمانيّ، وتاريخ إيران وتركيا، وتاريخ العرب الحديث والمعاصر. وقد عمل الدكتور سيار أيضًا مستشارًا للعديد من مراكز الأبحاث والمؤسّسات الدوليّة، من بينها "اليونسكو" و"الألسكو" و"الإيسيسكو" وغيرها، واشترك في تحرير موسوعات عالمية. وألّف ونشر أكثر من 30 كتابًا، وله نحو 70 مقالةً علميّةً باللّغتين العربيّة والإنكليزيّة، وهي تتنوّع في مجالات اهتماماته البحثيّة والأكاديمية. ومن أبرز مؤلفاته: "تكوين العرب الحديث"، في أربعة مجلّدات؛ وقد قدّم نظريّةً مهمّةً في تحقيب التّاريخ عبر الألفي سنة الماضية؛ من خلال "نظرية الأجيال" في كتابه "المجايلة التاريخية: فلسفة التكوين التاريخي"، فضلا عن كتب أخرى، مثل: "تفكيك هيكل" و"زعماء وأفندية" و"العرب والأتراك من العثمنة إلى العلمنة"، و"العولمة الجديدة"، وغيرها. ولقد تخرج على يديه عشرات من طلبة الماجستير والدكتوراه. وحاز الدكتور سيار جائزة "شومان" للعلماء عامي 1991 و1992. ومُنح قلادة العلماء المبدعين المتميّزين من المكتبة الوطنيّة النمساويّة 1995، وحاز أيضًا جوائزَ أخرى. وقدّم محاضراته في عدّة دول ومؤتمرات دولية. وفي عام 2007 انتُخب مستشارًا رئيسًا للمجلس الثقافي العراقي في الأردن.

على امتداد الثلث الأخير من القرن العشرين، حدث تغيير أساسي وجذريّ في حياة المجتمعات العربية عقب تخلصها من أزمة الاستعمار، وانتظم ذاك التغيير بيئاتها المجتمعية وملامحها الثقافية كافة؛ ولكن موضوع تلك "الأزمة" بقي يشغلها كما حدث ولا يزال يحدث في كيانات اجتماعية وسياسية عربية عدة، وذلك بسبب الصراع العربي - الصهيوني ووجود إسرائيل في قلب العالم.

إنّ مجتمعاتنا بحاجة اليوم إلى أن تبدأ حياتها التاريخية الجديدة التي بإمكانها رسمها في خريطة اتحادية جديدة.. وأعتقد أنّ أسلم طريقة لها في تأسيس فحوى التضامن والتكتل، تلك التي يمثلها أيُّ أسلوب من العمل الكونفدرالي العربي سياسيا، والذي يمكن اقترانه باللامركزية الدستورية، فضلا عن تفعيل إعادة تأسيس أو إنشاء سوق عربية مشتركة، وتفعيل سوق ثقافية لها نسيجها الحيوي. وكلها تضمن - بالضرورة - استعادة مجتمعاتنا العربية من جديد، دورتها التاريخية الخصبة في التاريخ المعاصر من أجل بناء مستقبل لها في عصر التكتلات الإقليمية والفورمات (التجمعات) القارية. ولا نجاح لأيِّ تجارب مستقبلية كهذه، من دون ولادة انسجام مصيري بين الدولة والمجتمع، وخصوصا حول إعادة الهيكلة السياسية وإعادة التنظيم الاجتماعي على ركائز وأسس حديثة، إثر استتباب الأمور واستقرار الأوضاع من مخاض الثورات العربية التي صنعتها الإرادة العربية، التي كانت تنتظر اللحظة التاريخية بعد قرابة ثلاثين سنة من تداعيات العام 1979 وأثره في صنع الانقسامات والأزمات وضعف المواجهات. ويعد العام 1979 من أخطر سنوات القرن العشرين، كما حللّت ذلك في كتابي "المجايلة التاريخية: فلسفة التكوين التاريخي" ( صدر عام 1999)، وسأفرد مقالة أخرى لاحقا، لتحليل خطورة العام 1979 وما جرّته الأحداث التاريخية فيه على كل حياتنا العربية حتى يومنا هذا.

لقد تأكد للمؤرخ أنّ مُهمة التكوين المعاصر - وهي من أصعب المهام التاريخية - قد تبلورت في الوقت المناسب، أي بعد أن مضت عقود القرن العشرين المليئة بخيبات الأمل، وبالصراعات السياسية، والانقلابات العسكرية، والثورات الإقليمية، والمشاحنات الأيديولوجية، والشتائم الإذاعية والدعايات والشعارات الفارغة، والحروب العربية الباردة.. وصولا إلى زمن الفوضى الخلّاقة، التي أشاعتها القوى الأميركية الجديدة.


عوامل التَّردي العربي ومشكلة "العروبة" و"القومية"

لقد بدت مجتمعاتنا قبل انطلاق المتغيرات التاريخية مع بداية 2011، منخورة من دواخلها، ومهددة في حصونها، جَرَّاءَ مرور أزمان على التنكيل بها من مختلف الجوانب. لقد كانت عوامل التَّردي فيها قوية جدا، وعلى الرغم من انقضاء قرابة مئة سنة على ما سمي بـ"مشروع النهضة"، إلا أنّ ما حدث في أثنائها، يكفي لتأخير سيرورة التقدم أزمانًا طِوالا. إنّ مجتمعاتنا تتناهبها حتى اليوم تيارات الانقسام، والصراعات المحلية، والخلافات العرقية؛ والدينية؛ والطائفية؛ والجهوية؛ والعشائرية.. وهي عوامل أساسية في فتح ثغرات خطيرة، ينفُذ من خلالها كل الأعداء، وفي مقدمتهم إسرائيل. وثمة أحقاد كبرى تظهر بين آونة وأخرى بين أكثريات وأقليات سكانية في مجتمعاتنا، تترجم حالات من التطرف والتعصب والتشدد والغلو، وكلها عوامل تَفُتُّ في عضد القيم الوطنية والأخلاقية، التي قد لا نجدها لدى مجتمعات أخرى. لقد أصبحت "العروبة" - مثلا - كالوباء في أذهان البعض؛ إذ يراها ذلك البعض المنتشر في كل بيئة عربية، ظاهرة داكنة شريرة سوداء، من دون أن يُمَيِّزَ بين القيم الحضارية الفاضلة التي تحملها، وبين خطايا الفكر القومي والممارسات الخاطئة للأحزاب السياسية التي حملت شعارات القومية العربية!

لقد حدا بالصديق المفكر الدكتور عزمي بشارة أن يؤلف كتابا عنوانه: "أن تكون عربيًّا في أيامنا" ليجيب بعقلانية هادئة، لا برومانسية حالمة، على تحديات صاعقة تواجه مجتمعاتنا العربية، وقوى داخلية وخارجية تجعل من كل عربي متهما. ودعونا نتأمل في النص التالي: "وضاق الهامش حتى بات كل من يُعَرِّفُ نفسه كعربي في نظرهم قوميا عربيا، لأنهم ينكرون على العرب حتى تعريف أنفسهم كعرب. وقد أدى انحلال المشاريع القُطرية إلى تركيبات سكانية طائفية وعشائرية وجهوية سافرة أو كامنة، إلى تَحوُّل المطابقة بين العروبة والهوية العربية إلى نبوءة تحقق ذاتها، فقد بات التشديد على العربية في وجه الطائفية والمذهبية والعشائرية والجهوية موقفا عروبيا. أن تكون عروبيا في أيامنا؛ يعني أن تتخذ الهوية العربية نقيضا لتسييس الهويات التفتيتية.. أن تكون عروبيا يعني - في أيامنا- أن تكون بشكل واعٍ عربي الهوية. لقد جاء هذا التبسيط الحالي الذي قام به خصوم القومية العربية من باب 'ولا تكرهوا أمرا علّه خير لكم‘. فهذا التبسيط يكاد يجعل من كل عربي عروبيا.."[1]. وكنت قد عالجت نزعة العروبة الحضارية التي تمتد في عمق زمني مدهش، مُقَارِنًا إياها بالقومية العربية التي وُلدت قبل مئة سنة فقط! وكم وجدت من فروقات بين قيم الأُولى ونتائج تطبيق الثانية في القرن العشرين!

إنّ مجرد البحث والاستقصاء في القضاء على عوامل التردي التي خلقتها قوى مضادة متغلغلة في دواخل مجتمعاتنا، وتجد غذاءها من قوًى كبرى، سينقذ مجتمعاتنا من ورطاتها التي يتفاقم خطرها يوما بعد آخر. إنّ مجرد إتاحة دروس من الماضي وتوضيح الصور الحقيقية لتاريخ التعايش في مجتمعاتنا العربية؛ لَأُمورٌ جِدُّ كفيلة بمسح كل الصور المشوهة التي يرسمها واقعنا اليوم وعلى أيدي تلك القوى المضادة. ولطالما رددَّتُ في كتاباتي خلال السنوات الفائتة: أنّ أيّ تحرُّكٍ رسمي من أجل التغيير نحو المستقبل، ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار مسألة الوعي بذلك التغيير، ومحاولة زرعه، والعناية به عناية مطلقة، كي تصل مجتمعاتنا إلى حالة الإدراك المتبادل بين مصاعب الحاضر ومشكلات المستقبل.


القوى الجديدة: إنتلجينسيا عربية

لقد وُلدت نُخبٌ، وابتُدعت أفكار ورؤًى، وأَخصَبَت قُوًى "إنتلجينسيا" عربيةً متباينة في الوقت المناسب، على الرغم من حملات عِدّة، شُنَّت من بعض الجهات أو الأنظمة الحاكمة؛ مُتَّهِمَةً إياها بشتى التهم! وبدا رأيٌ يسود، فارضًا نفسه على الآراء الأخرى، مفاده: أنّ منطلق التحضر العربي، ربما يكون في نقطة تحول نهضوية حاسمة.. ستفيدنا جدا - نحن المؤرخين - في قياس حجم الرؤى المستقبلية لها، وخصوصا من هذه اللحظة التاريخية التي ولدت عواملها خُفيَةً عام 2009، وانطلقت مع نهاية العام 2010، وسيمضي جيل جديد يصارع من أجل مشروعٍ له أبعاده الأساسية وحتى عام 2039م. ويعتمد ذلك على قدرة مجتمعاتنا على إرساء مبادئ جديدة وأسس عملية لنظام عربي في القرن الحادي والعشرين، نظامٌ عربي للحياة والمستقبل، يختلف عمّا ألفه الناس في القرن العشرين وما زالوا يعايشونه إلى اليوم.

إنّ الأوضاع العربية في العديد من القسمات العربية، تبدو صعبة جدا عند بدايات قرن جديد، بل تعيش حالات مؤلمة ومحبطة وهزيلة، ولكن يجب أن لا يكون ذلك مَدعاة للنكوص والتشاؤم واليأس، على الرغم من أنّ الخجل والحياء من التراجعات المهينة والأخطاء المشينة، التي لا يمكن غفرانها أبدًا من قبل بعض أنظمة سياسية، حكمت المجتمعات بالحديد والنار، وتسلّط جبابرتها على الناس. نعم! علينا أن نفكّر بأفق عريض في الظواهر التاريخانية، وليس ضمن آلية الانسحاق التي تضربنا بها الأحداث التاريخية المريرة، على مدى ثلاثين سنة مريرة مرّت. علينا أن نتفاعل ضمن تاريخٍ حافل ومعاصر عربيا ودوليا، وعلينا أن لا نجعلها سابقة تاريخية لنا منذ الوهلة الأولى، خصوصا وأنّ العرب قد مروا بظواهر وحالات وأحداث تاريخية، ولّدتها تحديّات قاسية عبر تواريخهم الطويلة وضمن مسارات متقاطعة منذ قديم الزمان! لقد بدا واضحا أنّ زمن التغيير قد أعاد اللُّحمة العربية إلى قوتها، بعد أن شهدت تراخيا مفضوحا منذ العام 1979،  إذ شهدنا - بعد مرور ثلاثين سنة - تلاقحا عضويا بين المشرق والمغرب العربيين في سريان الأحداث والوقائع، فضلا عن تعاطف كل المجتمعات العربية مع بعضها البعض تعاطفا كبيرا. كما عاد العقلانيون لصياغة الحياة والمشاركة في صنع القرار العربي، فضلا عن تبلورٍ واضح لنمو قوة الجامعة العربية واتجاهها لجمع شمل أطراف الأمة، بعد أن عانت من فشل ذريع على امتداد ثلاثين سنة مرت! وكنت قد نشرت عدة مقالات نقدية إزاء تراخي الجامعة العربية التي تعاظم دورها اليوم، ليس لأسباب داخلية، بل لعوامل أفرزها ربيع الزمن العربي وانهيار قوة بعض السلطات العربية الغاشمة، التي كانت تفرض سيطرتها على الجامعة من أجل إبقائها ضعيفة مهترئة لا دور حقيقي لها.

إنّ المجتمعات العربية المعاصرة بحاجة - فعلا- إلى التغيير والبناء منذ هذه اللحظة الحاسمة وحتى أجل غير محدود. وما هو مطلوب من الزعامات العربية - وخصوصا الجديدة منها - أن تعي مسؤولياتها التاريخية، وتوفر للمجتمعات العربية المعاصرة وللدول معًا جميع مستلزمات البناء والتغيير نحو الأفضل. وربما يخالفني البعض إن قلت: إنّ ثمة مشاكل ومعضلات يعاني منها المجتمع بسبب تخلفه وجمود تفكيره وسيطرة جملة أفكار وتقاليد ونصوص وأوهام وأخيلة على عقله، مما سيجعل الأمر صعبا جدا وعلى مدى زمني يصل إلى الثلاثين سنة المقبلة، وسيَحرم البلاد العربية من نعمة الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، وهو من أولويات صناعة المستقبل الكامنة في أساليب السياسة المرنة والهادئة والعقلانية، التي يجب أن يَتَّبِعَهَا كل الزعماء والناشطين والقوى الفاعلة، من أجل حل المشكلات التي يمكن أن تظهر في مفاصل الدواخل العربية.


إستراتيجية منظومة عربية كتلوية في المستقبل
:ضرورة تنمية التفكير

إنّ القراءة الرؤيوية لتجارب التفكير والعمل العربي المشترك - لأكثر من ثلاثين سنة مقبلة من التأسيس والتنمية والتطور ومن الحكمة والمرونة والانفتاح - تكشف لنا أنّ المنظومة العربية ستكون المستفيدة الوحيدة من تلك التجارب في بناء مستقبلها بشكل متميز جدًا، وأنّ حقوقها سترجع إليها لا محالة. ولئن لم يتم ذلك على أيدي هذا الجيل، فربما يتم على أيدي الجيل المقبل؛ كما ستستفيد المنظومة العربية من محاولاتها المستمرة والدائمة في فتح أبواب جديدة على كل ثقافات العالم من أجل بناء مستقبل مشرق. ولعل من أهم ما يمكنها الاعتناء به، الأولويات المتعلقة بالمستقبل الإنتاجي والاقتصادي، وإنه لابد لهذه الأولويات من تَجَذُّرٍ في الأرض، مرتبطٍ بإعادة تشكيل التفكير والإنتاج العربي المتنوع، على أُسس حيوية جديدة على مستوى المجتمع والدولة، خصوصا وأنّ المنطقة العربية تكاد تتفوق اليوم على كل أنحاء العالم بتمركزها في المجال الحيوي، الذي لابد أن توظفه.. خصوصا من الناحيتين الاقتصادية والإعلامية على أتمّ وجه.

لابد للأجيال القادمة أن تفكّر في مستقبلها قبل ماضيها، ولابد لها كذلك؛ أن تُدبِّر شأنها المتصل بشأن الدولة والمجتمع على حَدٍّ سواء. إنّ جملة تغييرات نوعية، لابد من حدوثها في البنية المؤسساتية لكل دولة، وفي البُنى والنظم الاجتماعية لكل مجتمع، ثم إنه لابد من تسارع وتيرة التغييرات النوعية مع تقادم الزمن. ولابد من إحداث تغييرات نوعية وجذرية في أسلوب الأداء الوظيفي والخدمي محليا ومنذ اليوم، وأن يبقى الجدل -لا الجدال- دائرًا حول طبيعة هذه التغييرات، التي لابد وأن يتقبّلها المجتمع بشكل طبيعيّ وطوعيّ ومباشر. هذا التوجه بحاجة إلى الذهنية المتفتحة التي تُميِّز- على نحو عقلاني - بين جملة من المزدوجات دون أن تغرق في تناقضاتها. وهنا، أنصح بتقرير منهج "تنمية التفكير وتبديل الذهنية" على الملايين من صغار التلاميذ في مراحل التربية والتعليم الأساسية والابتدائية، كيما يتعلموا كيفية التفكير في حقائق الأمور، وكيفية التخلص من براثن الأوهام..  كي يتعلموا  أنّ الزمن يشكّل أكبر قيمة في الحياة الإنسانية.. كي يتعلموا أنهم بحاجة إلى التفكير النسبي لا المطلق، وإلى المعاني الحقيقية لا الرموز التخيلية، وإلى الواقعية لا اليوتوبيا، وإلى الحقائق لا الأوهام.. إلخ. إنّ في هذا السياق عواملَ تستدعي دراسةً عميقة تُعنى بالجذور وبالقيم وبمنظومتيهما التاريخية والاجتماعية، ومن ثم المقارنة المعرفية والنقدية بحسب الزمان والمكان، لاستنباط المزيد من المعاني والقيم الجديدة التي من أبرزها: تاريخ انفتاح العرب على كل الدنيا في القرون العشرة الماضية .

 
التجارب الأخرى عبر العالم

ثمة تجارب أفضت إلى تغييرات في التشكيل والترتيب البنيوي المكاني في عدة دول ومجتمعات، ومنها تجارب النمور الآسيوية، خصوصا على مستوى التراكيب التحتية لعمليات التراكم في المؤسسات والأجهزة والأبنية منذ انطلاق عقد السبعينيات في القرن العشرين، حيث بدأ التوجه السائد نحو إعادة تسكين عمليات تراكم رؤوس الأموال وتوظيفها في التنمية والخدمات توظيفا دقيقا، لتنتقل تلكم البلدان من مناطق الدخل المنخفض إلى مناطق الدخل المرتفع، أي جعلها بلدانا منتجة، بدل أن تبقى مستهلكة. وقد حدث العكس في بلدان عربية (وفي بلدان من العالم الإسلامي أيضا) لم تعرف قياداتها فن إدارة التوجه؛ حيث كان التوجه السائد يبدو وكأنه يمضي نحو إعادة مركزة رأس المال في بلاد ومناطق الدخل المرتفع، خصوصا عبر تطبيق التجارب الاشتراكية الفاشلة التي أضرت كثيرا بالأوضاع الاجتماعية والتنموية العربية في بلدان مهمة.  لقد بدأت تلك الدول تتأخر شيئا فشيئا، نظرا لحالة تغيير المسار، واتجاه السلطات فيها لتقليص جغرافيا رأس المال، الذي سيطرت عليه الدولة سيطرة شبه عمياء، ووظفته توظيفا غير عقلاني، فأخَّرت نفسها، وتراجعت تبعًا لذلك بنياتها النهضوية، مقارنة بما كانت عليه في النصف الأول من القرن العشرين، خصوصا بعد التطبيقات (الاشتراكية) الفاشلة في كل من مصر والعراق وسوريا والجزائر وليبيا واليمن الجنوبي، من دون دراسة الواقع والظروف المحيطة به، قبل إجراء أيَّ تطبيقات على الأرض!

 
أخيرا:
هل سيتحرك زمننا نحو المستقبل؟

بعد كل الذي قدمته أعلاه، أتساءل: هل سيتحرك زمننا نحو المستقبل؟

أُجيب بأن زمننا بدأ يتحرك حركة قوية، ولكننا لا نعرف - بالضبط - صوب أيِّ اتجاه؟ لقد بدأ زمننا يتحرك..  لكن من سيقوده حقيقة إلى المستقبل؟ ها هو زمننا يتحرك حركة قوية، لكن ضمن أيِّ مسار وطني وأيِّ نطاق قيمي وأيِّ مشروع عربي حضاري يا تُرى؟ زمننا بدأ الحركة فجأة، بعد أن مرّتَ أكثر من ثلاثين سنة من الضيم والمعاناة.. ولكن أين خريطة الطريق؟ نحن على قناعة تامة بأن العرب.. كل العرب، ليس لديهم أي خريطة طريق، ولا أي مشروع، ولا أي خطة تتعلق بالمستقبل. لكنه بات من المخيف جدا، أن نتصورهم وهم يركضون ضمن خريطة طريق رسمها لهم الآخرون! علينا أن نبارك أيَّ خطوة من أجل التغيير، لكن الخطوة هذه لن تكتمل إن لم يرافقها "مشروع عمل" أو "خريطة طريق" أو حزمة مبادئ.. فهلا استوعبنا الدرس وأوجدنا الرؤية؟ إنه درس ليس في التاريخ، بل رؤية من أجل المستقبل.


 

[1]  عزمي بشارة، أن تكون عربيًّا في أيامنا، ط2، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية)، ص 69- 70.