تحليل سياسات 13 يونيو ، 2012

زيارة القدس تحت الاحتلال: دعم للصّمود أم تطبيع؟

الكلمات المفتاحية

وحدة تحليل السياسات

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش..

مقدّمة

استغلّ الرّئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس منبر مؤتمر القدس الأوّل الذي عُقد في العاصمة القطريّة الدوحة في يوم 25 شباط / فبراير 2012. وخاطب العالم العربي بإسلاميّيه ومسيحيّيه، ودعاهم للتوجّه إلى القدس المحتلّة والصّلاة فيها، عادًّا الخطوة شكلًا من أشكال النّضال وأنّها سوف تُخرج سكّانها من العزلة وتعزّز صمودهم، و"تسهم في حماية وترسيخ هُويّة المدينة وتاريخها وتراثها المُستَهدَفَة بالاستئصال، وسيُذَكِّر المحتليّن بأنّ قضيّة القدس هي قضيّة كلّ عربيّ، وكلّ مسلم، وكلّ مسيحيّ".

واستشهد رئيس السّلطة الفلسطينيّة بعددٍ من الأحاديث الشريفة التي تحضّ على زيارة المسجد الأقصى وشدّ الرّحالِ إليه، مشيرًا إلى أنَّ مدينة القدس كانت تحت حكم الرومان حين قال الرسول صلى الله عليه وسلّم: "لا تُشَدُّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد، المسجدِ الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"، وأنّ أحدًا من فقهاء المسلمين لم يحرّم زيارة القدس حين كانت تحت حكم الصليبيّين.

وقد تلا الخطاب زيارات عديدة قام بها مسؤولون أردنيّون، إضافةً إلى مفتي جمهوريّة مصر العربيّة الشيخ علي جمعة، والحبيب الجفري أحد مشايخ الصوفيّة في اليمن. وباستثناء الجفري، فإنَّ الآخرين الذين  بادروا بالخطوة، وقاموا بالزّيارة، من الأردن وغيرها، لم يكن لديهم مواقف مبدئيّة ضدّ التّطبيع، فهم في الأصل جزء من دبلوماسيّة نشطت على مدار العقود الفائتة مسنودة باتفاقيّات سلامٍ مبرمة. وجدير بالذكر أنّ زيارتَي الحبيب الجفري ورئيس جهاز الأمن العامّ الأردنيّ حسين المجالي، كانتا تحت إشراف إسرائيل، ولم تكن السلطة الفلسطينيّة على علمٍ بهاتين الزيارتين[1].

لقد أثارت دعوة عبّاس نقاشًا عربيًّا وفلسطينيًّا مستجدًّا في شأن شرعيّة زيارة الفلسطينيين في مدينة القدس وجدواها وهم تحت الاحتلال الإسرائيليّ، فقد أيّد المشايخ الموظّفون لدى السّلطة الفلسطينيّة الدّعوة؛ ومنهم وزير الأوقاف الفلسطينيّ محمود الهباش؛ ورئيس المحكمة العليا الشرعيّة يوسف ادعيس، بينما عارضتها أغلبيّة القوى السياسيّة الفلسطينيّة والعربيّة، ورأت فيها إمعانًا في التّطبيع، إضافةً إلى فتاوى رجال دين عرب وفلسطينيّين ذهبت في الاتّجاه نفسه. ولا شكّ في أنَّ تصدّي رجال الدّين للمسألة سببه لجوء الرئيس الفلسطينيّ إلى الدين لتسويغ الدّعوة، فالاستعانة بالشّعارات الدينيّة لا بدّ أن تُقابَل بفتاوى وشعاراتٍ دينيّةٍ مضادّة.

تتطرّق هذه الورقة إلى السّياق التاريخيّ الذي أَنتج موقفًا عربيًّا ضدّ التّطبيع مع إسرائيل، محاوِلةً تحديد معناه. وفي ضوء ذلك، تحاول فحص مضمون دعوة الرئيس الفلسطينيّ إلى زيارة القدس وحجج اعتبارها "نضالًا" يسهم في تعزيز صمود الفلسطينيّين. كما تُدقّق أيضًا في المسموح والممنوع من التدفّق العربيّ إلى الأرض المحتلّة الذي يحدّده الاحتلال، وشبهة التّطبيع وتداعياته على القضيّة الفلسطينيّة والصّراع مع إسرائيل في ضوء تجاربَ عربيّة نهجت خطّ السّلام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.


[1] جهان مصطفى، "مأزق الحبيب الجفري بعد زيارة الأقصى"، مأرب برس، 11/4/2012:

http://marebpress.net/articles.php?id=15035.