الخبز في مصر العثمانية

15 فبراير،2016
المؤلفون

كتاب جمال كمال محمود، الخبز في مصر العثمانية، الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، طريف في بابه ومتعدد المضامين في الوقت نفسه، يبحث في أهمية الخبز في حياة الناس ‏والمجتمعات، وفي مكانته الاقتصادية وتطور أشكاله وصناعته منذ ما قبل العصر العثماني إلى أواخره. ألّف محمود كتابه هذا (192 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) في أربعة فصول، تفصل عملية إنتاج الخبز من زراعة القمح حتى صنع الرغيف، وأحوال الخبز ‏وأسعاره في سنوات الرخاء، ومشكلات الحبوب في زمن الأزمات الاقتصادية وفي أثناء ‏الصراعات العسكرية.

رقابة

في الفصل الأول إنتاج الخبز والرقابة عليه، عرض محمود عملية إنتاج الخبز بدءًا بزراعة الحبوب وحصدها ودرسها وذرّها وتخزينها في المخازن والشواني (الشُوَن)، مرورًا بطحنها بعد تنقيتها، ثم نخل الدقيق والرقابة عليه وعجنه، ومدى تحري الدقة في عملية العجن، مرورًا بالخَبْزِ وأنواع الخُبز والرقابة عليه من حيث الجودة في إنضاجه والدقة في الوزن، ثم أوضح دور الإدارة في متابعة ذلك، وصولًا إلى ضبط الأسعار حتى وصول الخبز إلى المستهلك.

كتب: "عملية إنتاج الخبز والرقابة عليه في مصر العثمانية مرت بمراحل عدة، عرضناها بدءًا بزراعة الحبوب، ورعايتها حتى حصاد المحصول، ونقله إلى الشواني الحكومية، والصعوبات التي واجهت عملية النقل بريًّا كان أم بحريًّا، وتخزين الحبوب لا نزال نلمسها حتى يومنا هذا؛ إذ تحاول الدولة بناء صوامع لتخزين الغلال".

رخاء

في الفصل الثاني، الخبز في سنوات الرخاء، بحث محمود في السنوات التي تتوافر فيها المياه بكمية تسمح بري أكبر مساحة من الأراضي التي تزرع حبوبًا، ومن ثم يكون الإنتاج وفيرًا، وتتدنى أسعار القمح إلى أقل معدلاتها، الأمر الذي يتيح تصدير القمح إلى الحجاز والشام والآستانة، وهو الأساس؛ إذ ترسل مصر الكميات المقررة عليها إلى حاضرة الدولة العثمانية وأيضًا غلال الحرمين الشريفين المرصدة لها، فضلصا عن تصدير القمح أحيانًا إلى أوروبا.

كتب: "شهدت مصر كثيرًا من فترات الرخاء، توافر فيها الخبز بشكل كبير؛ وإن كان عددها لا يقارن بسنوات الأزمات الاقتصادية أو الصراعات العسكرية والسياسية؛ ففي سنوات الرخاء كان القمح يصدّر إلى الجزيرة العربية والشام، وبالطبع إلى الآستانة - حاضرة الدولة العثمانية - لأن مصر كانت من أهم مخازن الغلال لها؛ ليس هذا فحسب بل كان القمح يصدر كذلك إلى أوروبا، وذلك بعد توريد غلال الحرمين الشريفين". وقامت الأوقاف بدور مهمّ في توفير الخبز وتوزيعه على المحتاجين، "وكان من أهم هذه الأوقاف تلك الموقوفة على طلبة العلم، ولا سيما من المجاورين بالأزهر، ولا شك في أن ذلك كان عاملًا مهمًّا في استمرار كثير منهم في تحصيل العلم".

أزمات

في الفصل الثالث، الخبز في زمن الأزمات الاقتصادية، عرض الباحث كثيرًا من هذه الأزمات الناتجة من نقص مياه النيل، والتي كان بعضها شديدًا، وفيها ترتفع أسعار القمح ارتفاعًا كبيرًا، وتقترن أحيانًا بمجاعات تتبعها في بعض الحالات أوبئة وطواعين، تفاقم من حدة هذه الأزمات التي يندر فيها الخبز وينعدم أحيانًا. ربما تصاحب هذه الأزمات ممارسات احتكارية تُفاقِمها، فترتفع أسعار الحبوب - وبالتبعية الخبز - إلى أسعار قياسية قد تبلغ أكثر من الأسعار في السنوات العادية بنحو عشرين ضعفًا. كتب: "غدا نهب الخبز ظاهرة في أثناء الأزمات الاقتصادية؛ وتزخر وثائق المحاكم الشرعية بمئات الأخبار التي تتعلق بهذا الموضوع، حيث ادعى أحد الخبازين على شخصين بأنهما تعديا عليه بالضرب ونهبا خبزه، وكان ثلاثة أقفاص فيها خمسمئة رغيف".

كانت الإدارة المركزية في الآستانة تحاول التقليل من حدة هذه الأزمات، بالتنسيق مع الإدارة المحلية باستيراد الحبوب من مناطق أخرى، وبالضرب بيد من حديد، خصوصًا على من يحتكرون الحبوب من أجل رفع أسعارها. كانت هذه المحاولات تؤتي ثمارها وتخفف حدة الأزمة، ولا سيما إذا أعقبها فيضان عالٍ، فيتدنى كسر الأسعار إلى حد ما. ولم يكن موقف الأهالي بعيدًا من الحوادث، بل كان فاعلًا في بعض تلك الأزمات، ويساعد في انفراجها.

صراعات

في الفصل الرابع، الخبز في أثناء الصراعات العسكرية والسياسية، قدم محمود أمثلة من هذه الصراعات التي كانت تحدث بين الأوجاقات (الفرق) العسكرية والتكتلات العسكرية والسياسية؛ مثل الصراع بين الفقارية والقاسمية، وانتقال هذا الصراع إلى طوائف عدة في المجتمع، إلى جانب غارات البدو على الأراضي الزراعية، وحرق بعض المحاصيل والمخازن والشواني، وكذلك مهاجمة الفلاحين قرى بعضهم بعضًا، ولا شك في أن لذلك كله آثاره السيئة وعواقبه الوخيمة في وفرة الخبز، بل في القمح ذاته قبل حصاده.

كتب محمود: "ساهمت الصراعات هذه كافة في ندرة الخبز، بل في انعدامه تمامًا في بعض الأحيان. ومما لا شك فيه أن ذلك أدى إلى معاناة المجتمع المصري لفترات طويلة في العصر العثماني، وكان عليه أن ينتظر لبناء دولة مركزية قوية على يد محمد علي، ساعدته بشكل أو بآخر في إحداث استقرار خفف عنه بعض الشيء، الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة التي نزلت به قرونًا طويلة". وأنهى محمود كتابه بخاتمة تضمنت أهم النتائج التي توصل إليها في بحثه.

اقــرأ أيضًــا

 

فعاليات