مقالات رأي 25 أغسطس ، 2015

هل مازالت دوافع تمسك الأوبك بسقوف الإنتاج قائمةً؟

الكلمات المفتاحية

أسامة نجوم

حاصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة مانشستر في بريطانيا. يعمل حاليًا خبيرًا اقتصاديًا في وزارة التخطيط التنموي والإحصاء في دولة قطر. عمل سابقًا أستاذًا جامعيًا وخبيرًا اقتصاديًا لدى العديد من المنظمات الدولية؛ كالمنظمة الألمانية للتعاون الفني، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. له العديد من الدراسات والبحوث والتقارير الاقتصادية حول قضايا النمو الاقتصادي ومكوناته، والتجارة الخارجية، وقطاع الزراعة، وقطاع النقل والتضخم، وتحليل مسوحات ميزانية الأسرة ومسوحات القوة العاملة. شارك في عدد من ورش العمل والمؤتمرات والحلقات النقاشية التي تخص قضايا التنمية الاقتصادية والاقتصاد الكلي. كما ساهم في تقييم تقارير وبحوث تنموية واقتصادية وتحكيمها، لفائدة مراكز بحثية ومنظمات إقليمية متخصصة.

كما كان متوقعًا، جاء قرار منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) في اجتماعها رقم 167، في 5 يونيو/ حزيران عام 2015، ليؤكِّد الإبقاء على سقف الإنتاج الحالي من النفط في حدود 30 مليون برميل يوميًّا. وعلى الرغم من التباينات في الآراء بين دول المنظمة في الاجتماع السابق، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، في ما يتعلّق بجدوى سياسة الحفاظ على كميات الإنتاج بحجة الدفاع عن حصص السوق وأثرها في مستويات الأسعار، يبدو أنّ كفَّة المدافعين عن سياسة بقاء كميات الإنتاج على حالها من دون تغيير قد رجحت على حساب المطالبين بخفْضها لدعم الأسعار.

وقد قادت السعودية – وهي المُنتِج الأكبر – التيار الأول الذي اعتمد الحفاظ على كميات الإنتاج دفاعاً عن حصص السوق ضدّ المنافسين الآخرين من خارج الأوبك، وفي صدارتهم الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية. في حين رأت كلّ من الجزائر وفنزويلا أنّ من مصلحة المنظمة خفْض كميات المعروض في السوق العالمية لدعم مستويات الأسعار ورفعها.

ويبدو أنّ تطورات السوق التي حصلت بعد هذا الاجتماع، والتي حسّنت مستويات الأسعار، وصولًا إلى ما فوق الستين دولارًا للبرميل، مقارنةً بما كانت عليه في كانون الثاني/ يناير عام 2015 عندما وصل السعر إلى أدنى مستوياته (نحو 45 دولارًا للبرميل الواحد)، عزّزت موقف المدافعين عن سياسة عدم تغيير كميات الإنتاج، وساهمت في إقناع المعارضين لها بجدواها على الأقل في الأمد المنظور. وفي هذا السياق نُذكِّر بأنّ الدول التي أيَّدت قرار تثبيت سقوف الإنتاج سابقًا قد استندت في موقفها إلى نقطتين أساسيتين؛ إحداهما توقُّع التحسُّن في أوضاع الاقتصاد العالمي مع حلول نهاية عام 2015، وهو أمرٌ يعني تعافي الطلب العالمي للنفط، والأخرى أنّ جزءًا مهمًّا من انخفاض السعر الذي حصل مع نهاية عام 2014 يعود إلى المضاربات المالية في الأسواق العالمية، وخصوصًا منها أسواق عقود البيع الآجلة.

ويبدو أنّ ظهور بوادر تحسُّن - وإن كان طفيفًا - في أداء الاقتصاد العالمي، خصوصًا في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في الربع الأول من عام 2015، عزّز التوقعات الإيجابية ببدء تعافيه في النصف الثاني منه. ومن ثمة، ساهم ذلك في توقع تحسُّن الطلب العالمي على النفط. وفي المقابل توقّعت منظمة الأوبك انحسار معدل نموّ العرض النفطي من خارج الأوبك خلال عام 2015، ليصل إلى ثُلث ما كان عليه عام 2014. ونتيجةً لذلك، من المتوقّع – نظريًّا - تحسُّن الطلب مع تراجعٍ نسبيٍّ في المعروض الكلِّي، وخفوت حدَّة المضاربات المالية في أسواق العقود الآجلة، من شأنهما أن يرفعَا مستويات السّعر. وربما هذا ما جعل منظمة الأوبك تُصرُّ على موقفها بخصوص كميات الإنتاج في اجتماعها الأخير، مستندةً إلى التحسن النسبي في مستويات الأسعار في الربع الثاني من عام 2015، مقارنةً بالربع الأول منه؛ إذ بلغ متوسط السعر المرجعي للنفط بحسب الأوبك (وهو متوسط أسعار مجموعة من أنواع النفط المنتوج في دول الأوبك) 57.30 دولارًا للبرميل في شهر نيسان/ أبريل، و62.16 دولارًا للبرميل في شهر أيار/ مايو، و60.21 دولارًا للبرميل في شهر حزيران/ يونيو.

في المقابل، وبعد شهر تقريبًا من انعقاد الاجتماع النصف السنوي للأوبك، انخفض متوسط السعر المرجعي للنفط وفق الأوبك إلى 54.19 دولارًا للبرميل في شهر تموز/ يوليو، ليتابع انخفاضه ويصل إلى 47.32 دولارًا للبرميل في العاشر من شهر آب/ أغسطس. ويمكن أن يُردَّ ذلك إلى عدّة عوامل منها استمرار فائض العرض الذي لم تُفلح زيادات الطلب الطفيفة في امتصاصه. فوفقًا لمنظمة الأوبك، زاد إنتاج كلّ من الصين وكولومبيا وبحر الشمال، إضافةً إلى روسيا وأميركا زيادةً فاقت ما هو مُتوقَّع.

ونشير أيضًا إلى أنّ التوقعات بخصوص زيادة المعروض النفطي الإيراني في عُقب التوصل إلى الاتفاق النووي مع مجموعة الدول "5 +1" ساهمت في الضغط على الأسعار نحو الانخفاض. ومن جهة أخرى، أتت نتائج الأداء الاقتصادي للربع الثاني من عام 2015 مخيبةً للآمال، خصوصًا في الصين وروسيا والبرازيل، وأقل ممّا كان مأمولًا في الولايات المتحدة. كما أنّ استمرار الجدل المتعلّق بمسألة مديونية اليونان وبقائها في منطقة اليورو، أو عدم بقائها، جعل صندوق النقد الدولي يخفض توقعاته بشأن متوسط النمو العالمي عام 2015 (في تقريره المتعلّق بالآفاق الاقتصادية العالمية الصادر في شهر تموز/ يوليو) إلى 3.3%، بدلًا من 3.5%، بحسب ما كان متوقعًا في تقريره السابق في شهر نيسان/ أبريل من العام نفسه. يُضاف إلى ذلك أنّ الصندوق خفض معدل نموّ الاقتصادات المتقدمة بما فيها الولايات المتحدة وأوروبا إلى 2.1%، بدلًا من 2.4%. وتوقّع الصندوق أن ينخفض معدل النمو في الصين إلى 6.8% عام 2015، مقارنةً بما حقّقه عام 2014 (7.4%)، وأن ينكمش الاقتصاد الروسي بمعدل -3.4% عام 2015، مقارنةً بـ 0.6% عام 2014، وأن تسجّل البرازيل معدلًا سلبيًّا هو-1.5، قياسًا على 0.1%، وأن ينخفض معدل نموّ الاقتصاد السعودي من (3.5%) عام 2014 إلى 2.8%. وكلّ ذلك دفع الصندوق إلى أن يخفض توقعاته المتعلّقة بمعدل نموّ الاقتصادات الناشئة والنامية إلى 4.2% عام 2015، مقارنةً بما حقّقه عام 2014 (4.6%).

بناءً على ذلك، يبدو أنّ مسارات تعافي الاقتصاد العالمي عام 2015 لم تتّخذ وجهتها كما كان مأمولًا في بداية العام، وذلك في ظلّ استمرار حالات اللايقين والضبابية التي تلفُّ أداء عدد من الاقتصادات البارزة، وفي ظلّ استمرار بعض الأزمات الداخلية في بعض دول منطقة اليورو والتجاذبات الجيوسياسية الإقليمية والدولية.

يتّضح أنّ جميع الأطراف الفاعلة في السوق النفطية مستمرة على سياساتها المعلنة منذ تدهور الأسعار مع نهاية عام 2014 حتى الآن. فدول الأوبك لا ترغب في خفْض إنتاجها، والمنتِجون من خارجها لا يُبدون ليونةً في خفْضها أو رغبةً في ذلك. ويبدو أنّ كليهما يعوّل على متغيرات السوق - وبالأخص جانب الطلب - في تحديد مصير الأسعار في ما بقيَ من عام 2015 وفي عام 2016 الذي يبدو أنه يوجد تفاؤل بأنه سيشهد تعافيًا في الطلب العالمي ومعدلات نموّ أفضل من عام 2015، بحسب ما تروّج له منظمة الأوبك وصندوق النقد الدولي. وتتوقع منظمة الأوبك أن ينموَ الاقتصاد العالمي بمعدل 3.5% عام 2016، في حين يتوقع الصندوق أن يبلغ النمو العالمي 3.8%.

لكن يبدو أنّ حالة عدم اليقين بشأن مسار أسعار النفط وتغيراتها المحتملة مستمرة، على الرغم من وجود حالة من التفاؤل المشوب بالحذر الشديد. فحالة السوق يمكن أن تتأثر بالزيادة المتدرجة في إنتاج إيران النفطي التي من الممكن أن تخلق ضغوطًا على الأسعار نحو التراجع. كما أنّ تحسُّن الأوضاع في العراق وليبيا - في حال حدوثه - قد يساعد على زيادة كميات عرضهما من النفط في السوق العالمية؛ فيؤدِّي ذلك إلى نزول مستوى الأسعار.

وفي المقابل، قد يساعد تحسُّن أوضاع الاقتصاد العالمي بدرجات أفضل وأسرع ممّا هو متوقع زيادة الطلب الكلِّي وامتصاص فوائض العرض، سواء الراهنة منه أو المتوقعة، وهذا الأمر يضمن على الأقل مستويات توازنيه للأسعار في حدود ما هي عليه الآن أو أعلى.

وفي حال عدم تحسّن الطلب العالمي على النفط - كما هو متوقع ومرجوّ- لما بقيَ من عامي 2015 و2016، ومع تدفُّق كميات أخرى جديدة للسوق تفوق القدرة الامتصاصية للاقتصاد العالمي، فإنّ هذا الأمر سيخلق ضغطًا على أسعار النفط نحو المزيد من التراجع، وقد يكون الضغط كبيرًا فيؤدِّي إلى انخفاض مستوياتها على نحوٍ أكبر ممّا حصل سابقًا في بداية عام 2015. وهذا يجعلنا نتساءل عن موقف دول منظمة الأوبك آنذاك وعن البدائل والإستراتيجيات التي من الممكن أن تتبعها في سبيل امتصاص آثار انخفاض الأسعار- في حال استمراره - على اقتصاداتها التي من المتوقع أن تعاني عجزًا في ميزانياتها العامة وتراجعًا في معدلات نموّها وتناقصًا في احتياطاتها الرسمية.

وطبعًا لا ننسى أن نذكُر أنّ المشهد سيبدو أكثر تعقيدًا وضبابيةً، وأنه قد يعرف مسارًا دراماتيكيًّا في حال تفاقُم حدّة بعض الاضطرابات الجيوسياسية القائمة حاليًّا في بعض مناطق العالم (أوكرانيا، واليمن، وسورية، والعراق)، وصولًا إلى نشوب نزاعات إقليمية أو دولية، نتيجة التباين الشديد في مواقف مجموعة من الدول الفاعلة على الساحة الدولية تجاه تلك الاضطرابات. وحينئذ، من المحتمل أن يكون لهذه الاضطرابات والنزاعات ارتداداتٌ خطِرةٌ بالنسبة إلى سوق النفط العالمية وخطوط إمداداتها، بطرائق يصعب معها توقّع اتجاهات الأسعار.