العنوان هنا
دراسات 17 سبتمبر ، 2020

مئوية الدستور السوري الأول: إشكالية العلمنة وسياقاتها الاجتماعية - السياسية التاريخية (1918-1920)

محمد جمال باروت

باحث مشارك ورئيس دائرة الأبحاث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سابقًا، والمحرر العلمي للمركز حاليًا. متخصص في التاريخ الاجتماعي والسياسي السوري الحديث. عمل مديرًا ومستشارًا في مشروعات عدة تابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سورية. له دراسات وأبحاث عدة في التعليم، والتنمية البشرية، والتنمية والسكّان، والهجرة الخارجية السوريّة، والاستشراف المستقبلي لمسارات التنمية. من أحدث كتبه "العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح"؛ و"التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحول من البدونة إلى العمران الحضري"؛ و"حملات كسروان: في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية"، و"الصراع العثماني- الصفوي وآثاره في الشيعية في شمالي بلاد الشام".

تمهيد

بحلول مساء 24 تموز/ يوليو 1920، دخلت القوات الفرنسية مشارف مدينة دمشق واحتلتها. أجهز الاحتلال الفرنسي على مشروع أول دولة عربية ديمقراطية علمانية حديثة مستقلة نشأت بعد نهاية الحرب والانتقال من العثمانية إلى ما بعدها، واستمر حكمها نحو اثنين وعشرين شهرًا. وكان من أبرز المهمات التي كُلّف بها الجنرال الفرنسي ماريانو غوابيهMariano Goybet (1861-1943)، قائد الفرقة الفرنسية التي احتلت دمشق، مداهمة مقر المؤتمر السوري العام، ومصادرة أوراقه ووثائقه[1].

تشكيل المؤتمر السوري العام

كان هذا المؤتمر أول هيئة تأسيسية منتخبة لوضع قانون أساسي في العالم العربي ما-بعد العثماني. وقد جرت انتخاباته خلال أيار/ مايو وحزيران/ يونيو 1919، في سورية الداخلية، أو المنطقة الشرقية (العربية)، وفق نظام الانتخابات العثماني، على درجتين؛ من المجامع الانتخابية للدرجة الثانية (الناخبون الثانويون) السابقة لمجلس المبعوثان العثماني السابق، بسبب ضيق الوقت الذي حال دون انتخاب ناخبين ثانويين جدد، بينما تم تمثيل المناطق السورية الأخرى؛ الغربية الفرنسية (في الساحل)، والجنوبية البريطانية (في فلسطين) التي منعت السلطات العسكرية البريطانية والفرنسية انعقاد مجامعها الانتخابية السابقة[2]، فانعقد المؤتمر بحضور تسعة وستين مندوبًا من أصل خمسة وثمانين عضوًا منتخبًا وموكّلًا يمثلون أجزاء سوريا الطبيعية[3]. وكانت منطقة الحكومة العربية في سورية الداخلية، أو المنطقة الشرقية، بحسب تقسيمات الجنرال اللنبي العسكرية للمناطق العسكرية "المؤقتة" في سوريا، "ممثلة تمثيلًا شاملًا وانتخابيًا"[4]، حيث انحدر أكثر من 40 في المئة من أعضاء المؤتمر من مدنها الداخلية الأربع؛ دمشق وحماة وحمص وحلب[5]، بينما كانت المناطق السورية الأخرى؛ الجنوبية (البريطانية)، والغربية (الفرنسية)، ممثلة بواسطة التوكيلات، بموجب مضابط توكيل، بمعدل ممثل لكل 12500 من الذكور[6]. لكن عدد أعضاء المؤتمر بدأ بالتعاظم مع انضمام أعضاء جدد إليه بطريقة "التوكيلات". وهكذا، حين عقد المؤتمر السوري دورته الأولى، فإن عدد أعضائه لم يتجاوز تسعة وستين عضوًا، من أصل خمسة وثمانين عضوًا[7]، لكن استمرار تمثيل المناطق الأخرى بتسمية ممثليها بواسطة "التوكيلات"، رفع عدد أعضاء المؤتمر ليصل في الحصيلة إلى 107 أعضاء منتخبين وموكّلين، مثلوا كافة أنحاء سوريا الطبيعية، بما فيها فلسطين ولبنان، على نحو جعل المؤتمر نوعًا من مؤتمر قومي سوري[8].

تمّ استكمال تمثيل أعضاء المؤتمر بالتوكيل عن المناطق التي لم يتمكنوا فيها من إجراء انتخابات على عدة مراحل بين حزيران/ يونيو وكانون الأول/ ديسمبر 1919، حين سينضم ممثلو لواء دير الزور، بعد ربطه بالحكومة العربية، إلى عضوية المجلس. وخلال هذه الفترة، سيبرز تحدي الاستقلاليين العرب للفرنسيين، إذ ستنتخب بيروت، في تموز/ يوليو 1919، ممثليها توكيلًا[9]. كما سيمثل محمد الخيّر العلويين توكيلًا في المؤتمر، وهو أحد أبرز وجوه عائلة الخيّر المعروفة في جبل العلويين في سوريا، الواقع، وفق تقسيم اللنبي للمناطق العسكرية، في المنطقة الغربية (الفرنسية)[10]. وكان تمثيل الخيّر أول تمثيل للعلويين السوريين في مجلس نيابي أو مجلس ذي صبغة نيابية.

انتُخب هؤلاء، من الناحية القانونية، في شروط نظامية بقدر كافٍ، على حد تعبير أدمون ربّاط[11]، وشكلوا، وفق جورج أنطونيوس، مجلسًا تمثيليًا بالمعنى الصحيح للكلمة. وكانوا، من الناحية التمثيلية عمومًا، ممثلين طبيعيين لمناطقهم، بسبب صفاتهم الاجتماعية والثقافية؛ فقد ضم المؤتمر مجموعة متنوعة من الملاكين، ووجهاء المدن، وشيوخ البدو، وعلماء المسلمين، وبعض من تلقى علومه في المعاهد العثمانية العسكرية أو الحقوقية[12]. كما مثّل المؤتمر في عضويته المسلمين على مختلف طوائفهم، واليهود، والمسيحيين. وكان في عضويته أكثر من عشرين نائبًا مسيحيًا، ونائب يهودي واحد عن دمشق، بينما كان ممثلو اليهود في المجامع الانتخابية الثانوية أكبر من ذلك[13]، وكان عدد النواب المسيحيين في المؤتمر يفوق ما يستحقونه على أساس وزنهم العددي[14].

بقرار من المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح، شُكّلت لجنة التحقيق الدولية التي ستقتصر في الواقع على "الهيئة الأميركية من اللجنة الدولية لشؤون الانتدابات"، والتي ستُعرف اختصارًا بلجنة كينغ – كراين، في 25 آذار/ مارس 1919، لاستبيان آراء الأهالي حول شكل الحكم والدولة (المنتدبة) التي يرغبون في مساعدتها لهم، لمحاولة فض النزاع البريطاني - الفرنسي الحاد حول سوريا، والذي وصل في آذار/ مارس 1919 إلى حد كاد يتحول فيه إلى قتال بالقبضات بين جورج كليمنصو Georges Clemenceau ولويد جورج[15] Gwilym Lloyd George، وتخيير كليمنصو للويد جورج المبارزة بالسيف أو بالمسدس[16]، الأمر الذي سرّع من العمل على تشكيله انتخابيًا، ومن ثم فإن بدايات طرح تشكيل هيئة تأسيسية لوضع الدستور أو القانون الأساسي تعود إلى الأسابيع الأولى من نشأة الحكومة العربية بدمشق، وهذا ما تناساه معظم المؤرخين، وتحاول الدراسة معالجته في إطار إشكاليتها عن العلمنة بوصفها سيرورة أو عملية في مرحلة الحكومة العربية، وفي مشروع الدستور السوري الأول، وعلاقتها بالإشكاليات المجاورة لها، أو المتداخلة معها، في الشروط التي نشأت فيها.




[1] Elizabeth F. Thompson, How the West Stole Democracy from the Arabs: The Syrian Arab Congress of 1920, and the destruction of its Historic liberal-Islamic Alliance (New York: Atlantic Monthly Press, 2020), p. 290.

[2] Philippe David, Un Gouvernement arabe à Damas, Le congrès Syrien (Paris: Marcel Giard,1923), pp. 54-55.

ويُنظر: محمد عزة دروزة، مذكرات محمد عزة دروزة، مج 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993)، ص 350.

[3] جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس (بيروت: دار العالم للملايين، بالتعاون مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر بنيويورك، 1962)، ص 405؛ "افتتاح المؤتمر السوري"، حلب، العدد 59، 8/7/1919، ص 1. ثمة اضطراب في تقدير عدد من حضر من أعضاء المؤتمر السوري بين 69 عضوًا، كما أفادت اللجنة المشكلة من المؤتمر، لتقديم مطالبه أمام لجنة كينغ – كراين، أو 63 عضوًا، وفق حساب إجمالي عدد الموافقين والمخالفين والمستنكفين عن التصويت في الخبر الذي نشرته جريدة حلب، نقلًا عن جريدة الكنانة.

[4] دروزة، ص 352.

[5] فيليب خوري، أعيان المدن والقومية العربية: سياسة دمشق 1860-1920، ترجمة عفيف الرزاز (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1993)، ص 138.

[6] "من جواب رئيس وفد المؤتمر السوري العام للجنة كينغ - كراين، بين اللجنة الأمريكية والمؤتمر السوري"، حلب، العدد 60، 12/7/1919، نقلًا عن جريدة الكنانة، ص 1.

[7] أنطونيوس، ص 405.

[8] أجرت ماري ألماظ شهرستان دراسة مقارنة لعدد أعضاء المؤتمر، وفق ما ورد في عدة مراجع وروايات، ووجدت أن العدد كان يراوح بين 89 عضوًا و107 أعضاء. وربما يعود اختلاف العدد إلى أن الانتخابات لم تجرِ دفعةً واحدةً بشكل متزامن، ينظر: ماري ألماظ شهرستان، المؤتمر السوري العام 1919-1920 (بيروت: دار أمواج، 2000)، ص 38-41.

[9] المرجع نفسه، ص 36.

[10] دروزة، ص 360. يخالف ذلك ما ذكره يوسف الحكيم من أن العلويين لم يبعثوا بأي مندوب لعضوية المؤتمر السوري: يوسف الحكيم، سورية والعهد الفيصلي، ط 3 (بيروت: دار النهار للنشر، 1986)، ص 94.

[11] أدمون ربّاط، التكوين التاريخي للبنان السياسي والدستوري، ترجمة حسن قبيسي، مراجعة جورج كتورة، ج 1 (بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية – قسم الدراسات القانونية السياسية والإدارية، 2002)، ص 493.

[12] أنطونيوس، ص 405.

[13] محمد عزة دروزة، حول الحركة العربية الحديثة، ج 1 (صيدا: المطبعة العصرية، 1950)، ص 130-131.

[14] أنطونيوس، ص 405. قارن بـ: ستيفن همسلي لونغريغ، سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ترجمة بيار عقل (بيروت: دار الحقيقة، 1987)، ص 117.

[15] دانييل يرغن، الجائزة: ملحمة البحث عن النفط والمال والسلطة من بابل إلى بوش، ترجمة حسام الدين خضور (دمشق: دار التكوين، 2004)، ص 227.

[16] دافيد فرومكين، سلام ما بعده سلام، ولادة الشرق الأوسط 1914-1918، ترجمة أسعد كامل إلياس (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1992)، ص 440.