دراسات 25 ديسمبر ، 2012

إسهام مؤسّسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ في إنهاء حالة الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنيّة (2007-2010)

الكلمات المفتاحية

محمد عبد الله أبو مطر

باحث فلسطينيّ، حاصل على درجة الدكتوراه في القانون العامّ. عمل محاميًا، ومستشارًا قانونيًّا في وزارة الماليّة في السلطة الوطنية الفلسطينيّة، واستشاريًّا في مجالات التنمية وحقوق الإنسان، ومحاضرًا جامعيًّا في كلّية الحقوق في جامعة الأزهر في غزّة وكلّية القانون والممارسة القضائيّة في جامعة فلسطين في غزّة. وهو محكّم للبحوث والدراسات لدى بعض المراكز والمؤسّسات البحثيّة. نُشرت له بعض الأعمال البحثيّة والعلميّة. وصدر له عن مركز دراسات الوحدة العربيّة في فبراير 2012، كتاب عنوانه "إصلاح النظام السياسيّ الفلسطينيّ: بين المطالب الداخليّة والضغوطات الخارجيّة".

مقدمة

تمثّل صيرورة مؤسّسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ، لا سيّما بعد قيام السلطة الوطنيّة عام 1994، حالةً خاصّة في محيطها الإقليميّ والعربيّ، كنتاج لأسباب عديدة هي: استمرار الاحتلال الإسرائيليّ، وتصاعد حدّة ممارساته الدافعة إلى تقويض بنى الحياة الوطنيّة للفلسطينيّين ومقوّماتها على الصعيدين السياسيّ والاجتماعيّ، وانتهاج القوى السياسيّة الفلسطينيّة سياسة الاحتواء في إطار علاقتها مع مؤسّسات المجتمع المدني، وإضعاف استقلاليّتها في سياق صراع الهيمنة على الحيّز العامّ، إضافةً إلى تعثّر عملية ترسيخ الثقافة المدنيّة بفعل الولاءات العضويّة وتنامي ظاهرة التسلّح والعنف وعسكرة المجتمع.

 لكن التحدّي الأبرز الذي يواجه مؤسسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ هو الانقسام وما يتّخذه من مضامين، تُمثّل خطرًا حقيقيًّا على الهويّة السياسيّة والجغرافيا الوطنية، وبنية المجتمع الفلسطينيّ بكلّ مكوّناته، إضافةً إلى تداعياته الخارجية وإسهامه في تراجع الإنجازات والمكتسبات التي حقّقها الشعب الفلسطينيّ في مسيرة كفاحه ونضاله للحفاظ على ذاته الوطنيّة والسياسيّة. فقد بدا من الواضح في ظلّ الانقسام، عودة القضيّة الفلسطينيّة إلى مربّع المحاور الإقليميّة والدوليّة، لتصبح رهينة المصالح الخارجية، وما ينجم عن ذلك من ضعفٍ للموقف الفلسطينيّ وتشتّته في إطار الصراع المركزيّ مع الاحتلال.

هذا التحدّي، وما يحمله من تهديدٍ مباشر لمصير الشعب الفلسطيني، يعدّ الدافع الأساسيّ للبحث في دور مؤسّسات المجتمع المدني في تحقيق المصالحة الوطنيّة خلال الفترة 2007-2010، لا سيّما أنّ هذه الفترة شهدت حراكًا ملحوظًا للعديد من مؤسّسات المجتمع المدني الفلسطينيّ، في إطار مساعيها الرامية لإنهاء الانقسام. كما أنّ تناول دور هذه المؤسّسات في تحقيق المصالحة له ما يبرّره، كونها تمثّل جزءًا من حياة المجتمع الفلسطينيّ المدنية التي رافقته في مسيرة التكوّن الوطني، وتعدّ قناةً للتعبئة، ورافعة لبناء المجتمع الفلسطينيّ واستنهاض مقوّمات بقائه وتطوّره. علاوةً على أنّ مفاهيم التسامح واستيعاب الآخر والمصالحة والاندماج الديمقراطيّ، ومفاهيم العفو والمصلحة الوطنيّة، هي قناعات تناضل من أجلها مؤسّسات المجتمع المدني وتسعى إلى تعزيزها في المنظومة القيميّة لمجتمعاتها.

 إنّ هذه القضايا، وإن كانت في جانبٍ منها تحمل مضمونًا سياسيًّا، لكن انشغال مؤسّسات المجتمع المدني بها، لا يمثّل خروجًا عن صيرورة هذه المؤسّسات في إطار تشكّلها وتفاعلاتها عبر مختلف المراحل التاريخيّة. وهذا ما يذهب إليه المفكّر العربيّ عزمي بشارة بالقول: "إنّ للمجتمع المدنيّ تاريخًا مرتبطًا بالسياسة والاقتصاد والأفكار، وبتطوّر نشوء فكرة المجتمع والدولة"، ويضيف "إنّ هذا المجتمع هو صيرورة فكريّة وتاريخيّة نحو المواطنة والديمقراطيّة"[1].

غير أنّ مقاربة دور مؤسّسات المجتمع المدني الفلسطينيّ في تحقيق المصالحة الوطنية، تقتضي موضوعيًّا عدم إغفال أنّ هذه المؤسّسات ليست طرفًا محايدًا أو خارج دائرة الانقسام وتفاعلاته، بل منها ما يُمكن اعتباره أداةً وهدفًا لهذا الانقسام وجزءًا منه. ومع ذلك، فهناك مؤسّسات تنبّهت لمخاطر حالة الانقسام وتداعياتها، وهو ما تجسّد في محاولاتها توفير الحدّ الأدنى من متطلبات تحقيق المصالحة الوطنيّة، كإجراء الحوارات واللقاءات بمشاركة مختلف القوى السياسيّة الفلسطينيّة وتبنّي مجموعة من الفعاليّات والمبادرات لإنهاء الانقسام، ممّا يثير التساؤل عن حدود دور هذه المؤسّسات وتأثيرها في تحقيق المصالحة، ومدى قدرتها في الضغط على القوى المنقسمة، ودفعها نحو العمل على إنهاء الانقسام.

وبناءً عليه، تكمن الإشكاليّة الرئيسة لهذه الورقة في السؤال التالي: إلى أيّ حدٍّ ساهمت مؤسّسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ في إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنيّة؟

 إنّ تقديم مقاربة موضوعيّة لهذا التساؤل يتطلّب معالجة مجموعة من القضايا الرئيسة وتحليلها، أهمّها: خصوصيّة تشكّل هذه المؤسّسات وتداعيات هذه الخصوصيّة على أدائها، والدور الذي قامت به هذه المؤسّسات بعد نشوء السلطة الوطنيّة، والمعوقات التي واجهتها وحدّت من قدرتها على أداء المهمّات المناطة بها، وانعكاسات ذلك على موقفها وموقعها من الانقسام، وماهيّة المبادرات التي تقدّمت بها، وآليّات الحلّ التي اقترحتها لإنهاء هذا الانقسام وتحقيق المصالحة، ومدى وجود رؤية موحّدة من حيث الأهداف والدوافع والآليّات المقترحة في هذه المبادرات، سواء فيما بينها أو مع غيرها من المبادرات التي طرحتها الفصائل الفلسطينيّة، إضافةً إلى أوجه القصور في تلك المبادرات وأسباب عدم تبنّيها وتنفيذها.

تكمن أهمّية تناول تلك القضايا في التحليل العلمي والمساءلة الموضوعيّة، في ما يمكن أن يمثّله ذلك من مساهمة في فهم مختلف التحدّيات التي تواجه مؤسّسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ، ومدى مساهمة هذه التحدّيات في إضعاف دور تلك المؤسّسات في إنهاء الانقسام.

لذلك تهدف هذه الورقة إلى مقاربة مختلف الإشكاليات والتحدّيات التي أنتجت معها مجموعة من العوامل الذاتيّة والموضوعيّة، والتي قيّدت ولا تزال دور مؤسّسات المجتمع المدني الفلسطينيّ في تحقيق المصالحة الوطنيّة. وتسعى إلى تحقيق ذلك من خلال استخدام مجموعة من المناهج والأدوات البحثيّة والعلمية كالمنهج النسقي الذي تقتضيه طبيعة موضوع الورقة، مع الاستعانة بالمنهج الاستقرائي لأهمّيته في مقاربة تساؤلات الورقة، عبر التحليل والتحقّق من خلال الملاحظة، إضافةً إلى إجراء مجموعة من المقابلات مع بعض الفاعلين في حقل العمل المدني والقائمين على المبادرات التي طُرحت في سياق المساعي الفلسطينيّة لإنهاء الانقسام.

وجدير بالذكر أنّ هذه الورقة، وبحكم تناولها إحدى الظواهر الاجتماعيّة التي تتّسم بالخصوصيّة وتشابك العوامل المؤثّرة فيها وتداخلها، لا تدع إحاطتها ومقاربتها التساؤلات والإشكاليات التي يثيرها الموضوع، لكنها تسعى إلى أن تكون مساهمة متواضعة في مجال البحث العلمي، خاصّةً أنّ المصادر والدراسات السابقة عن هذا الموضوع - وإن جرى الاعتماد على جزءٍ منها في إعداد هذه الورقة[2]- تميّزت بالتركيز على قضايا محدّدة دون غيرها فيما يتعلّق بدور مؤسّسات المجتمع المدنيّ في إنهاء الانقسام. لا نروم إلى التقليل من أهمّية تلك المصادر، وإنّما تسليط الضوء على ندرة البحوث والدراسات العلميّة التي تتناول بشمولية موضوع دور مؤسّسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ في تحقيق المصالحة الوطنيّة، انطلاقًا من أنّ الانقسام، ومنذ تصاعد حدّة الاقتتال الداخلي نهاية عام 2006، تطلّب أن يمثّل العمل على إنهائه والحدّ من تداعياته على الشعب الفلسطينيّ أولويّة ومهمّة رئيسة لتلك المؤسّسات. وسيجري تناول هذا الموضوع وما يثيره من إشكاليّات وتحدّيات في خمسة محاورَ.

 


[1] مقدمة الطبعة السادسة لكتاب عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، وهي منشورة على الموقع الإلكتروني للمركز، انظر:

http://www.dohainstitute.org/release/2b72039a-c713-41e1-be86-6de0c05ca900

[2] تتمثل هذه المصادر والدراسات في: نهاد الشيخ خليل، مبادرات المصالحة الفلسطينية منذ أحداث يونيو 2007 وحتى يونيو 2008 (غزة: المعهد الفلسطيني للاستشارات وحلّ النزاعات - بيت الحكمة، 2008)؛ سعيد المقادمة، تجربة المركز الفلسطيني للديمقراطية وحلّ النزاعات كأحد مؤسّسات المجتمع المدني في ميدان المصالحة الوطنية (غزة: المعهد الفلسطيني للاستشارات وحلّ النزاعات - بيت الحكمة، 2008)؛ وتقارير مراكز حقوق الإنسان الفلسطينية بشأن الخروقات والانتهاكات التي مورست ضدّ المؤسسات الأهلية والمحلّية في الضفّة الغربية وقطاع غزة، في الندوة التي نظّمتها الهيئة الفلسطينية لحماية حقوق اللاجئين بعنوان "موقف المجتمع المدني الفلسطيني من الحوار الوطني ومدى إمكانية نجاحه"، 2008.