بدون عنوان

من المحاضرة الافتتاحية لليوم الثاني من المؤتمر
توم غينسبيرغ
من جلسة الخبراء الأجانب
سلطان بركات
ناثان براون
ماركوس بوكينفورديه
ويليام إيليوت بولمر
عمر عاشور
كاتيا باباجياني
غابرييل نيجريتو
من أعمال اليوم الثاني
من جلسات اليوم الثاني
من جلسة: تجارب دولية في دسترة التحول الديمقراطي
مروان قبلان
محمد نعيمي
محمد أحمد بنيس
أحمد إدعلي
من الجزء الثاني في جلسة تجارب دولية في دسترة التحول الديمقراطي
خليل العناني
مروة فكري
أحمد حسين
من أعملا اليوم الثالث للمؤتمر

شهد اليوم الثاني لمؤتمر "المسألة الدستورية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية"، 25 أيلول/ سبتمبر 2020، عرض الخبرات الدولية، وذلك بمشاركة خبراء من الولايات المتحدة الأميركية وإسكتلندا وسويسرا والأرجنتين وألمانيا. وفي اليوم الثالث للمؤتمر، 26 أيلول/ سبتمبر 2020، بدأت الفعاليات الأكاديمية، بجلستين تناولتا الخبرات الدولية التي تتعلق بدسترة التحولات، وتدشين مسارات الانتقال صوب الديمقراطية. في هاتين الجلستين، عُرضت خمس أوراق تناولت، عبر دراسات الحالة والدراسة المقارنة، تجارب دستورية من مناطق العالم المختلفة، منها تجارب جنوب أفريقيا، وإسبانيا، وتشيلي، وبولندا، وإندونيسيا.

الحق في الخروج على الحكومة الجائرة

في المحاضرة الافتتاحية لليوم الثاني في المؤتمر التي أدارها عبد الفتاح ماضي، منسق مشروع التحول الديمقراطي ومنسق المؤتمر، عرض توم غينسبيرغ، أستاذ القانون الدولي والعلوم السياسية بجامعة شيكاغو، قضية بالغة الأهمية هي الحق في الخروج على السلطة والتطور التاريخي لتضمينه في دساتير بلدان العالم. وعبر منظور القانون الدستوري المقارن، أبرز غينسبيرغ السؤال الشائك: أيكون الانتفاض ضد سلطة ظالمة أمرًا مبررًا أم لا؟ هذا السؤال كان موضع اهتمام عميق لدى مؤسسي الولايات المتحدة، وليس مستغربًا أن سمحت دساتير دول عديدة لشعوبها بالوقوف في وجه حكوماتها، أو حتى الإطاحة بها في ظل ظروف معينة. لكن قلّما أُجري حتى الآن تحليل منهجي وتجريبي عن مدى انتشار هذا الحق في المقاومة والخروج على السلطة ضمن الدساتير الوطنية، أو الحوافز التي تدفع صنّاع الدساتير إلى تبني هذا الحق. اعتمد غينسبيرغ، لمقاربته الإجابة عن هذا السؤال، وبيان دور هذه المواد في الكشف عن المقاصد المهمة للدساتير، على بيانات مشروع الدساتير المقارنة البحثي الذي يشارك في إدارته، موضحًا حقيقة توزّع مواد "الحق في المقاومة" وأدائها الوظيفي في العديد من الدساتير. وأشار غينسبيرغ إلى تطور هذا الحق في حضارة الصين القديمة وفي الإسلام، ليقف بعد ذلك عند تطور الحق لدى مفكري المذهب الليبرالي الغربي في القرنين السابع عشر والثامن عشر. كما تطرق إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واهتمامه بحق تقرير المصير في حالة وجود هيمنة أجنبية خارجية، ثم إلى هذا الحق في بعض الولايات الأميركية، مشيرًا إلى أن بعض الدساتير تجيز الحق في الخروج على السلطة كما في حالة دستور ولاية كنتاكي. كما أشار غينسبيرغ إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، وكيف أن البعض يتوقع حدوث أزمة مع صدور عدة تصريحات من الرئيس الحالي، دونالد ترامب، حول تشككه في نتائج الانتخابات.

دروس أميركا اللاتينية

تبع المحاضرة الافتتاحية جلستان، خصصت الأولى لاستعراض خبرات تخص التحول الدستوري في العديد من بلدان العالم، أدارها سلطان بركات، الأستاذ بمعهد الدوحة للدراسات العليا ومدير مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، وضمت من الباحثين والخبراء الدوليين ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطون الأميركية والرئيس الأسبق لجمعية دراسات الشرق الأوسط؛ وماركوس بوكينفورديه، أستاذ القانون الدستوري المقارن في قسم الدراسات القانونية في الجامعة الأوروبية المركزية ومدير بالإنابة لبرنامج مشروع بناء الدساتير في المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات في ستوكهولم؛ وويليام إيليوت بولمر، الأستاذ بجامعة دندي بإسكتلندا ومدير المشروع البحثي حول "الإعدادات التمهيدية لبناء الدساتير".

في البداية، استعرض ناثان براون عملية كتابة الدساتير في المنطقة العربية، مؤكدًا أنه على الرغم من طول أمد معرفة البلدان العربية بالدساتير، الذي تخطى القرن ونصف، فإن معظم دساتير المنطقة كانت تضعها السلطة، ولم تكن الدساتير هي التي تؤسس لتلك السلطة، حتى جاء الربيع العربي، وعنده وقع الخلاف حول طبيعة النظام، وطُرحت أطر دستورية جديدة، تثير السؤال بالغ العمق: أيؤدي الحراك الجماهيري إلى وثائق مختلفة، أم إلى عمليات دستورية مختلفة؟ وهل أدت إلى وضع مبادئ دستورية قابلة للتطبيق؟ وعرج براون على بعض التجارب العربية، مثل الكويت ومصر وفلسطين وغيرها، متحدثًا عن مفهوم اللحظة الدستورية، وأهمية توافر التعددية السياسية لضمان إنفاذ الدساتير، وكذلك أهمية دراسة السياقات وعدم الوقوف عند النصوص الدستورية فقط.

أما ماركوس بوكينفورديه، فطرح قضية تقييد فترات الرئاسة، متخذًا البلدان العربية في شمال أفريقيا نموذجًا لها، وهي التي رزحت تحت حكم دكتاتوري طويل الأمد، حتى جاء الربيع العربي، ليطيح بالمستبدين ودساتيرهم، واضعًا النخب في مهمة صعبة، تخص صياغة الدساتير الجديدة. من بين الصعوبات ما تعلق بتعيين صلاحيات السلطات التنفيذية، وفي القلب منها مسألة تقييد المدة الزمنية التي يقضيها الرؤساء في مناصبهم. استعرض بوكينفورديه خيارات التصميم التي اعتمدتها دول شمال أفريقيا لاحتواء سلطة الرئيس من خلال تقييد المدة الدستورية، وتقييم مدى نجاحها حتى الآن. كما قارن تجارب هذه البلدان التي جاءت في عقد الربيع العربي بتجارب دول أفريقيا جنوب الصحراء، وبعض دول أميركا اللاتينية.

وطرح إليوت بولمر السؤال عن دور المعرفة المقارنة في بناء الدساتير، مستعرضًا خبرته في مجال توفير المعرفة المقارنة الداعمة لعمليات بناء الدساتير والإصلاح الدستوري في عدد من البلدان، خلال سنوات عمله في المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات. وبيّن بولمر أهمية توفير معلومات فنية مباشرة للبرلمانيين والمفاوضين في خلال مراحل الانتقال الديمقراطي، وفي لحظة إجراء الإصلاحات الدستورية، ودور المؤسسات الفنية المتخصصة في تقديم الرؤى والملاحظات الفنية التقييمية على مسوّدات الدساتير، فضلًا عن الدور المهم في توعية منظمات المجتمع المدني بالمعرفة الدستورية، وصولًا إلى كتابة وتحرير سلسلة الإعدادات التمهيدية لبناء الدستور؛ التي أصدرتها المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات بشأن التصميم الدستوري المقارن في العالم. وختم بولمر ببيان أهمية المعرفة الدستورية المقارنة ودور الخبير الدستوري، داعيًا إلى المزيد من نقل المعرفة "من الجنوب إلى الجنوب" و"من الجنوب إلى الشمال".

وفي الجلسة الثانية للخبراء الأجانب التي أدارها عمر عاشور، الأستاذ بمعهد الدوحة، ورئيس برنامج الماجستير في الدراسات الأمنية النقدية، جرى التطرق إلى عدد من القضايا والخبرات، من خلال مداخلات لكل من كاتيا باباجياني، مديرة دعم السياسات والوساطة بمركز الحوار الإنساني بجنيف والخبيرة في تصميم عمليات الحوار الوطني؛ وغابرييل نيجريتو، أستاذ العلوم السياسية بمعهد العلوم السياسية بالجامعة الكاثوليكية بسانتياجو دي تشيلي، والخبير في مجال التصميم المؤسسي والإصلاحات الدستورية والانتخابية.

استعرضت كاتيا باباجياني الدروس المستفادة من عمليات السلام، واتصالها بوضع الدستور في البلدان المتضرّرة من النزاعات. وبينت باباجياني الاختلافات بين عملية وضع الدستور في الدول التي عانت النزاعات وعملية وضع الدستور في الدول التي تمر بمرحلة انتقال لم ينتج عن نزاع مسلح. وأظهرت آثار بعض العوامل؛ منها غياب أسس النظام المدني، وتواصل النزاع العنيف في أثناء إجراء المفاوضات بشأن الدستور. وينجم عن ذلك تداعيات مرتبطة بجدوى التشاور على نطاق واسع والمشاركة العامة، فضلًا عن أثر غياب الأمن في المشاركة. ونتيجة لذلك تخرج مسوّدات الدساتير، وقد غلبت عليها وجهات نظر الجهات المسلّحة، لا اعتبارات المجتمع ككل. وأحيانًا تقصي المفاوضات مجموعاتٍ مجتمعيةً رئيسةً، يحال بينها وبين طاولة المفاوضات لأسباب مختلفة. ومن ثمّ، تظل هذه المسوّدات أقرب إلى اتفاقيات سلام أكثر من كونها دساتير؛ إذ تنظّم مكاسب التوازن العسكري، فيما لا تضع الأساس لتسوية سياسية دائمة.

أما غابرييل نيجريتو، فقدّم عرضًا للدروس التي يمكن أن تُستفاد من التصميم المؤسسي لدساتير أميركا اللاتينية، وكيف أدت موجة الدمقرطة التي بدأت في أميركا اللاتينية في نهاية سبعينيات القرن الماضي إلى سلسلة تغييرات دستورية، سعت إلى تفكيك المؤسسات الموروثة من الماضي الدكتاتوري. لكن عمليات التكيّف الدستوري هذه لم تؤد دائمًا إلى تعميق الديمقراطية، سواء من حيث أصولها أو مضامينها أو تنفيذها. ففي بداية الانتقال إلى الديمقراطية، توافر لدى أنظمة استبدادية متعددة ما يكفي من القوة التفاوضية لاستبقاء مواد دستورية تحدُّ كثيرًا من سلطة الأغلبية الانتخابية والمؤسسية. وفي الوقت نفسه، أدت التغييرات الدستورية المتعددة التي أجريت في ظل الديمقراطية إلى تعزيز سلطة الرؤساء، والحد من الرقابة التشريعية أو القضائية، أو تقييد سلطة المساءلة لدى الممثلين المنتخبين. واعتبر نيجريتو أن التغييرات التي تتضمن أكبر إمكانات لتعميق للديمقراطية هي التي أُقرت نتيجة مفاوضات ومداولات شاملة بين معظم القوى السياسية المنتخبة.

شهدت مناقشات هذه الجلسة نقاشًا مطولًا حول العديد من القضايا ذات الصلة، أبرزها تلاعب الحكام السلطويين بالدساتير، وأهمية الدساتير في التنفيذ، ومحورية المسألة الدستورية في الدول العربية بعد انتفاضات 2011 وصولًا إلى الموجة الحالية من الاحتجاجات، وأهمية الاهتمام بالمجتمعات التي شهدت حروبًا أهلية.

حالات إسبانيا، وجنوب أفريقيا، وتشيلي

في اليوم الثالث للمؤتمر، 26 أيلول/ سبتمبر 2020، بدأت الفعاليات الأكاديمية، بجلستين تناولتا الخبرات الدولية التي تتعلق بدسترة التحولات، وتدشين مسارات الانتقال صوب الديمقراطية. في هاتين الجلستين، عُرضت خمس أوراق تناولت، عبر دراسات الحالة والدراسة المقارنة، تجارب دستورية من مناطق العالم المختلفة، منها تجارب جنوب أفريقيا، وإسبانيا، وتشيلي، وبولندا، وإندونيسيا.

 في الجلسة التي أدارها الدكتور مروان قبلان، مدير وحدة الدراسات السياسية بالمركز العربي، تحدث أحمد إدعلي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ابن طفيل في المغرب؛ ومحمد أحمد بنيس، الأستاذ الباحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة؛ ومحمد نعيمي، أستاذ علم اجتماع التنظيمات بمعهد التنمية الاجتماعية بالرباط.

في البداية، تحدث أحمد إدعلي عن حالة جنوب أفريقيا، التي وسمها بكونها نموذجًا للدستورانية البراغماتية. فقد فرض السياق على أطراف هذا الصراع الطويل أن يحتكموا إلى مسار توافقي بغية وقف دوامة العنف، وكان أن وظفوا القواعد الدستورية لإعادة بناء النظام السياسي ومؤسساته على نحو ديمقراطي. وقدمت حالة جنوب أفريقيا هندسة دستورية جديدة، جسدت الترابط بين مسلسلَي الانتقال الدستوري الديمقراطي والانتقال الديمقراطي؛ إذ اهتدى المتفاوضون، الذين تبنوا منطق التوافق، إلى قواعد دستورية ذات طابع شامل عملت كـ "نواظم" لخفض منسوب التردد واللايقين الملازم للفترات الانتقالية. وقد نجح الدستور في إخضاع الجيش للسيطرة المدنية، وجعله حاميًا للتجربة الديمقراطية. وأفرد إدعلي عنصرًا لبيان الحدود التي اعترضت تلك التجربة، مبينًا أن سيرورة الانتقال ليست فقط ظاهرةً قانونية؛ فالمعايرة ووضع النواظم الدستورية لا يكفيان وحدهما لتجسيد قيم الديمقراطية؛ إذ أن ثمة شرطًا ضروريًا في الممارسة وهو مطلوب لإكمالها، يتمثّل في السياسات التي تضمن ترجمة المعيار الدستوري إلى واقع معيش.

أما محمد بنيس، فانطلق في عرضه لبحثه عن التجربة الإسبانية من العوامل التي ساهمت في إنجاح تلك التجربة، وجعلتها علامة على موجة الدمقرطة التي اجتاحت بلدانًا عدة في جنوب أوروبا وغربها. وتوقف بنيس عند عامل توافقُ النخب الذي جعل من هذه التجربة حالةً فريدة لعلاقة المسألة الدستورية بالتحول الديمقراطي، سمتها استيعاب التناقضات الأيديولوجية والسياسية التي حملتها الأطراف السياسية في لحظة الانتقال بين عامي 1976 و1978. وقد أسهم الدستور في تأطير توافق اجتماعي واقتصادي وسياسي، تخطى إرث الماضي السياسي والدستوري، وتغلب على المشكلات التأسيسية التي واجهت الفاعلين، فاتحًا الطريق أمام عملية معقدة لإعادةِ بناء الدولة الإسبانية. وأضاف أنه كان لدور النخب في فهم ضرورة عدم تفكيك النظام السابق دفعة واحدة، وتجنب الاستقطاب الحاد، السهم الأكبر في صنع عملية دمقرطة هادئة. وأشار بنيس إلى أن التوافق حول دستور 1978 قد أنهى عقودًا من الانقسام المجتمعي، وفتح المجال للاعتراف المتبادل بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية.

وحول التجربة الدستورية في تشيلي، تحدث محمد نعيمي، مبينًا أن النجاح الذي حققته هذه التجربة لم يخل من حدود ترتبط أساسًا بالمسألة الدستورية، في ظل كمون مظاهر للسلطوية في الدستور الموروث عن الحكم العسكري، لكن كان لها أسباب أخرى أهمها الإشكال الاقتصادي، الذي فرضه الخيار النيوليبرالي المتبع منذ إرساء الدكتاتورية. نبه نعيمي إلى الدور بالغ الأهمية الذي أدّته الحركات الاجتماعية، وخصوصًا قدرتها على إبقاء الاحتجاج السلمي ضد النظام العسكري مستمرًا. وقد ارتهن هذا الملمح ودوره في الدفع بالعملية الانتقالية بمدى قدرة القوى الديمقراطية على تجاوز اختلافاتها السياسية والأيديولوجية، ونسج تحالفات قوية فيما بينها، تمكنها من قيادة المسار الانتقالي إلى بر ديمقراطي. ثم بيّن كيف كان اللنخب التي تقود المسلسل الانتقالي الدور الأساس في تسطير أسس وقواعد دولة القانون، ودمجها في وثيقة دستورية تمثل القانون الأسمى المعبِّر عن عقد اجتماعي بين الحكام والمحكومين.

وشهدت هذه الجلسة نقاشات متعددة تطرقت إلى الدروس المستفادة عربيًا من هذه الحالات، والأدوار التي أدّتها الجيوش في هذه الحالات، وسبل موازنة القوة العسكرية أثناء التفاوض من أجل الانتقال إلى الديمقراطية. هذا فضلًا عن البعد الاقتصادي، والصراعات التي شهدت هذه الحالات من أجل إدماج الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في الدساتير.

تصميم الدساتير وبناء الثقة

في الموضوع ذاته، عُقدت جلسة أخرى أدارها الدكتور خليل العناني، الباحث بالمركز العربي فرع واشنطن، تحدث فيها كلٌّ من مروة فكري، أستاذة العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة؛ وأحمد حسين، الباحث بالمركز العربي ومدير تحرير دورية "سياسات عربية".

استعرضت مروة فكري، عبر منظور مقارن، مسألة تصميم الدساتير وبناء الثقة، من خلال أربع حالات نجحت في إنجاز الانتقال الديمقراطي، هي بولندا، وتشيلي، وجنوب أفريقيا، وإندونيسيا. واستعرضت فكري العوامل المشتركة التي ساهمت في هذا النجاح، مؤكدةً حقيقة أن عملية تصميم الدستور تفوق جوانبُها السياسية والاجتماعية من حيث الأهمية تلك الجوانبَ القانونية الفنية. وبينت دور النخب في إجراء المساومات والمفاوضات في هذا السياق. لقد اتخذ الانتقال في الحالات الأربع مسارًا تدريجيًا، لا ثوريًّا، استغرق مسارًا من التفاوض والمساومة امتد لعدة أعوام. وقد اتسمت عملية تصميم الدستور في هذه الحالات بالشمول؛ فلم يُستبعد أيّ فاعل من الفواعل السياسية الأساسية، بما فيها عناصر النظام القديم، والقوى المتحالفة معه، بغضِّ النظر عما ارتكبته في الماضي، وتعامل نهج العدالة الانتقالية بعيدًا عن منطق الانتقام أو تصفية الحسابات. وتميزت الحالات الأربع بتبني ترتيبات تحدُّ من السلطة المطلقة للأغلبية؛ وهو ما زرع الثقة بين الأطراف السياسية في ظل مناخ عدم اليقين الذي يسود فترات الانتقال.

أما أحمد حسين، فتحدّث حول التجربة الدستورية للاتحاد الأوربي، مستعرضًا ترافق التأطير الدستوري عبر المعاهدات الوحدوية، مع توسع الجماعة وضمها أعضاءً جددًا. دخلت دول الجماعة الأوروبية مرحلةً جديدة من التعاون والتكامل، أفضت إلى توقيع معاهدة ماسترخت في عام 1992؛ وهي المعاهدة التي انتقلت بموجبها الجماعة الأوروبية إلى اتحاد شكلًا ومضمونًا. وأنتج مسار المعاهدات المتعددة طرح فكرة "معاهدة دستورية" لأوروبا. وعرض حسين السياقات التي قادت إلى صياغة معاهدة الدستور ومضامينها، والأساليب التي قادت إلى إخفاق التصديق عليها، وما نتج من ذلك من انتقالٍ إلى توقيع معاهدة لشبونة الإصلاحية. وبيّن حسين العديد من عناصر هذه المعاهدة ذات الصبغة الديمقراطية، ومنها انتخاب رئيس المفوضية الأوروبية مباشرة، وتوسيع دائرة التصويت بالأغلبية المؤهلة، فضلًا عما شملته من مساحات جديدة للعمل المشترك بين الدول الأعضاء.

وتطرقت مناقشات هذه الجلسة إلى عديد الموضوعات، لعل أبرزها أهمية المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمشروطية السياسية ومعايير الانضمام في الحالة الأوروبية، وعوامل نجاح إندونيسيا مقابل فشل الدول العربية، ومفهوم الدستورانية الانتقالية، وأهمية العوامل الخارجية في الحالات العربية، ودور العامل الخارجي في دينامية الانتقال في جنوب أفريقيا، وغير ذلك.