سؤال المهنية والأيديولوجيا في الصحافة: الحالة المغربية أنموذجًا

23 يناير،2019
المؤلفون

يمثل كتاب محمد البقالي سؤال المهنية والأيديولوجيا في الصحافة: الحالة المغربية أنموذجًا، الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، دراسة سوسيولوجية للصحافيين المغاربة تحاول الإجابة عن أسئلة عدة: من هم الصحافيون المغاربة؟ ما السياق التنظيمي والمؤسسي لعملهم؟ ما القيم التي يدافعون عنها على المستويين المهني والذاتي ربطًا بالمتغيرات السوسيولوجية؟ ما الأبعاد الرئيسة المشكلة لهويتهم؟ يعتمد البقالي في تناوله هذه الأسئلة أربع مقاربات سوسيولوجية: مقاربة الهوية والمقاربة المؤسساتية ومقاربة القيم المهنية ومقاربة القيم الشخصية.

إعلام وتنشئة

يتألف الكتاب (303 صفحات بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) من 14 فصلًا. في الفصل الأول، سوسيولوجيا الإعلام: النشأة والتطوّر، يتناول البقالي آباء الإعلام ومؤسّسيه، والمجال البحثي لسوسيولوجيا الإعلام التي لا يمكن الحديث عنها بمعزل عن وسائل الإعلام الجماهيري؛ "فهي مسوّغ ولادتها ومبرّر تطوّرها. وعليه، فإن التفكيك النظري لبُنية وسائل الإعلام يفيد في تحديد المجال البحثي لهذا التخصّص.

في الفصل الثاني، سوسيولوجيا الصحافيين: الفرع المتأخر لسوسيولوجيا الإعلام، يقول البقالي إن تطوّر الممارسة المهنية للصحافة المغربية لم يرافقه تراكم على مستوى البحث العلمي؛ فالمهنة أرست تقاليدها ورسمت حدود ممارساتها من دون أن تخضع هذه التقاليد للمساءلة العلمية أو التأطير الأكاديمي. فقد اعتُبرت الصحافة آليةً من آليات الصراع وأداة من أدوات الإخضاع، فلم يُنظَر إليها موضوعًا للبحث العلمي إلا متأخّرًا.

الفصل الثالث، الصحافيون في المغرب والتحوّلات الديموغرافية والمهنية، يحاول البقالي الإجابة عن سؤال: من هو الصحافي المغربي؟ معتمدًا على المعطيات الديموغرافية والمعطيات المهنية.

في الفصل الرابع، الصحافي داخل المؤسّسة: التنشئة والمراقبة الاجتماعيتين، يعالج المؤلف التنشئة الاجتماعية داخل المؤسّسة الصحافية، وتوافق قِيَم الصحافيين وخط مؤسّساتهم التحريري وتناقضها، والرقابة الاجتماعية بوصفها قوّة إكراه في المؤسّسة الصحافية.

أخلاقيات المهنة وقيمها

في الفصل الخامس، الصحافة في مواجهة قوّة الإغراء، يبحث البقالي في سوق الإعلانات، وتحولها إلى جهة رسمية لإضفاء الشرعية على الصيغة التحريرية، والإغراءات الموجّهة إلى الصحافيين بوصفها شكلًا من اشكال الإخضاع الناعم، والضمير المهني في مواجهة سلطة الإكراه والإغراء. فالصحافي يعيش على إيقاع تفاوض مستمر مع مؤسّسته، للمواءمة بين قِيَمِها وقِيَمِه الخاصة ومع مصادر الخبر، كي يضمن فاعلية أداء وقدرة على الإنجاز تقنعان المؤسّسة بجدوى دفع راتبه نهاية كل شهر، فيما تعيش المؤسّسة بدورها على إيقاع تفاوض مع مراكز المال للحصول على الإعلانات، ومع مصادر الأخبار للحصول على السبق، ومع السلطة لضمان استمرار المؤسّسة.

في الفصل السادس، أخلاقيات المهنة: امتحان الصحافيين الصعب، يستكشف البقالي الالتزام الهشّ بأخلاقيات مهنة الصحافة والرضا الوظيفي فيها، فعلاقة الصحافيين بمؤسّساتهم وبمحيطهم المهني تتّسم بالقلق والتوتر منذ لحظة الانتماء إلى المؤسّسة حتى استقالته منها في لحظة تعارض بين قِيَمه الخاصة وقِيَم المؤسّسة؛ فالصحافي يكتشف أن المؤسّسة الإعلامية التي يلتحق بها لا تعتبر نفسها معنية بقِيَمِه الخاصة بقدر ما هي معنية بالتزامه بقِيَمِها المؤسّسية والمهنية والسياسية، فتحرص على أن تخضعه منذ انتمائه إليها لتنشئة اجتماعية مستمرة.

في الفصل السابع، القِيَم المهنية: تمثّلات مهنة الصحافة وممارستها، يتناول المؤلف تمثّل الصحافي وظيفَته المجتمعية بين الحياد والانخراط، وتمثّل الصحافي جمهورَه بين الإيجابية والسلبية، وتمثّل الصحافي القِيَم المهنية المؤسّسة لعمله. فمعظم الصحافيين يعتبرون أن من بين وظائفهم الدفاع عن المظلومين والمساهمة في الإصلاح السياسي، ويؤمن نصفهم بأن للصحافة وظيفة تعليمية، فيما لا تتجاوز الثلث نسبةُ الذين يحصرون دورهم بالإخبار.

تَبْيئَة القِيَم

في الفصل الثامن، انتماءات الصحافيين المغاربة الفكرية والسياسية، يبحث البقالي في الانتماء السياسي من منظور مسافة الأمان المهني بين الصحافي والسياسة، وفي ثقافة الصمت في انتماء الصحافيين الفكري، دارسًا انتماء الصحافيين القِيَمي السياسي والفكري ضمن أربعة عناصر كبرى، هي: الانتماء الحزبي؛ الانتماء الفكري؛ تطبيقات هذه الانتماءات عندما يتعلّق الأمر بقضايا خلافية، كما هي الحال بالنسبة إلى الموقف من العلاقة بين الدِّين والدولة؛ الموقف من مرجعيات التشريع.

في الفصل التاسع، الدِّين والدولة: "تبيئة القِيَم" واستراتيجية التوفيق، يدرس المؤلف الموقف من العلاقة بين الدِّين والدولة كونهما مجتمعان تحت سقف واحد، وتبيئة القِيَم واستراتيجية القِيَم التوفيقية، قائلًا إن سؤال العلاقة بين الدِّين والدولة يثير قلقًا فكريًا في أوساط الصحافيين، وإن الانحياز فيه إلى موقف ما لا تحدّده بالضرورة توجّهات الفرد الفكرية، بل يأخذ أحيانًا أشكالًا انطباعية لا تنسجم مع انتماءات الفرد الفكرية.

في الفصل العاشر، مرجعيات التشريع: الارتباك القِيَمي، يعالج البقالي مرجعيات التشريع من منظوري الخصوصية والكونية، والارتباك القِيَمي والأيديولوجيات التوليفية، راسمًا صورة واضحة لانتماءات الصحافيين المغاربة السياسية والفكرية، وصورة عامة لطبيعة القِيَم الفكرية والأيديولوجية التي يعتنقها الصحافيون. يقول: "بمعيار سُلّم القِيَم، يمكن اعتبار الانتماء الفكري قيمة كبرى منتجة لقِيَم أُخرى. وهكذا، فإن الموقف من العلاقة بين الدِّين والدولة أو من مرجعيات التشريع، يرتبط في شكل وثيق بالانتماء الفكري للشخص. والسجال محتدم في ما يخص الموقف من الدِّين والدولة بين من ينتصر للفصل بينهما ومن يدعو إلى الوصل بفارق طفيف".

غائية ومعيارية ومتشطية

في الفصل الحادي عشر، سؤال المحافظة والتحرّر: القِيَم الغائية والقِيَم المعيارية، يبحث البقالي في أثر القِيَم في مواقف الصحافيين من بعض القضايا الأساسية ذات الطابع الخلافي والمرتبطة بالقِيَم ارتباطًا وثيقًا، كالمثلية الجنسية والعلاقات الجنسية خارج مؤسّسة الزواج، والموقف من طبيعة العلاقة التي يجب أن تربط الرجل بالمرأة. في الموقف من المثلية الجنسية، يدرس المؤلف تمثّلات الإغواء والفحولة، كما يعالج مسألة الحلقة المفقودة في المرجعيات الفكرية وتشكّل المواقف القِيَمية، وقِيَم المبدأ وقِيَم الحاجة في تكوين الموقف من العلاقات الجنسية، منتهيًا بما سماه القِيَم المعيارية والقِيَم الغائية.

في الفصل الثاني عشر، تحوّلات القِيَم: الذات المتشظّية بين الحداثة والمحافظة، يقول المؤلف إن المواقف المحافظة المعبّر عنها لا تستند دائمًا إلى منطلقات دينية أو مرجعيات أخلاقية. كما أن المواقف المتحرّرة لا تستند دائمًا إلى مرجعيات حداثية؛ ففي أحيان كثيرة، تتحكّم في مواقف الصحافيين الثقافة المجتمعية السائدة، كما تؤكّد المقارنة بين مواقف الصحافيين من المثلية ومن العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة. وبرأيه، ثمة محاولة للتوفيق بين منظومتَي قِيَم متباينتين: الأولى قِيَم المبدأ التي تعبّر عمّا يجب أن يكون، وتتشكّل من قناعات الفرد الدينية أو الأخلاقية أو الإنسانية العامة. أمّا الثانية فتعبّر عن الحاجة والمصلحة، وهي منظومة تمتح من قاموس الواقعية والضرورة. ويعيش الأفراد حالة من التفاوض المستمر بين هاتين المنظومتين.

هويات غير متضامنة

في الفصل الثالث عشر، سؤال الهوية: هويات متعدّدة، يدلنا المؤلف إلى هوية تبحث عن "هوية"، ويبحث في أبعاد الهوية عند الصحافيين ومكوّناتها. فثمة ثمة ثلاثة أبعاد رئيسة تمثّل الدوائر الكبرى لانتماء الصحافيين الهوياتي: البُعد الديني والبُعد الوطني (القُطْري) والبُعد الكوني. وتصنيفهم ذواتَهم هنا يُحيل إلى إحساسهم بالانتماء إلى أمّة قوامها الدِّين أو الحدود الوطنية أو الانتماء الجغرافي أو الانتماء الكوني.

في الفصل الرابع عشر والأخير، القِيَم الاجتماعية: "تضامن" يصنع الإجماع، يبحث المؤلف في التحوّلات الاجتماعية الحاصلة بين الفردانية والتضامن، وفي مخاوف التحوّل وهواجسه. وبحسبه، إن التحوّلات التي عرفها المجتمع على مستوى بنيته القِيَمية لم تمسّ تماسكه الاجتماعي حتى الآن؛ "فقِيَم الفردانية التي حققت اختراقات على المستوى الفكري في ما يتعلّق باستقلالية قرار الفرد وقِيَمِه عن الجماعة، لم يصل أثرها إلى المستوى السلوكي الذي يمسّ النسيج الاجتماعي والأسري. ولذلك، لاحظنا أن هناك قناعة جماعية بقيمة التضامن على المستوى الاجتماعي. لكن هذه القناعة متفاوتة الحضور بين فئات وأُخرى، ولعل الملاحظة الأكثر إثارة للانتباه هي ارتفاع نسبة الإيمان بقيمة الفردانية في صفوف الصحافيين العاملين في الصحافة الإلكترونية والصحافة الحرّة".

اقــرأ أيضًــا

 

فعاليات