مقالات رأي 10 أغسطس ، 2015

مرّة أخرى في الطائفية وإنكارها

الكلمات المفتاحية

عزام أمين

​أستاذ علم النفس الاجتماعي في معهد الدوحة للدراسات العليا، عمل سابقا أستاذ علم النفس الاجتماعيّ وما بين الثقافات في جامعة ليون الثانية في فرنسا. مُدّرس باحثٌ في جامعة ليون الثانية والجامعة الكاثوليكيّة الخاصّة منذ عام 2004 . عضوٌ في مخبر "فريق البحث في علم النفس الاجتماعيّ" التابع لجامعة ليون الثانية. عضوٌ في المكتب العلميّ للجمعية العالميّة للبحث العلميّ في ما بين الثقافات، جنيف، سويسرا. نُشرت له عدّة مقالاتٍ وأبحاثٍ عن الهوّيّة والانتماء والثقافة والاندماج الاجتماعيّ.

أن يختلف المثقفون والباحثون الأكاديميون في مقاربة مسألة الطائفية في سورية فهذا أمر طبيعي، لا بل ضروري. فالعلوم عامة، والاجتماعية منها خاصة، قائمةٌ على الجدل والشّك العلمي، وهذا ما يميّزها عن العقائد. أضف إلى ذلك أنّ مفهوم الطائفية هو مفهوم مركب، متعدد التعريفات والمعاني، وهو محل دراسة وتحليل في مجالات علمية مختلفة.

إنكار ظاهرة الطائفية في سورية ومحاولة تفنيد وجودها هو أيضًا أمر طبيعي وقابل للجدل، فالحقيقة الاجتماعية هي تصور، وكل تصور هو فعل ذاتي وموضوعي في الوقت نفسه. يرفض البعض لا شعوريًا رؤية هذه الظاهرة، ومن منطلق التأكيد على الهوية الوطنية السورية الجامعة. الأسئلة التي تطرح نفسها هنا هي: لو لم تكن ظاهرة الطائفية موجودةً فعلًا، لماذا يكتبون عنها إذًا؟ ولماذا أججت هذه الظاهرة كل هذا الجدل الكبير بين المثقفين والمفكرين؟ ولماذا أصبحت الشغل الشاغل للكثير من الباحثين والسياسيين المهتمين بالشأن السوري؟

ما نراه غير طبيعي، بالمقابل، هو ذلك الكمّ من الشتائم الذي ينهال به البعض على كل من يحاول الكتابة عن مسألة الطائفية وتفكيكها وفهمها واقتراح حلول علمية وعملية لها. تارةً يُتهم بالطائفية نفسها ومحاولة تكريسها، وطورًا بالشعبوية. بالتأكيد، في هذه الحالة ننتقل من منطق الشك العلمي والجدل إلى حيّز الأيديولوجيا والعقائد، وربما حيّز الحيل الدفاعية والإسقاطات النفسية، فرفض الاعتراف بوجود هذه الظاهرة وبهذا الأسلوب العُصابي له بالتأكيد دلالاتٌ نفسيةٌ، لسنا هنا مجال البحث فيها.

لن ندخل في إشكالية تعريف هذا المفهوم التي تطرقنا إليها في مقالات سابقة، ولا في جدل وجود ظاهرة الطائفية أو عدم وجودها. ففي مشرقنا العربي المعاصر، تفرض هذه الظاهرة حضورها الكبير ومنذ زمن بعيد، في مختلف تجليات الحياة الاجتماعية، وتأتي موجة التعصب بصفة عامة، بلورةً لحوادث سياسية واجتماعية متواترة، أدت إلى إيقاظ المشاعر المذهبية والطائفية حينًا، والعشائرية والأقوامية حينًا آخر، إلى درجة أصبح فيها الجمود والتطرف ورفض الآخر المختلف ملمحًا من ملامح الحياة الاجتماعية والثقافية. ويمكن القول في هذا السياق: إنّ الطائفية تمثّل أحد أهم التحديات التي تواجه الحياة السياسية والاجتماعية في المشرق العربي اليوم، وتعيد خلط الأوراق السياسية. وإن لم يتم تجاوزها ربما ستؤدي إلى تفتيت الدول المُكوّنة لهذا المشرق.

أصبحت الطائفية في سورية أمرًا واقعًا شئنا أم أبينا، فبعد أكثر من أربع سنوات من انطلاق الثورة السورية ضد نظام الأسد الاستبدادي، تنامت مشاعر الانتماءات الضيّقة، ما قبل الوطنية، وأدت إلى موجة عارمة من العداء والانتقام والتطرف بمستوياته المختلفة. كما بات السلوك الطائفي الإقصائي، على المستوى الفكري أكان أم على المستوى الجسدي، يهدد الهوية الوطنية بصفة عامة. وعلى الرغم من عدم وجود مؤشرات علمية دقيقة على مدى انتشار هذه الظاهرة، فلقد أصبحت تتجلى في صور متعددة ومختلفة بين السوريين، وتُمثّل خطرًا على الصعيد الفردي والاجتماعي والسياسي.

ويعلم المطّلع على الشأن السوري أنّ الطائفية ليست وليدة الثورة السورية، وأنّ وجودها أعمق كثيرًا، ويتعدى الاصطفافات والحوادث الطائفية التي ظهرت بعد عام 2011. ولكن وفي الوقت نفسه، لم تكن الطائفية سببًا من أسباب ثورة الشعب السوري، فهذا الشعب لديه ألف سبب آخر واضح ليثور على نظام شمولي، حرمه أبسط حقوقه الإنسانية. لا بل إنّ ما يجب أن يحاول المثقفون والباحثون فهمه، هو ليس لماذا ثار السوريون على نظام الأسد؟ وإنما لماذا لم يثر السوريون على نظام الأسد حتى عام 2011؟

وفي هذا الإطار، يبقى السؤال الأهم هو عن أسباب ظاهرة الطائفية في المجتمع السوري، وعوامل تفشيها بهذا الشكل الفجّ، فالعمل على تجاوز أي ظاهرة يجب أن ينطلق من الأسباب التي أدت إلى نشوئها وتكريسها. وأيّ تحليل لهذه الظاهرة لا يتبنى مقاربة عابرة للاختصاصات سيكون بالضرورة تجزيئيًا، يفتقد إلى الإطار التفسيري الشامل المتمثل بالربط بين العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفردية.

ما تؤكده البحوث في هذا المجال، هو أنّ الطائفية ظاهرة مكتسبة، وليست فطرية، ولها أسبابها الموضوعية. فعلى الصعيد المباشر، هناك عدة عوامل دفعت وبشكل ممنهج إلى تطييف الثورة السورية والمجتمع السوري عامة. ونحن نجزم أنّ أهم هذه العوامل هو النظام السوري الذي وعبر أجهزة إعلامه، قسّم الشعب السوري، ومنذ اليوم الأول للحراك الثوري، إلى مواطنين شرفاء وأناس خونة، وإلى أكثرية سنّية متطرفة وأقليات مُستهدفة. لقد كان لهذه الإستراتيجية والعنف الذي رافقها فاعلية كبيرة، وزادا في تعميق الشرخ بين كل شرائح المجتمع السوري، وبين الموالين والمعارضين على وجه الخصوص. لقد دفع التجيّيش طائفي والعنف دموي كلًا من الفريقين إلى التّمترس خلف المواقف السياسية وإلى التعصب والتطرف في الخطاب، كما استطاعا تحويل ثورة شعب ضد نظام استبدادي إلى صراعٍ بين جماعات طائفية وعرقية. لا يمكننا بالطبع إنكار وجود عوامل خارجية وقوىً إقليمية، دفعت هي أيضًا نحو هذا التطييف، وكان لها مصالح فيه. السؤال الذي يطرح نفسه هو: لو لم تتوافر أرضية صالحة لتقبّل هذه التطييف، فهل كانت هذه العوامل الخارجية والداخلية لتنجح في تحقيق أهدافها؟ بصيغة أخرى، ألم يكن هناك ما يمكن أن نسميه بـ "جهوزية طائفية" عند الشعب السوري؟ للإجابة عن هذا السؤال، يجب تحليل الظرف السياسي والاقتصادي والثقافي الذي عاشه الشعب السوري لأكثر من أربعة عقود.

فعلى الصعيد السياسي، ينتمي نظام الحكم في سورية إلى بنية ذهنية قديمة لا تؤمن إلّا بالقوة والاستبداد من أجل البقاء، فلقد أسس حافظ الأسد بعد انقلابه في السادس عشر من تشرين الثاني / نوفمبر 1970 نظام حكم شمولي، يتغلغل الاستبداد في ظله في كل مفاصل الحياة وأدقّها من دون استثناء. لم يعمل هذا الحُكم يومًا، وعلى مدار أربعين عامًا من القمع، على خلق هويّة وطنية جامعة. لا بل، وعلى العكس من ذلك، عمل وبأسلوب منهجي على تفكيك المجتمع السوري تفكيكًا مدروسًا، يكفل له التفوق عليه وعلى أي مكونٍّ من مكوناته. فبعد إعلان الأحكام العرفية إثر الانقلاب العسكري الذي قاده حزب البعث في آذار / مارس من عام 1963، والذي قضى تمامًا على الحياة السياسية الحزبية والنقابية في سورية، أعاد نظام الأسد ضمنيًا إنتاج علاقات تقليدية عشائرية وطائفية، عبر توزيع الأدوار والوظائف الأساسية في الدولة على أساس الولاء والطائفة، "توازن طائفي" وليس على أساس الكفاءة. برز هذا أساسًا من خلال "السياسة الاقتصادية الزبائنية"، القائمة على الانتماءات الضيقة والتبعية بصفتهما أولوية ووسيلة وحيدة للبقاء والنجاح. كان هذا الاقتصاد الزبائني إلى جانب مفهوم التوازن الطائفي، في ظل نظام الأسد، أمرًا واقعًا مقبولًا ومشروعًا، نوعًا ما، عند الشعب السوري، وفي ظلهما عاشت أجيال متتالية من الناس مراحل تكوينها النفسي والعقلي.

أمّا على الصعيد الاقتصادي، فلم تعجز سياسات الأسد الأب والابن عن حماية اقتصاد سورية التقليدي فحسب، بل ساعدت على تحطيمه. فسوء توزيع الدخل بين فئات المجتمع عامة، وغياب القوانين والتنظيم المؤسسي، وعدم وجود برنامج اقتصادي واضح، وتحطيم قطاع الزراعة، أدّت مجتمعةً إلى استشراء الفساد الصغير والكبير في جميع مناحي الحياة، والأهم من كل ذلك هو التفاوت في نسبة النموّ بين منطقة وأخرى.

في ظل غياب تامّ للحياة السياسية والنقابية، والوضع الاقتصادي شبه المنهار، عانت أجيال من الشباب السوري الفقر والبطالة والتهميش والهدر لطاقاتها وكفاءاتها، ووقعت ضحية قلق وجودي واستلاب من خلال علاقات طفلية وطفيلية مع نظام سياسي غافل عنها ومتناس لها، بل كابت لوجودها ذاته. عاشت هذه الشريحة من الشباب الحرمان في غبن وغربة عن مجتمعها، وكان هاجسها اليومي هو إشباع حاجاتها الأولية، كالحاجة إلى مأوى وعمل ومكانة اجتماعية وإحساس بالطمأنينة. فلا عجب، إذًا، في ظل هذه الظروف، أن تصبح الهجرة هي المخرج الوحيد لمن استطاع إليها السبيل: فإمّا الغربة في الوطن أو خارجه.

 لقد أدّت حياة الحظر والحرمان، والتي كانت واقعًا يوميًا في سورية على مدى أربعة عقود، إضافة إلى غياب الحياة السياسية في أغلب الأحيان، إلى نوع من "الخواء الوجودي" وحياة اللامعنى وخنق الهوية الوطنية، وهو ما دفع بعض الشباب إلى الوقوع في إغراء الحركات الأصولية لاسترداد الفردوس المفقود، إذ أدّى الدين وظيفة إشباعيّةً وتعبوية. بينما انتشرت الولاءات الصغرى عند البعض الآخر، إذ وجد هؤلاء في هويتهم الطائفية والعرقية أو العشائرية نوعًا من الاعتزاز البديل عن الهوية الوطنية المفقودة لملء الفراغ الوجودي الذي عاشوه. وفي كتابه عن الجمود والتجديد في العقلية العربية، يصف علي وطفة هذه الولاءات الصُغرى، بأنها تلبي وظائف اجتماعية وسياسية مهمة في إطار أنظمة ومجتمعات لم تتبلور فيها البنى السياسية الاجتماعية المعاصرة على نحو متكامل ولا سيما بنية الدولة العصرية.

مجددًا، فعلى صعيد المدرسة، كما على صعيد المجتمع والدولة، لم يعمل نظام الأسد يومًا على بناء هوية وطنية شاملة عن طريق برنامج تربوي مدروس وممنهج، ولم تكن المدرسة إلاّ وسيلة "تدجين" للسوريين، فقد انتشرت أساليب التنشئة الاجتماعية القسرية، وثقافة العقاب الجسدي والطاعة العمياء، والتي كان من أهم نتائجها انحطاط الذات والشعور الدائم بالانكسار والعجز. لقد كانت المدرسة في سورية بصفتها مؤسسة تربوية، مثلها مثل غيرها من المؤسسات التربوية في عدد من الأقطار العربية، وخاصة في الأنظمة الشمولية، هي أداة للأدلجة والاستقطاب العقائدي وقتل الروح النقدية، لقد ساعدت بصفة مباشرة وغير مباشرة في نشر الفكر التعصبي الديني والطائفي والعرقي. فعلى سبيل المثال، نجد أنّ الكثير من الكتب المدرسية، ولا سيما كتب التاريخ، تنطوي على اتجاهات عنصرية وطائفية – في بعض الأحيان على الأقل – سواء من حيث القصد الذي تنطلق منه أو من حيث التأثير الذي تخلفه.

أمّا على صعيد الأسرة، فنجد، عمومًا، غياب قيم التسامح والانفتاح على الآخر ومفاهيم حقوق الانسان والتفكير العلمي. كما نلمس حضور قيم التعصب والتسلط والعنف والتفكير الخرافي والخوف من الغريب، قيم تغرس في الطفل منذ طفولته المبكرة. تسود كل هذه القيم السلبية الأجواء، ويتنفسها الطفل مع نسمات الحياة اليومية. الوالدان اللذان يقومان بلاوعي بعملية مجاراة للطائفية السائدة في ثقافة مجتمعهما يمثّلان "نموذجًا اجتماعيًا" لأطفالهما، وينقلان إليهم هذه الظاهرة بشكل غير مباشر عن طريق "المحاكاة". إنّ قيمًا تسلطية وتعصبيّة كهذه، وثقافة الانتقام والطاعة في آن معًا، لا تقتل في الطفل مقومات إنسانيته ووجوده الإنساني فحسب، بل تجعل منه جلّادًا لا يرحم من يختلف معه. أضف إلى ذلك أنّ انتشار ثقافة الخوف من الآخر المختلف، والحذر من الغريب والتشكيك في نواياه، وتصنيف الأفراد في جماعات وفقًا لانتماءاتهم الدينية المختلفة، تُعد البذرة الأولى لنبتة الطائفية.

والحصيلة، بعد هذا التقديم الموجز للظرف السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي عايشه السوريون أكثر من أربعة عقود، كانت سورية دولة خاوية، في ظاهرها دولة حديثة وفي باطنها تعيش وتزدهر الطائفية والعشائرية، والفساد، والرشوة، و"الاستزلام"، والتزلف، والخوف، وكل أشكال الولاءات ما قبل الوطنية. ففي ظل هذا الظرف، يكون الاستثناء ليس في وجود الطائفية، وإنما في عدم وجودها.

المشكلة في سورية ليست أبدًا في وجود تنوّع طائفي وأقوامي فيها، وليست في رغبة الطوائف والقوميات في التمايز والحفاظ على هويتها، فهذا هو الطابع التاريخي والمنطقي للتعايش، ووحدة الدولة لا تقتضي وحدة الثقافة أو الدين أو القومية بالضرورة. ففي الأنظمة الديمقراطية، يُعدّ التنوع الطائفي والأقوامي مصدر غنىً وتفاعل ثقافي وحضاري وفكري، وإرثًا تحاول الدولة الحفاظ عليه. وفي الوقت نفسه، يتجاوز الأفراد في هذه الأنظمة الديمقراطية حدود انتماءاتهم الضيقة ما قبل الوطنية (طائفية، وعشائرية، وإثنية... إلخ) إلى بناء مجتمع دولة المواطنة الذي يصبح هو انتماءهم الأول. أما في أنظمة الاستبداد الشمولي عامة، كما في سورية على سبيل المثال لا الحصر، يتحوّل هذا التنوّع الطائفي وهذه التعددية الأقوامية إلى محرمات يُمنع الحديث عنها، وتُكبت في اللاشعور القومي كي لا تخرج إلى الوعي إلّا وفق المنظور الأيديولوجي للنظام الحاكم. ومن ثمّ، يتبلور هذا التنوع الطائفي المكبوت في صيغة "شعور أقلّوي" و"مظلوميات" (سُنية، وكردية...) مزمنة، كردة فعل على إحساس دائم بالخطر والزوال أمام خطاب شمولي مسيطر على الجو العام السياسي والاجتماعي السائد.