الدولة ومجتمع الولاية في الامبراطورية العثمانية

الموصل 1540-1834

صدر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب الدولة ومجتمع الولاية في الامبراطورية العثمانية – الموصل 1540-1834، وهو ترجمة سلوى زكو لكتاب دينا رزق خوري State and Provincial Society in the Ottoman Empire - Mosul, 1540-1834 الذي تسرد فيه تاريخ مدينة ومنطقة تعرضت بيئتها الثقافية والإنسانية لتدمير منهجي. هذا كتاب أكاديمي، لكنه أيضًا كتاب ذاكرة تاريخية. فالموصل مدينة تواريخ عدة، تروي حياة جماعات وشعوب متعددة. ومع أن كتابة هذا الكتاب تعود إلى نحو سبع عشرة سنة خلت، فقد أصبح وثيقة تذكير بغنى حياة ما كان ولاية الموصل في ظل الحكم العثماني وتاريخها وتعقيدهما.

يتألف الكتاب (432 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) من ثمانية فصول. يمثل الفصل الأول مقدمة الكتاب وفيها دراسة مصغرة عن الدولة والمجتمع والثقافة السياسية في بدايات الموصل الحديثة. في الفصل الثاني، تكوين اقتصاد محلي: المدينة والمناطق المحيطة والدولة 1540 – 1700، تجادل المؤلفة أن النمو الهائل في اقتصاد الموصل في القرن السادس عشر قد تم بطريقة أبقت على توزيع رأس المال والموارد كما كانت عليه قبل العثمانيين. استطاعت الدولة خلال النصف الأول من القرن السابع عشر توجيه إنتاجها الإقليمي نحو تمويل حروبها على الجبهة الفارسية، لكن ذلك تراجع مع تقدم القرن. أما على الجبهة العراقية، كان انبعاث القوة القبلية معتمدًا على تمكنّ القادة القبليين من تقاضي أجور الحماية المنتزعة من المجتمعات التجارية والفلاحية. مع تضاؤل سيطرة الدولة على الإنتاج في المدن والأرياف، فإن الحرفيين الذين أصبحوا متغلغلين في الانكشارية، وممارسي التجارة من السكان، حققوا درجة من الاستقلالية. وعلى الرغم من تراكم رأس المال لدى قطاعات من هؤلاء السكان، إلا أن اهتزاز الاقتصاد الإقليمي وفقدان السيطرة على الإنتاج الريفي كانا يعنيان أن مستوى الرسملة ظل منخفضًا نسبيًا.

تستكشف خوري في الفصل الثالث، الحرب ومجتمع الولاية، أثر الحرب في العلاقات بين الحكومة العثمانية وقطاعات من مجتمع الولاية. فتوقيع الدولة لمعاهدة كارلوفيتز في عام 1699 أتاح لها أن تحوّل اهتمامها إلى الحدود الشرقية وأن تعيد تنظيم سياساتها المالية. وسمحت عسكرة قطاعات واسعة من سكان الريف والحضر، وتضاؤل سيطرة الدولة على جباية الضرائب، بتجميع بعض من رأس المال عند مجموعات ريفية وحضرية مختلفة. وفي القرن الثامن عشر اتجهت الدولة إلى هذه المجموعات لتمويل عملياتها الحربية على الجبهة الشرقية وإدارتها. أوجد نمو سوق جباية الضرائب في النصف الأول من القرن الثامن عشر دعمًا أوسع للدولة في أوساط قطاعات من مجتمع الموصل الحضري. وفتحت جباية الضرائب سبيلًا جيدًا أمام التجار والانكشارية والمسؤولين الإداريين المحليين لاستثمار رؤوس أموالهم. شهد النصف الثاني من القرن تركزًا أعلى في الثروة بأيدي بيوتات سياسية محلية حاولت أن تفرض احتكارًا على تجارة السلع الزراعية.

في الفصل الرابع، عندما أكل العصملي الفتات وترك الخبز وراءه: جباية الضرائب ومجتمع الولاية، تركز خوري على مغزى التغيرات التي طرأت على فحوى جباية الضريبة. فقد حل محل سيطرة النخبة العسكرية صغار ومتوسطو الملاك ونخبة ملاك الأراضي الجديدة المقيمون في المدينة، بينهم عائلات الجليلي والعمري وياسين المفتي. نظمت هذه المجموعات الجديدة نفسها على شكل شركات تجارية بنيت على عائلات أو بيوتات ترتبط برابطة النسب، واستثمرت في شركات توليد الريع، مثل ريع الأرض أو الريع المتأتي من الصناعات الحضرية والريفية. إن التزام جباية الضريبة مدى الحياة «المالكانه»، الذي استحدثته الحكومة في بداية القرن الثامن عشر، ولّد سلسلة هرمية من المطالبات بريع الأرض، والتي امتدت من أصغر مقاول فرعي في الريف إلى الحكومة المركزية. ولم يربط التزام جباية الضريبة مدى الحياة قطاعات واسعة من مجتمع الولاية بالنظام العثماني فحسب، إنما مثّل شكلًا من أشكال السيطرة على الموارد، والتي أتاحت لحائزيها حقوق ملكية. إن طبيعة «المالكانه» هي التي كانت الأكثر جاذبية بالنسبة إلى صغار الملاك في الموصل وأتاحت دعمهم المتواصل في أثناء حقبة التنظيمات المضطربة.

في الفصل الخامس، بين الخاصة والعامة: النخب والعوام في موصل القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تتحدق خوري عن روابط العائلات بمجتمعها. فقد شهد القرن الثامن عشر على رأس السلم الاجتماعي تكوين بيوتات كبرى اشتغلت بصفة شركات اقتصادية ومقاولين للحماية والقمع ووسطاء سياسيين، وكان من بين أكثرها سطوة عائلات الجليلي والعمري وياسين المفتي وقره مصطفى. سيطرت هذه البيوتات الموصلية على حياة المدينة وهمشت القطاعات القديمة من التجار والإداريين والأكاديميين. وكان القرن الثامن عشر بالنسبة إلى الحرفيين عصر، ومع تزايد قيام صغار الملاك والنخبة بالاستثمار في دكاكين الحرفيين وأدوات عملهم، هبط قطاع من الحرفيين إلى مجرد مستأجرين. كما أتاح إنشاء الأوقاف من نخبة المدينة لقطاع غير قليل من السكان أن يحصل على حقوق الريع، وغالبًا ما كان يبيعها هذه الحقوق.

في الفصل السادس، لغة السياسة: آراء في السلاطين والفساد وضرائب الأرض، ترى الباحثة أن صعود صغار الملاك المقيمين في المدينة، وكذلك البيوتات المحلية، اقترن بصوغ أجندة سياسية كانت مناهضة للنظام الجديد. وقد تطورت أيديولوجيا المعارضة هذه عبر إعادة تفسير الخطاب الإسلامي لأواخر العصر الوسيط وبدايات العصر الحديث، حول حدود سلطة السلطان في إقامة العدل وفي سيطرته على ضرائب الأرض. إن تفسيرًا «سلفيًا» وحرفيًا أكثر للدور الحقيقي للسلطان في المجتمع الإسلامي تولدّ من الهزائم على يد أوروبا، واستخدم من صغار الملاك أداة للمعارضة. في الوقت نفسه، ونظرًا إلى أن بيع المناصب كان محتكرًا من بيوتات الولاية، فإن صغار الملاك هؤلاء وحلفاءهم شنوا هجومًا على الفساد والمحسوبية. ونظرًا إلى أن منح التزام جباية الضريبة مدى الحياة كان يتزايد باطّراد، فإن صغار الملاك هؤلاء ادعوا بحقوق ملكية أكبر للريع وذلك بإحياء سجالات أواخر العصر الوسيط وأوائل العصر الحديث حول طبيعة ضرائب الأرض.

تحلل خوري في الفصل السابع، ممارسة شؤون السياسة، التحولات في الثقافة السياسية، الريفية والحضرية، منهية بتقرير عن التمرد ضد آل الجليلي من عينة من سكان الموصل. وفيما صاغ المؤرخون المحليون التمرد بلغة تحزبية، إلا أنه كان بالفعل حركة ذات قاعدة واسعة يتقدمها تحالف متوسطي الملاك والتجار وقادة الحرفيين ضد الممارسات الاحتكارية للعائلة القائدة. لقد وفرت هذه المجموعات العمود الفقري لإصلاحات التنظيمات في الموصل، وصورت نفسها بوصفها الوكيل الجديد للحكومة الإصلاحية. وتضمن خوري الفصل الثامن والأخير، استنتاج، خلاصة دراستها هذه.

اقــرأ أيضًــا

 

فعاليات