نظّمت وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مساء الإثنين 28 نيسان/ أبريل 2025، جلسة نقاشية لكتاب Tribal Reawakening and the Future of State-Building in Kuwait and Qatar (الصحوة القبَلية ومستقبل بناء الدولة في الكويت وقطر)، لمؤلفته مريم الكواري، مديرة مركز دراسات الخليج والأستاذة المساعدة في العلاقات الدولية بقسم الشؤون الدولية في كلية الآداب والعلوم بجامعة قطر. وقد أدار الندوة سعيد الهاشمي، الباحث الزائر في الوحدة.
صدر الكتاب مطلع عام 2025، وهو يتناول تاريخ القبائل ودورها في تشكيل الدولة الحديثة في كل من الكويت وقطر، ويُقدّم سردية مغايرة للمنظور السائد الذي يُصوّر القبيلة كيانًا سياسيًا واجتماعيًا يعارض الدولة الحديثة. ويجادل بأنّ القبيلة، وتحديدًا في الكويت وقطر، أدتأدت دورًا بارزًا في تشكيل الدولة الحديثة وبناء الأمة، سواء في حقبة ما قبل النفط أو حتى بعد الاستقلال.
استُهلّت الجلسة بعرض الكواري كتابها، المكوَّن من مقدّمة، وخمسة فصول، وخاتمة. فقد احتوت المقدّمة على تقسيم الكتاب ومنهجيّته وتفاصيل العمل الميداني المُنجَز، وآلية جمع البيانات. واستعرضت في الفصل الأول نشأة آل صباح وآل ثاني بوصفهما أسرتين حاكمتينأسرتين حاكمتين، والتحديات التي واجهتهما، ولا سيما في حقبة ما قبل الاستقلال وتشكّل الدولة. وتناولت في الفصل الثاني أثر القومية العربية فيفي الهويتين القبلية والوطنية، في حين فصّل الفصل الثالث في مسارات بناء الدولة والهويات المتنازعة، ولا سيما في الثمانينيات والتسعينيات. أمّا الفصل الرابع فناقش صعود السياسة القبلية والقبائل السياسية، مسلطًا الضوء على الحياة البرلمانية في الكويت، والانتخابات في قطر. وفي الفصل الخامس، ناقشت المؤلفةالقبيلة وتقاطعاتها في المجتمع الحديث وقضايا المرأة؛؛ أي الأبعاد الاجتماعية. وفصّلت في الخاتمةفي التحديات والقيود التي تواجهالتي تواجه البحث المستقبلي.
أشارت الكواري إلى أنّ الكتاب هو امتداد لمشروع رسالة الدكتوراه التي أنجزتها في جامعة إكستر في بريطانيا عام 2021. وتحدّثت عن التصنيف القبلي الذي يحدث في بلدان الخليج، بدءًا من المدرسة وصولًا إلى المستويات الوطنية والعربية والإقليمية. ويتداخل موضوع القبلية مع مسألة الهوية بحسب رأيها، وهو ما يدفع الفرد إلى التصرف بطريقة معينة، ويدفع الآخرين إلىالآخرين إلى التصرف تجاهه بطريقة معينة أيضًا. وقالت إنّإنّ صحوة القبيلة أو إحياءها في منطقة الخليج يتجاوز كونها ظاهرةً مؤقتةً، لأنهالأنها أحد العوامل التي تؤثر فيفي شرعية الدولة؛ ما؛ ما يعني أنّ القبيلة لم تنتهِ في يومٍ ما، وهي موجودة لكنّها في حالة هبوط، ويجري إحياؤهاإحياؤها بحسب الحاجة.
وانتقلت إلىإلى الحديث عن أنّ معظم الأدبيات يشوبها خلط بين القبيلة والقبلية، لكنّ الواقع يقول بوجود اختلاف بينهما؛؛ فالقبلية مكون اجتماعي أساسي في المجتمع، وصفها ابن خلدون بأنهابأنها إطار اجتماعي سياسي سابق على وجود الدول. وما يعزز القبلية هي العصبية، وهي ما يجمع القبيلة. والقبلية مفهوم معقد لكن ينظر إليه على أنّه هوية متنوعة لتعزيز مفهوم المواطنة، وفي الوقت نفسه ربّما يكون عائقًا لتكوين الدولة القومية. وأكّدت الكواري بأنّ القبلية تجمع أنظمة معقدة من التبادل، وأنّ القبلية في قطر مختلفة عن القبلية في الكويت، كما استنتجت من عملها الميداني.
أسهم في مناقشة الكتاب وأفكاره الأساسية ثلاثة من الأكاديميين المتخصصين فيفي الموضوع، كانت أولهم العنود الشارخ، مديرة "ابتكار للاستشارات الاستراتيجية"، والزميلة المشاركة في برنامج تشاتام هاوس للشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومعهد دول الخليج العربي في واشنطن، وعضوة المجلس الاستشاري للوحدة. أشادت الشارخ بالبحث ومنهجيته، التي اعتمدت - من جهة - عملًا ميدانيًا متنوعًا، فضلًا عن التأمل الذاتي الدقيق للمؤلفة بوصفها باحثةً محليةً.. ومن جهة أخرى، ركّزت المنهجية على حالتي الكويت وقطر، وهو تضييق يتيح - بحسب الشارخ - تحليلًا أعمق للطرائق التي تتشابه بها مظاهر القبلية وممارساتها داخل كل دولة، ويسمح بمقارنة الاختلافات التاريخية في التطور في كلتا الدولتين، ودور التركيبة السكانية المحلية وحجم الأسر الحاكمة في ذلك. ونوّهت الشارخ بنقاش المؤلفة لأدوار القبائل المتغيرة، وتسييس هذا الدور في سياق السجال على التجنيس، والهوية الوطنية، والمواطنية وما يميزها من سمات، يشكل الإرث القبلي أحدها.. ورأت أن الكتاب يسلّط الضوء على فصل مهم في التاريخ الخليجي الحديث، غالبًا ما يُساء فهمه، وهو تفاعل المسألة القبلية مع القومية العربية وبناء الدول الحديثة ما بعد الاستقلال، وصعود عوائد النفط. وأشارت إلىالمواءمة بين المجد القبلي والشعور بالمواطنة، إذ تسعى العوائل الحاكمة إلى إحداث توازن بين القبائل وخارجها. وخارجها. وذكرتأنه إذا كان ثمة افتراض بأن المواطنات والمواطنين الخليجيين يحرصون على ربط انتمائهم بجذور قبلية، وهو الأمر الذي يفسر الحيوية المستمرة للنقاشات عن القبيلة، فإن واقع الحال يكشف أنه في الدولة الخليجية الحديثة، قد تكون الجدارة أهم من النسب، والوحدة الوطنية أهم من الهيراركية القبلية.
ورأىورأى يعقوب الكندري، أستاذ الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع في كلية العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت، ومدير مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية فيها، أنّ الكتاب ينتمي إلى حقل السوسيولوجيا السياسية، ولا يخلو - في الوقت نفسه - من جوانب أنثروبولوجية، وتاريخية، وسيكولوجية.وسيكولوجية. ثم أجمل ملاحظاته في سبع نقاط، تتعلّق الأولى بمفهوم "القبيلة" نفسه؛ إذ رأى أنه على الرغم من تنوع القبيلة (منها الرعوية، والزراعية، والبحرية)، فقد قصرت الكواري دراستها على نمط محدد، هو القبيلة البدوية، وهي محقة في ذلك، لأن القبيلة في الكويت وقطر مرتبطة بالبداوة. وتتعلق الملاحظة الثانية بعلاقة القبيلة بنشأة الدولة في قطر والكويت، حيث تأسّست الدولة (الخليجية على نحو عام) باتصال وثيق مع المكوّن الاجتماعي القبلي. ومع ذلك، رأى في ملاحظته الثالثة أنه على الرغم من القواسم المشتركة، يتحدد وضع القبيلة من خلال الوضع السياسي، وهو ما ينتج اختلافات في حالة القبيلة في كل دولة. أما الملاحظة الرابعة فتتعلق فتتعلق باستمرارية وجود القبيلة في المجتمع، مستفيدة من التخادم بينها وبين الدولة، وهو ما يخلق - من جهة - (بحسب الملاحظةالخامسة) سمات سوسيولوجية، تسم المجتمع المعاصر بالهوية القبلية، فينتج تقارب السكن، وزواج الأقارب، والاعتزاز بالنسب، والتناصر والتعاضد.. ومن جهة أخرى، يعمل (بحسببحسب الملاحظة السادسة) على اندماج أبناء القبائل بالدولة؛؛ إذ نجحت القبيلةُ بأن تكون وسيطًا بين الفرد والحكومة، لذلك يحرص أبناء القبيلة على أن يصل أعضاؤها إلى أعلى المستويات الوظيفية. وتتعلق الملاحظةالسابعة بالمرأة القبلية، فرأى الكندري أن الدور الكبير للمرأة البدوية في مجتمع ما قبل النفط، تقلّص بشكلٍ كبير في حقبة ما بعد النفط.
أخيرًا، قدّم رشيد جرموني، الأستاذ الزائر في برنامج علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بمعهد الدوحة للدراسات العليا، وأستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة مولاي إسماعيل بمكناس في المغرب، قراءته للكتاب، الذي رأى أنه يضيف لبنة مهمة، ويحرك المياه الراكدة في موضوع القبَلية، مشيدًا بجرأة المؤلفة في الطرح، التي قلّما توجد في الكتابات الأكاديمية في المشرق، بحسب رأيه؛؛ فهي مسّت تابوهات اجتماعية وسياسية مسكوت عنها، مثل قضايا التجنيس، والمواطنة، وسواهما.. ورأى أن الكتاب يمكن أن يسهم في تطوير النمذجة التي وضعها السوسيولوجي الكويتي خلدون النقيب لعلاقة الدولة بالمجتمع في بلدان الخليج، بحيث تأخذ في الاعتبار التطورات التي شهدتها المنطقة منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ابتدأ جرموني بملاحظات منهجية؛؛ إذ رأى أنه يمكن توصيف الكواري بأنها تنتمي إلى ما يسميه الأنثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي "مقاربة الداخلي والخارجي"، الذي يفيد من صلته الذاتية بالموضوع، ومما يستبطنه من المنهج الانعكاسي، ليُنتج معرفة تكون قادرة على مساءلة الموضوع المبحوث. وذكر جرموني أن المؤلفة وفقت ترجمة هذا المنهج في دراستها. وأثنى على حذر المؤلفة في استعمالها مفهوم "القبيلة"، وتبنيها تعريفًا مرنًا وديناميًا، يعكس وعيها بأن للمفهوم معاني مختلفة، فـ "القبيلة" في أصولها الهندو-أوروبية، لا تطابق "القبيلة" في منطقة الخليج. أمّا في مفهوم "الدولة"، فرأى جرموني أنه ما كان ينبغي للمؤلفة أن تتوقف عند المقاربات الكلاسيكية التي أصّلت للدولة ووظيفتها، بل كان ينبغي لها أن تتعمق أكثر، كما كان ينبغي لها أن تتعمق في فهم العلاقة بين الدولة والقبيلة، انطلاقًا من أسئلة عديدة، منهاأسئلة عديدة، منها: هل احتوت الدولةُ القبيلةَ؟ وهلوهل بقيت الأخيرة حاضرة مع نزع أهم صلاحيتها المتعددة، فلم تعد سوى هيكل فارغ؟
واختتم جرموني مناقشته بسؤالين رأى أنهما يمكن أن يشكلا مشروعًا بحثيًا مستقبليًا للكواري: كيف يمكن استدراك مفهومي القبيلة والقبلية في الفعل السياسي اليوم ومستقبلًا؟ وما صلة القبيلة بالهوية القومية المتخيلة التي تجري صناعتها؟؟ وهل يحدث تمييز بين المواطنين على أساس عناصر متخيلة؟
واختُتمت الجلسة بتعقيب من الكواري، فاتفقت على صعوبة تحديد مفهوم "القبيلة"، وأنهوأنه على الرغم من الامتياز الذي تمتعت به لكونها باحثة من الداخل، فإنها واجهت صعوبات متأتية من انتمائها إلى قبيلة محددة، فكانت غالبية المقابلات في قطر لأفراد من قبيلتها، في حين كانت المقابلات في الكويت أكثر سلاسةً وتنوعًا.
وقد شهدت الندوة إقبالًا وتفاعلًا واسعَين. وطرح عددٌ من الحضور أسئلة من قبيل إشكالية التماهي بين القبلية والبداوة، وتحويل القبلية إلى فعل سياسي في الدولة الحديثة، والخلط بين القبيلة والقبلية، وماهية الصورة الشاملة لوضعية القبائل ووجودهاووجودها في العالم العربي، وتفاصيل العمل الميداني الذي أنجزته الكواري في إطار التحضير للكتاب، وطبيعة الصحوة القبلية، والتصورات النمطية عن القبيلة في بلدان الخليج، وتأثير ريعية الدولة الخليجية فيفي القبيلة.