العنوان هنا
دراسات 03 يونيو ، 2015

الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية (الكنيست) 2015: نحو تبلور النظام الحزبي المهيمن

الكلمات المفتاحية

مهند مصطفى

مدير عام "مدى الكرمل" (المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية). حاصل على درجة الدكتوراه من مدرسة العلوم السياسية في جامعة حيفا. عمل باحثًا زائرًا في مركز الدراسات الإسلامية في جامعة كامبريدج، والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، ومحاضرًا مشاركًا في الكلية الأكاديمية بيت بيرل، ورئيسًا لقسم التاريخ في المعهد الأكاديمي العربي للتربية في الكلية نفسها.


مقدمة

أجريت انتخابات الكنيست العشرين قبل موعدها المقرر قانونيًا، وذلك عندما بادر رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى حلّ الكنيست التاسع عشر، وتقديم موعد الانتخابات. تُعاني السياسية الإسرائيلية من أزمة بنيوية تتمثّل بنظامها البرلماني الذي يتميز بتعددية حزبية كبيرة من جهة، وغياب الأحزاب الكبيرة من جهة أخرى، أدت إلى زعزعة الاستقرار الحكومي، فمنذ عام 1988، لم تُكمل حكومة إسرائيلية واحدة مدتها القانونية كما نص عليه قانون أساس الكنيست. إضافةً إلى الأزمة البنيوية، نسجّل تدهور الثقافة السياسية العامة التي تتسم بغياب القيم الديمقراطية وأحيانًا تسفيهها.

كانت الأزمة البنيوية ماثلة بكل مركباتها في الحكومة الأخيرة، فالحزب الحاكم كان صغيرًا، وعدد مقاعد حزب الليكود كانت 20 مقعدًا بعد قرار رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" (يسرائيل بيتينو) افيغدور ليبرمان تفكيك الائتلاف الحزبي مع الليكود خلال الحرب على غزة صيف 2014، إذ حصل تحالفهما على 31 مقعدًا في انتخابات الكنيست الـ 19. أمّا رؤساء الأحزاب المشاركة في الائتلاف، من دون استثناء، فكانوا يعتقدون أنّهم رؤساء مستقبليون للحكومة، فكان سلوكهم السياسي يتماثل مع هذا الاعتقاد، وتضارب كثيرًا مع مفاهيم الحوكمة التي عرفتها وخبرتها إسرائيل سابقًا. إضافة إلى الأزمة البنيوية، دفعت الأزمات المتتالية تباعًا الحكومة إلى التفكك وتقديم موعد الانتخابات، وتجلت هذه الأزمات في الخلاف حول ميزانية الدولة لعام 2015، وتضخيم الخلاف بين رئيس الحكومة ووزير المالية حول ميزانية الجيش، ومشروع قانون القومية اليهودية، وغياب قيمة المسؤولية الإدارية الجماعية التي لم يستطع نتنياهو فرضها بسبب ضعف حزبه، الحزب الحاكم، وتبعية استقرار حكومته بشركائه في الائتلاف، علاوة على الصراعات الداخلية بين رؤساء الأحزاب المنضوية في الحكومة، والتي برزت بوضوح خلال الحرب على غزة لم يسبق له مثيل في الحوكمة الإسرائيلية. كما أنّ نتنياهو أراد أن يُفشل قانون حظي بتأييد من المعارضة ومن أطراف من الائتلاف الحكومي، كان يهدف إلى منع توزيع صحيفة "يسرائيل هيوم" (إسرائيل اليوم) اليومية المجانية، وهي صحيفة داعمة لنتنياهو ويُموّلها رجل الأعمال اليهودي الأميركي شيدلون ادلسون. أدّت هذه الصحيفة دورًا مهمًّا في تغيير المشهد الإعلامي الإسرائيلي، فباتت أكثر الصحف انتشارًا في إسرائيل، كما أنّها أدّت دورًا مثابرًا في الترويج لأفكار اليمين عمومًا وتصورات نتنياهو خاصة، في المجتمع الإسرائيلي.

راهن نتنياهو على إجراء انتخابات مبكرة تعيد للحزب الحاكم تمثيله الانتخابي، على الأقل كما حدث عام 2009، بحصوله على 27 مقعدًا، بعد الانهيار الذي أصابه في انتخابات 2006، عندما حصل على 12 مقعدًا (بسبب تأسيس شارون حزب كاديما وحصوله على 29 مقعدًا)، فقد كانت تجربة عام 2009، تجربة مهمة لنتنياهو، فقد استطاع إبقاء الحكومة مستقرة لمدة أربع سنوات، وهي أطول فترة قضتها حكومة منذ عام 1988، كما أنّه راهن على استطلاعات الرأي التي عدّته أكثر السياسيين شعبية  لتولّي منصب رئاسة الحكومة، فاستطلاعات الرأي التي كانت تشير إلى تقدّم المعسكر الصهيوني على الليكود خلال الحملة الانتخابية، كانت تشير أيضًا إلى تفضيل الجمهور الإسرائيلي نتنياهو رئيسًا للحكومة على باقي المرشحين بفروق كبيرة جدًا.

ينطلق البحث الحالي من إطار نظام الحزب المهيمن كما نظّرت له الأدبيات السياسية، ويدّعي المقال أنّ انتخابات الكنيست 2015 عزّزت مسار التحوّل إلى مرحلة "نظام الحزب المهيمن"، وليس الحزب المهيمن، إذ تُفرّق الأدبيات النظرية بينهما، ولكنها قد تكون مرحلة سابقة لمرحلة الحزب المهيمن، وذلك إذا استمرت السياسة الإسرائيلية في المسار الذي تسير عليه في هذه الفترة التاريخية، باتجاه تقويض الأسس الديمقراطية للنظام السياسيّ الإسرائيلي، وتكريس خطاب اليمين خطابًا مهيمنًا على الدولة والمجال العمومي، واستمرار تأزم المعسكر المقابل له، واستمرار البيئة الإقليمية والدولية التي تكرّس خطاب اليمين ومركباته التي عزّزها نتنياهو في سنوات حكمه الأخيرة، واستمرار إدارته الناجحة الصراع مع الفلسطينيين من دون الوصول إلى حل ودفع ثمن له. ينقسم المقال الحالي إلى أربعة أقسام، يعرض القسم الأول النقاش النظري حول مفهوم النظام الحزبي المهيمن، بينما يُحلّل القسم الثاني نتائج الانتخابات العامة في إسرائيل، ويقدّم القسم الثالث قراءة سوسيولوجية لنتائج الانتخابات، ويعرض القسم الرابع الخلاصة ويناقش هذه النتائج التي تركّز على نقاش العلاقة بين نتائج الانتخابات ومفهوم النظام الحزبي المهيمن.


 

*هذه الدراسة منشورة في العدد 14 من مجلة "سياسات عربية" (أيار / مايو 2015، الصفحات 33- 44)، وهي مجلة محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات كل شهرين.

** تجدون في موقع دورية "سياسات عربية" خلال الفترة الحالية من جائحة كورونا جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.