فلسفة التنوير

صدر عن سلسلة ترجمان في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب فلسفة التنوير، وهو ترجمة إبراهيم أبو هشهش لكتاب إرنست كاسيرر Die Philosophie der Aufklärung. يهدف الكتاب (488 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) إلى أن يكون أقل من دراسة أحادية المعالجة عن فلسفة التنوير، وأكثر منها في آن: فهو أقل كثيرًا من ذلك، لأن على مثل هذه الدراسة أن تبسط أمام القارئ التفصيلات في غزارتها، وأن تتبع بدقة مشكلات فلسفة التنوير الخاصة في نشأتها وتكوينها، ويحول في الأساس دون مثل هذه المعالجة شكلُ أسس العلوم الفلسفية وهدفها المنشود.

أشكال التفكير

يتألف الكتاب من سبعة فصول. في الفصل الأول، أشكال التفكير في عصر التنوير، عين كاسيرر شكل التفكير في القرن الثامن عشر ارتباطًا بتطور الروح التحليلية في فرنسا التي كانت موطن التحليل وأرضه الكلاسيكية، "إذ شيّد ديكارت على التحليل إصلاحه وإعادة تشكيله الحاسمة للفلسفة. وابتداء من منتصف القرن السابع عشر، باتت روح ديكارت فاعلة في جميع الحقول؛ فهي لم تهيمن في الفلسفة فحسب، وإنما في الأدب والأخلاق ونظرية السياسة والدولة والمجتمع أيضًا، كما استطاعت التغلغل في اللاهوت ومنحته شكلًا جديدًا". وفي الفلسفة، كما في تاريخ العقل عمومًا، ظهرت احتجاجات ضد هذا التأثير؛ "إذ تطورت فلسفة لايبنتز إلى قوة عقلية جديدة، وفي هذه الفلسفة لم تتخذ صورة العالم محتوى جديدًا فحسب، بل ظهر فيها شكل واتجاه جديدان أساسيان للتفكير أيضًا. وبدا في أول الأمر كأن لايبنتز يسعى إلى مواصلة عمل ديكارت ويحاول إطلاق القوى التي لا تزال نائمة في هذا العمل وتطويرها".

يرى كاسيرر في الفصل الثاني، الطبيعة والمعرفة الطبيعية في فكر فلسفة التنوير، أنه لا يجوز الاكتفاء برصد الملامح الفردية التي ساهمت بها المعرفة الطبيعية في محتوى صورة العالم وأعادت من خلالها تشكيل هذه الصورة على نحو حاسم. وبحسبه، يبدو مدى هذا التأثير في صورة العالم غير قابل للحصر تقريبًا، "ومع ذلك تقتصر كامل القوة التقدمية التي انبثقت عن المعرفة الطبيعية على ذلك المدى، لأن إنجازها الحاسم كان في مكان آخر؛ فهو لا يتمثل في موضوع المحتوى الذي جعلته هذه المعرفة متاحًا للعقل الإنساني، بمقدار ما يتمثل في الوظيفة الجديدة التي عينتها المعرفة لهذا العقل". ويضيف إن معرفة الطبيعة لا تفضي إلى النفاذ إلى عالم الموضوعات، بل تغدو هي وسيلة العقل التي يحقق بها معرفته الخاصة، "وبهذا تبدأ العملية الأكثر أهمية والأكثر جدية من مجرد زيادة المعرفة وتوسيعها، ما أتاح للعلم الطبيعي الناهض حديثًا إغناء المعرفة الإنسانية".

معرفة ودين

في الفصل الثالث، علم النفس ونظرية المعرفة، يقول كاسيرر إن من السمات المميزة للفكر في القرن الثامن عشر الارتباط الوثيق بين مشكلة الطبيعة ومشكلة المعرفة، حيث لم تكن الفكرة قادرة على التوجه إلى عالم الموضوعات الخارجية من دون أن ترتد في الوقت ذاته متوجهة إلى ذاتها، ومحاوِلةً الوصول إلى حقيقة الطبيعة وإلى حقيقتها الخاصة. فالمعرفة لم تُستخدم بوصفها أداة نزيهة، إذ كان السؤال عن مبرر استخدام هذه الأداة وعن طبيعتها يُطرح باستمرار. ويرى أن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: أي نوع من الموضوعات ملائم لمعرفتنا ويمكن تحديده من خلالها؟ "وحل هذا السؤال يكون في الفهم الدقيق لطبيعة الإدراك الإنساني الخاصة فحسب، وذلك من طريق قياس مجال هذا الإدراك، وهذا يعني كامل المنطقة التي تنتمي إليه وتتبع مسار تطوره من عناصره الأولى حتى أشكاله العليا. بناء عليه، ترجع المشكلة النقدية إلى مشكلة تكوينية، لأن صيرورة العقل الإنساني هي وحدها ما يستطيع منحنا تفسيرًا كافيًا لطبيعته. من هنا، أُعلن علم النفس أساسًا لنقد المعرفة".

يرفض كاسيرر في الفصل الرابع، فكرة الدين، القول إن التنوير كان حقبة غير دينية ومعادية للإيمان في اتجاهه الأساسي، "لأن مثل هذا الفهم للتنوير قد يحتمل خطر تجاهل أهم إنجازاته الإيجابية، فالشك في ذاته لا يمكنه توليد مثل هذه الإنجازات. كما إن نبضات التنوير الفكرية الأشد قوة لا تتمثل في نفوره من الدين بل في تقديم مُثل جديدة للإيمان، وفي الشكل الجديد للدين الذي جسّده في ذاته. بحسبه، يسود في التنوير شعور خلاق أساس وحقيقي؛ الثقة في تشكيل العالم وتجديده. ومثل هذا التجديد بات مطلوبًا من الدين ومنتظرًا منه. يقول: "ينبغي ألا تحجب عنّا كل المعارضة الظاهرية للدين التي تواجهنا في حقبة التنوير، حقيقة أن جميع المشكلات العقلية في التنوير كانت منصهرة في المشكلات الدينية، وأن هذه المشكلات الدينية هي المحرك الدائم الأقوى للمشكلات العقلية".

تاريخ وقانون

في الفصل الخامس، غزو العالم التاريخي، يحاج كاسيرر قائلًا إن الرومانسية لم تكن قادرة على اكتساب مكانتها وإثبات ذاتها من دون عون فلسفة التنوير. وإذا كانت الرومانسية تريد النأي بنفسها عن فلسفة التنوير، فستظل مرتبطة بهذه الفلسفة وملتزمة بها منهجيًّا بشكل دائم وعلى النحو الأعمق. برأيه، كان القرن الثامن عشر هو من طرح السؤال الفلسفي الحقيقي في هذا الحقل، حينما سأل عن شروط إمكان التاريخ، مثلما سبق أن طرح السؤال عن شروط إمكان العلوم الطبيعية. وكان هذا القرن يحاول أن يحدد الخطوط العريضة الأساسية لهذه الشروط، محاولًا فهم مغزى التاريخ من طريق السعي إلى الوصول إلى مفهوم واضح ومحدد له، وللتأكد كذلك من العلاقة بين العام والخاص، وبين الفكرة والواقع، وبين القوانين والحقائق، ورسم الحدود الدقيقة بين هذه المصطلحات.

يتكلم كاسيرر في الفصل السادس، القانون والدولة والمجتمع، على فكرة القانون ومبدأ الحقوق غير القابلة للتصرف، فبرأيه من الملامح الأساسية لفلسفة التنوير أنها كانت تعود دائمًا وأبدًا إلى المشكلات الفلسفية الأساسية للإنسانية، على الرغم من سعيها إلى تحطيم اللوائح القانونية القديمة والوصول إلى وجود فكري جديد تمامًا. كما يتناول فكرة العقد ومناهج العلوم الاجتماعية، فيقول: "إذا كنا نرغب في الوقوف على اتجاه علم الاجتماع في القرنين السابع عشر والثامن عشر وفهمه، وإذا كنا نريد أن نشرح بوضوح تام المنهجية الجديدة التي تطورت هنا، فينبغي مقارنة هذا التطور بتطور المنطق الذي تزامن معه والربط بينهما. وحتى لو بدا هذا الربط غريبًا، فإن ذلك يصف الاتجاهات الفكرية الأساسية للحقبة التاريخية؛ فمنذ عصر النهضة يمكن بوضوح ملاحظة شكل جديد من المنطق الذي لم يكتف بتبويب المعرفة المتاحة وتنظيمها فحسب، بل أراد أن يصبح هو نفسه أداة المعرفة".

علم الجمال

في الفصل السابع، مشكلات علم الجمال الأساسية، يقول كاسيرر إن القرن الثامن عشر يحب أن يطلق على نفسه اسم "قرن الفلسفة"، لكنه يحب أيضًا أن يسمي نفسه "قرن النقد"، "وكلا الاسمين وصف لحقيقة واحدة في ما يتعلق بهذا القرن؛ فكل منهما يسعى إلى وصف القوة العقلية الأساس من جوانب مختلفة، وهي القوة التي كانت الحقبة تستشعرها في ذاتها وكأنها قوة حية تدين لها بدوافعها العقلية الحاسمة". وبحسب كاسيرر، يتبين للمرء أن لدى جميع المفكرين الأساسيين في هذا القرن ذلك الاتحاد بين الفلسفة والنقد الأدبي الجمالي. يكتب: "وُجدت على الدوام علاقة وثيقة بين الأسئلة الأساسية للفلسفة المنهجية والأسئلة الأساسية للنقد الأدبي؛ فمنذ تجديد العقل الفلسفي، أي منذ عصر النهضة التي أرادت أن تكون نهضة للفنون والعلوم، أفضت هذه العلاقة إلى تأثير متبادل مباشر وحيوي، أي إلى أخذ وعطاء دائمين بين الجانبين. لكن حقبة التنوير مضت بهذه العلاقة خطوة أخرى نحو الأمام، إذ فهمت الوحدة القائمة هنا بمعنى آخر، أي بمعنى جوهري صارم. فهي لم تنظر إليها بوصفها وحدة سببية فحسب، وإنما بوصفها وحدة أصيلة وجوهرية أيضًا بين الفلسفة والنقد. ولم تعتقد أن الفلسفة والنقد مرتبطان ومتناغمان في مفاعيلهما المباشرة فحسب، بل افترضت وبحثت عن وحدة وجود بينهما. ومن هذه الفكرة وهذا المطلب المتعلق بالوحدة بينهما، نشأ علم الجمال المنهجي".

اقــرأ أيضًــا

 

فعاليات