العنوان هنا
دراسات 21 فبراير ، 2011

عملية صنع قرارات الأمن القومي في إسرائيل وتأثير المؤسسة العسكرية فيها

الكلمات المفتاحية

محمود محارب

باحث مشارك في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أستاذ جامعي فلسطيني له العديد من الكتب والأبحاث المتعلّقة بالصهيونية وإسرائيل، والقضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي. حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من "الجامعة العبرية" في القدس. وفي عام 1986 حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من قسم العلوم السياسية في جامعة ريدينغ في إنكلترا. ومنذ عام 1987 حتى عام 1990، عمل مديرًا لمركز الأبحاث التابع لجمعية الدراسات العربية في القدس المحتلة. 

تبحث هذه الدراسة عملية صنع القرارات الخاصة بالأمن القومي في إسرائيل، وتقوم بسبر غور تأثير المؤسسة العسكرية الإسرائيليية في هذه العملية وفي دورها. ولتحقيق هذا الغرض تطل الدراسة في البداية على عملية صنع القرارات في إسرائيل، وخاصة تلك المتعلقة بالأمن القومي، من الناحية الرسمية والقانونية، ثم تعالج دور المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في صوغ القرارات المتعلقة بالأمن القومي وطبيعة علاقاتها بالمستوى المدني. 

المقدمة

لا يوجد إجماع على تعريف الأمن القومي، فتعريفاته كثيرة ومختلفة. إذ ان بعض التعريفات يقلص مفهوم الأمن القومي إلى الجوانب العسكرية أساساً، وبعضها الآخر يوسعه ليشمل، علاوة على جوانبه العسكرية، جميع مركبات القوة الأخرى للأمة وللدولة، مثل الاقتصاد والتعليم والتطور التكنولوجي والوحدة الوطنية وتماسك المجتمع والعلاقات الخارجية. وتعرف دائرة المعارف الدولية للعلوم الاجتماعية الأمن القومي انه "قدرة الأمة في الدفاع عن قيمها الداخلية من تهديد خارجي"[1]. وهناك تعريف تبلور خلال الحرب العالمية الثانية، وبات تقليدياً، عرّف الأمن القومي عن طريق السلب كالتالي: "تشعر الأمة بالأمن عندما لا تكون مضطرة إلى التنازل عن مصالح شرعية كي تتجنب الحرب، وعندما تكون قادرة على الدفاع عن هذه المصالح بالحرب، إذا اقتضت الضرورة ذلك"[2].

هناك تعريفات عديدة ومختلفة في السياق الإسرائيلي للأمن القومي، بعضها يقلص مفهومه والاَخر يوسعه. فقد عرفه مثلاً الجنرال يسرائيل طال في كتابه: "الأمن القومي: قلة مقابل كثرة"، إنه "ضمان وجود الأمة والدفاع عن مصالحها"[3]. أما الجنرال البروفيسور يهوشفاط هاركابي فصاغ في كتابه "حرب واستراتيجية" مفهوماً واسعاً للغاية للأمن القومي حيث شمل الدفاع عن وجود الدولة واستقلالها وكمالها الإقليمي، والدفاع عن حياة مواطنيها وعن طبيعة نظام الحكم فيها وعن أمنها الداخلي والأمن اليومي على حدودها وعن إيديولوجيتها وعن ميزانها الديمغرافي وعن مكانتها في العالم[4].

يستحوذ الأمن القومي على الذهنية الإسرائيلية ويحتل فيها المكانة الأكثر أهمية من أي قضية أخرى. ويحتل الجانب العسكري في الأمن القومي، وخاصة الصراع العربي - الإسرائيلي، المكانة المهيمنة في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي. وتنفرد إسرائيل بمجموعة من السمات التي ميزتها عن سياسة بقية الدول وسلوكها تجاه أمنها القومي، و يمكن إيجازها بالتالي:

أولاً: خاضت إسرائيل حروباً أكثر من أي دولة أخرى في العالم، منذ إنشائها في العام 1948 وحتى اليوم، وغيرت حدودها الجغرافية ووسعتها وبدلتها عبر العقود الماضية بشكل وبوتيرة لم تضاهِها أي دولة أخرى في العصر الحديث.

ثانياً: لم تعتبر إسرائيل نفسها منذ إنشائها دولةً عادية كباقي الدول، لا من حيث المكانة ولا من حيث الدور، وأسست أمنها القومي على فرضية ضرورة تفوقها العسكري على جميع الدول العربية، وعلى ضرورة أن تبقى الدولة الإقليمية الأقوى من جميع جيرانها، فرادى ومجتمعين.

ثالثاً: افترضت إسرائيل، ولا تزال تفترض، أن هناك خطرا على وجودها، على الرغم من ان مثل هذا الخطر لم يكن قائماً في أي مرحلة من مراحل الصراع العربي - الإسرائيلي، وعلى الرغم من تفوقها في الأسلحة التقليدية واحتكارها السلاح النووي منذ أكثر من أربعة عقود، وامتلاكها ترسانة نووية كبيرة تضعها في مصاف الدول الأولى التي تمتلك مثل هذه الترسانة النووية بعد الولايات المتحدة وروسيا.

رابعاً: ازداد إنفاق إسرائيل على الأمن وتعاظم من حرب إلى أخرى، وباتت حصة الفرد الإسرائيلي في ميزانية الأمن من أعلى النسب في العالم.

خامساً: إلى جانب الإنفاق المالي، يخصص أفراد المجتمع الإسرائيلي فترة زمنية ليست قصيرة من وقتهم للأمن، لا تضاهيها، أو تقترب منها، أي دولة أخرى في العالم. إذ يخدم كل يهودي إسرائيلي في الجيش خدمة إلزامية وفق القانون عامين ونصف العام، عندما يبلغ ثماني عشرة سنة. وبعد إنهائه الخدمة الإلزامية يخدم في الجيش شهراً واحدا في كل عام حتى يبلغ الخامسة والأربعين. أي أن الشخص الإسرائيلي العادي يخدم ما يقارب خمسة أعوام من حياته في الجيش، هذا من دون حساب تجنيده في فترات الحروب والطوارئ. وبصفة كونه جندياً أو ضابط احتياط، يخضع المواطن الإسرائيلي للقضاء العسكري في المواضيع المرتبطة بخدمته العسكرية، أكان ذلك في أثناء خدمته الفعلية في الجيش أو خلال باقي أيام السنة. ويحتاج رجل الاحتياط إلى تصريح خاص من وحدته العسكرية للسفر إلى خارج إسرائيل، وعليه أن يكون جاهزاً دوماً للالتحاق الفعلي بجيش الاحتياط في وقت قصير نسبياً. أما عند استدعائه للالتحاق بجيش الاحتياط في حالة الطوارئ أو في حالة الحرب، فعليه الالتحاق فوراً بوحدته العسكرية، حتى وإن شوش ذلك حياته المدنية فعلا.

سادساً: يحتلّ الأمن القومي الإسرائيلي، وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، المكانة الأبرز والأهم في وسائل الإعلام، وهو المؤثر الأكبر في معنويات المجتمع الإسرائيلي وفي تقويم أفراد المجتمع لأداء الحكم في إسرائيل، ويشكل المعيار الأكثر تأثيراً في تحديد مواقفهم من هذا الحزب أو ذاك. ولا عجب والحال هذه في أن يحتل الجيش الإسرائيلي المكانة الأهم في المجتمع الإسرائيلي التي تفوق أهميتها بكثير أي مؤسسة أخرى في إسرائيل، وأن يحتل أهمية قصوى في نظر مجتمعه لا تضاهيها، بل لا تقترب منها، نظرة أي مجتمع آخر إلى جيشه.

 لا تنشر الحكومة الإسرائيلية ولا الكنيست أوراقاً عن عملية صنع قرارات الأمن القومي. وجاء التقريران الرسميان الوحيدان اللذان تطرقا إلى عملية صنع قرارات الأمن القومي الإسرائيلي، بعد فشل إسرائيل في الحرب، وبعد نُشوب صراع داخلي بين النخب في شأن من يتحمل مسؤولية ذلك الفشل. وهذان التقريران هما تقرير "لجنة أغرانات" التي تألفت بعد "التقصير" في حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، وتقرير "لجنة فينوغراد" التي تألفت بعد فشل إسرائيل في حرب لبنان الثانية في العام 2006.

على الرغم من أهمية عملية صنع القرارات في إسرائيل وخاصة تلك التي تخص الأمن القومي، ظلت الأبحاث في هذا الموضوع في العقدين الأولين لقيام إسرائيل شبه معدومة. وعالجت الدراسات النادرة التي تطرقت إلى صنع القرارات في تلك الفترة، مثل دراسة يحزقئيل درور وبنيامين أكتسين، من منظور تخطيط السياسة الحكومية وأدائها وضرورة تحسينها، حيث لاحظا مبكراً أن منهجية مؤسسية منظمة في عملية صنع القرارات لم تكن موجودة[5].

وقد اعتبر تسفي لنير موضوع صنع القرارات في ميدان الأمن القومي في كتابه الذي نشره في العام 1984، أنه أحد المواضيع الأكثر إهمالاً في الأبحاث الإسرائيلية في العقود الثلاثة الأولى لقيامها[6]. ويعزو يهودا بن مئير هذا الإهمال إلى ارتباط الأمن القومي في إسرائيل، أكثر من أي دولة أخرى في العالم، ارتباطاً وثيقاً بالاعتبارات والقرارات العسكرية المحاطة بطبيعتها بالسرية الشديدة، والمغروسة عميقاً في قيم المجتمع الإسرائيلي وثقافته، والمحصنة بعقوبات قانونية ضد كل من يخالفها[7].


[1] "National Security", in : International Encyclopedia of the Social Sciences, Vol,11,Macmillan,1968.

[2]Walter Lippmann, U.S. Foreign Policy: Shield of the Republic,( Boston: Little, 1943 ), P. 5

[3] يسرائيل طال، الأمن القومي: قلة مقابل كثرة، (بيطحون ليئومي:معطيم مول ربيم)، (تل ابيب: دفير، 1996)، ص. 15.

[4] يهوشفاط هاركابي، حرب واستراتيجية، (ملحماه فاستراتيجيه)، (تل أبيب: وزارة الدفاع، 1990)، ص. 529 - 536.

[5] بنيامين أكتسن ويحزقيئل درور، التخطيط القومي في إسرائيل، (تخنون ليئومي بيسرائيل)،( تل أبيب: المدرسة للإدارة، 1966).

[6] Zvi Lanir, Israeli Security Planning in the 1980,s ( New York: Praeger, 1984 ), p. v.

[7] ـ يهودا بن مئير، "صنع القرارات في قضايا الأمن" (كبلات هحلطوت بسوجيوت هبيحطون هليئومي), تل أبيب: مركزيافا للدراسات الإستراتيجية، 1987، ص 12.