بدون عنوان

مقدمة

يغطي هذا التقرير الخُلاصي أبرز القضايا والإشكاليات في موضوع "الهجرة والشباب العربي: الهجرة والمستقبل"، ضمن أعمال المؤتمر السنوي السادس للعلوم الاجتماعية والإنسانية، والذي عقده المركز خلال الفترة 18 - 20 آذار/ مارس 2017 بالدوحة، بمشاركة (65) باحثًا وباحثة مختصًا*. وقد اختار المركز هذا الموضوع في محور العلوم الاجتماعية لمؤتمره السنوي وكذلك للجائزة السنوية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، نظرًا إلى أهميته وما تثيره مسألة هجرة الشباب العربي الدولية من أسئلة وقضايا تنموية واجتماعية وسياسية وثقافية مختلفة، إضافة إلى كون الهجرة أصبحت تشكل حاليًا ومستقبلًا أحد الرهانات الأساسية في العلاقات الدولية.

طرح المركز هذا الموضوع في ضوء منهجه في تحديد موضوعات المؤتمرات السنوية للعلوم الاجتماعية والإنسانية على أساس نتائج بحث واستطلاع لفرقه البحثية النوعية المختلفة، وهي تضم باحثين مقيمين ومتعاونين متعددي الاختصاصات. ويأتي في مقدمة هذه الفرق في المركز فريق استطلاع الرأي العام العربي (المؤشر العربي) الذي يجريه هذا الفريق سنويًا منذ عام 2011، وقد أصدر نتائجه للعام المنصرم 2016**. ويقدم المؤشر العربي مساهمة إضافية موثوقةً علميًا ومحدّثة في موضوعه، من شأنها أن تكون قاعدة معلوماتية ثرية تعتمدها الدراسات العربية، وكذا واضعو السياسات ومتخذو القرارات لفهم هذه الظاهرة واستمراريتها.

اهتم المركز، خاصة في ضوء نتائج عمل فريقه الاستطلاعي للرأي العام، بموضوع الهجرة، وفتح المؤتمر السادس أمام الباحثين العرب المعنيين بدراسة تلك الظاهرة. واستقبل في هذا السياق 155 مقترحًا بحثيًا، واستلم 47 بحثًا أقرّ منها 31 بحثًا بعد تحكيمها.

وتعبّر هذه البحوث عن مستوى أساسي من التفكير العلمي العربي حول هذه الظاهرة، وذلك على مستوى معالجاتها الجديدة لهذا الموضوع أو إضافاتها البحثية، بوصفها تمثل أحدث الدراسات العلمية المنجزة. وطرح المركز هذا الموضوع من زاوية رؤيته الإستراتيجية لتطوير البحث العلمي العربي في العلوم الاجتماعية، وربطه بالقضايا الأساسية التي تواجهها المجتمعات العربية. ووضع في إطار هذه النظرة إشكاليات الهجرة والتنمية في البلدان العربية؛ إذ أبرزت نسبة الشباب المرتفعة الذين يرغبون في الهجرة من بلدانهم إشكاليات التنمية وتحدياتها، وعجز النماذج والبرامج والسياسات التنموية السائدة التي اتبعتها الحكومات ودوائر صنع القرار والسياسات عن استيعاب الشباب وإدماجهم في عملية التنمية. ويكشف هذا العجز ما هو أبعد من مسألة مشكلات فرعية أو قطاعية في تلك النماذج والسياسات إلى مسألة النموذج الحوكمي - السياسي التسلطي العربي الذي تعتمده تلك السياسات، ويرفع من مستويات التهميش الاجتماعي والسياسي وهدر الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للمواطنين العرب.


الهجرة الاحتمالية

أظهرت نتائج "المؤشر العربي" لعام 2016 المرتبطة بهذا الموضوع أن اتّجاهات الرّأي العام العربي، بغض النظر عن فئاته العمرية، لا تبرز تغييرًا في نسب الذين يرغبون في الهجرة الدائمة من بلدانهم. فإذا كانت نسبة الذين يرغبون/ ينوون الهجرة الدائمة قد انخفضت على نحوٍ طفيف من 24% في عام 2011، إلى 22% في الأعوام 2012 2013 و2014، فإنها ارتفعت قليلًا في عام 2015 إلى 23%، لترتفع مجددًا في أحدث استطلاع للمؤشر العربي في عام 2016 إلى 25%؛ وهو تغيّر محدود وغير جوهري من الناحية الإحصائيّة عبر السنوات الخمس الماضية، لكنه يشير من ناحية دلالته الاجتماعية إلى أن وتيرة الرغبة في الهجرة ما زالت مستمرة، ومرشحة للزيادة في حالة استمرار الاتجاهات التي تحكم عملية الهجرة؛ وبعبارة أخرى، باتت الهجرة في العديد من البلدان العربية ظاهرة مجتمعية.

تعدّ نسبة 25% من إجمالي المواطنين الذين شملهم الاستطلاع الأخير للمؤشر العربي مرتفعة في حد ذاتها، غير أنها ترتفع في حال إعادة بنائها على أساس الفئة العمرية الشابة، وتزداد طرديًا مع توسيع التعريف الإجرائي المعتمد لتلك الفئة من الناحية العمرية.

ومما لا شك فيه أن لفئة الشباب عدة تعريفات عمرية؛ بين التعريف الدولي للأمم المتحدة (15-24 سنة) وتعريف البنك الدولي (15-25 سنة)، وبعض التعريفات الأخرى التي تحددها بـ (15-35) سنة، وربما تصل بها إلى حد 39 سنة في بعض التعريفات. وتسمح نتائج المؤشر العربي للأعوام السابقة (2011-2016) بالبناء الكمي لهذه النتائج، وفق التعريف الإجرائي الذي يعتمده الباحثون لفئة الشباب. ويبين تحليل نتائج المؤشر العربي في هذا المجال أنه مهما اختلفت التعريفات الإجرائية لفئة الشباب العمرية، فإن النسبة تظل مرتفعة، وتصل إلى أعلى مستوياتها في حال توسيع هذا المفهوم كما اعتمده المؤشر العربي ليشمل الفئة العمرية (18-35 سنة)؛ إذ تصل نسبة من يرغبون في الهجرة الدائمة وفق هذه التركيبة العمرية إلى نحو 35%.

وتعد نتائج المؤشر العربي الميدانية لعام 2016 متقاربة نسبيًا مع مثيلاتها من استطلاعات ونتائج بحوث ميدانية تتعلق بهجرة الشباب، فيما لو أخذنا تعريف فئة الشباب العمرية في الحسبان، وإن كانت هذه النتائج تبرز تقديرات أعلى نسبيًا من تقديرات تلك الاستطلاعات، وتدفع إلى مزيد من الأسئلة حول نماذج السياسة والتنمية السائدة في البلدان العربية، وتقرع جرس الإنذار أمام واضعي السياسات العمومية والخطط والبرامج التنموية ومتخذي القرارات تجاه تطور الهجرة الاحتمالية بصفتها نوعًا من الثقافة المجتمعية للشباب العربي.

لقد بلغت نسبة الشباب في الفئة العمرية (15-29 سنة) ضمن الراغبين في الهجرة بصفة دائمة إلى دولة أخرى 20% عام 2015. لكنها ارتفعت وفق تقرير منظمة العمل الدولية عام 2016 في الدول العربية من 21% عام 2009 إلى 28% عام 2015. وتتقاطع نتائج المؤشر العربي مع العديد من تقديرات هذه المنظمة وكذا مع البحوث الميدانية التي أنتجها العديد من البحوث والدراسات، ولا سيما المؤسسية منها التي تعنى بمسألة الهجرة. لكنّها تظهر نسبة مرتفعة نسبيًا لعام 2016، وهي 35% لمن هم في الفئة العمرية الشابة (18-35 سنة)، ممن يرغبون في الهجرة. ولا شك في أن هذه النسبة سترتفع ارتفاعًا مفرطًا فيما لو أدرج في الاستطلاع البلدان التي تشهد نزاعات أهلية طويلة أو حادة مثل سورية واليمن وليبيا وغيرها. وقد تم استبعادها لكون فئاتها المهاجرة في الظروف الحالية تتعلق بحالات اللجوء وليس الهجرة.


الهجرة الشبابية العربية في مرحلة الانتقال الديمغرافي

كان من أبرز ما شخّصه المؤتمر أن الهجرات الدولية أظهرت جملة من التحولات الكمية والنوعية، كما غيرت من تركيبة المهاجرين وخصائصهم. وحدّدت بعض بحوثه التحول الرئيس للهجرات العربية في هذا السياق في الارتفاع غير المسبوق لأعداد من غادروا البلدان العربية. فما بين عامي 2000 و2014، غادر نحو خمسة ملايين مواطن عربي أوطانهم (لا تشمل هذه الأرقام اللاجئين)، أي بمعدل 350 ألف شخص سنويًّا ليستقروا في بلدان وأقاليم مختلفة من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يمثلون نحو 6.4% من إجمالي من غادروا بلدانهم الأصلية في العالم خلال المرحلة الزمنية نفسها.

على مستوى الحجم، تقدّر بعض بحوث التقرير الأخير للإسكوا ومناقشاته، الذي اعتمد على البيانات الصادرة عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة، عدد المهاجرين من البلدان العربية عام 2013 بـ 21.974.881 شخصًا، وهو ما يناهز ضعف العدد المسجل عام 1990 أي 12.091.398. وقد مثّل المهاجرون 5.9% من سكان المنطقة عام 2013 مقابل 5.3% عام 1990. وعلى الرغم من أن البيانات الدولية المتخصصة لتلك المرحلة لا تميز بين الشرائح العمرية، فإنّ هذه التدفقات تتشكل أساسًا من الشباب الذين تمثّل فئتهم العمرية (15-29 سنة) نحو 30% من إجمالي حجم السكان في المنطقة العربية، وهو ما يقارب 105 ملايين شخص.

وفي الوقت الذي أشارت فيه بعض بحوث المؤتمر في هذا المحور إلى ظاهرة تعدد الأنماط الديموغرافية - الاجتماعية في المجتمعات العربية، وهي ظاهرة لا تنفرد بها هذه المجتمعات، فإنها ركزت على النمط الجديد، ويطلق عليه اسم نمط "الانتقال الديموغرافي" (النافذة الديموغرافية)؛ ويتمثّل بارتفاع الحجم المطلق للشباب في التركيبة العمرية السكانية.

إن الحجم المرتفع للشباب من أبرز محددات المرحلة الديموغرافية الاجتماعية التي تمر بها المجتمعات العربية، حتى لو تم الاقتصار على التعريف الدولي التقليدي للأمم المتحدة للشباب الذي يحصره في الفئة العمرية (15-24 سنة)؛ إذ أظهر المؤتمر أن حجم هذه الفئة الشابة التي يرتبط بسنها الحساس تكوين الاتجاهات والقيم الأساسية للمنتمين عمريًا إليها أنّ هذه الفئة تمثّل وحدها منذ منتصف القرن الماضي نحو خمس إجمالي سكان المنطقة. وبالإجمال، تضاعف حجم الشباب أكثر من خمس مرات بين عامي 1950 و2005 ليبلغ 68 مليونًا عام 2005، بعد أن كان عددهم يناهز 14 مليونًا عام 1950.

وتوقع أحد بحوث المؤتمر إزاء النمو العام المرتقب لسكان المنطقة في العقود المقبلة أن يستمر حجم الشباب في الارتفاع بالنسبة إلى إجمالي سكان المنطقة. ذلك أن عدد الشباب في المنطقة العربية عام 2040 سيبلغ نحو 88 مليونًا أي بزيادة 20 مليونًا عن 2005. وهو الأمر الذي يجعل المنطقة أمام تحديات تنموية كبرى، وخاصة تلك المتعلقة بخلق فرص عمل جديدة؛ ذلك أن المنطقة تحتاج إلى خلق أكثر من مليوني فرصة عمل سنويًا حتى عام 2020، ومواصلة امتصاص مختلف صور البطالة.

أظهرت بحوث المؤتمر ومناقشاته بشأن هذه الإشكالية أن بلدانًا عربية عديدة قد دخلت في مرحلة الانتقال الديموغرافي، وهي المرحلة التي يطلق عليها السكانيون "النافذة الديموغرافية"، وتتميز بتراجع حجم الفئات الطفلية (ما دون الخامسة عشرة) مع نمو طفيف للفئات المسنة (+65 سنة)، مقابل زيادة حجم السكان في سن قوة العمل. وإذا كان الحجم المطلق للزيادة السكانية مستمرًا في التصاعد بتأثير ما يعرف بالزخم السكاني، فإن الزيادة الأكبر هي في الفئة العمرية التي في سن العمل، ولا سيما في فئة الشباب العمرية بالتعريف الإجرائي الواسع (15-35 سنة). وما يزال الزخم السكاني يعمل من خلال نسب الخصوبة الكلية التي لما تزل مرتفعة على الرغم من انخفاضها القياسي خلال العقود الثلاثة الأخيرة؛ إذ وصل مؤشر الخصوبة في مصر عام 2015 إلى 2.83، والأردن 3.17، والسودان 3.79، وموريتانيا 4.00، والمغرب 2.13، وسورية 2.60، والعراق 4.12. وهذا الواقع يخلق ضغطًا في سوق العمل يدفع بالشباب إزاء تعثرات عملية التنمية، وقصور الطلب الاقتصادي، إلى الهجرة غير القانونية.

يفتح الانتقال الديموغرافي الذي تشهده المجتمعات العربية آفاقًا تاريخية كبرى للاستفادة التنموية المستدامة من ذلك العرض الديموغرافي، وهو ما يطلق عليه اليوم في أدبيات السكان والتنمية مصطلح "الهبة الديموغرافية"، وعموده الفقري هو الشباب. وتشير الدراسات القياسية لدول شرقي آسيا إلى أن التغيرات السكانية ممثلةً بارتفاع نمو السكان في سن العمل قد ساهمت بنسبة 40% من النمو الاقتصادي بين عامي 1970 و1990 في هذه الدول، بل يذهب بعضها إلى حد تقدير أن 50 إلى 70% من هذا النمو قد تم بفضل هذه التغيرات المواتية، وارتفع فيه نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6% سنويًا، وانخفضت فيها نسبة السكان الذين يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم إلى 37%. لكنّ هذه الفرصة التنموية التي يتيحها ازدياد حجم الشباب مرهون باعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية تنطلق من إحداث عملية تنموية مستدامة تؤمن شروط الأمن الإنساني بأبعاده المتكاملة، ذلك أن هشاشة الأمن الإنساني تمثل أحد أبرز مفاعيل رفع وتيرة الهجرة عمومًا وهجرة الشباب خصوصا، ويمثل غياب هذه السياسات هدرًا تاريخيًا لتلك الإمكانية؛ لأن النافذة الديموغرافية إذا لم يتم حسن استثمارها في عملية التنمية البشرية المستدامة، ستصل إلى مرحلة انغلاق، وتهدر معها فرصة التنمية الاحتمالية.

لا بد للبحث في العلاقة بين النظم والسياسات التنموية - الاقتصادية وبين الهجرة من أن يبرز في هذا المحور. وهذا ما أشارت إليه مداخلات المؤتمر التي بحثت في قضية العلاقة بين الأنماط الاقتصادية والهجرة على المستويين النوعي والقياسي الضيق بالمعنى العلمي. وقد قدم المؤتمر في هذا المحور، والذي يعدّ من أكبر محاوره، دراسات تطبيقية ميدانية حديثة انصبت على تجارب في بلدان المغرب العربي أو حتى في التجمعات المغاربية المهاجرة خارج المغرب.

ينشأ التوتر بين العرض الديموغرافي المتمثل بزيادة حجم الشباب وعملية التنمية في عدم تلبية تلك العملية لحاجات هذا العدد الكبير من الشباب؛ ليس على مستوى التشغيل فحسب، بل على مستوى الحاجات المواطنية للشباب العربي أيضًا، في ظل هيمنة النظم التسلطية السياسية على عملية التنمية، وتقليص ما هو أساسي وجوهري فيها، وهو الفرص والخيارات؛ أي التمكين من الحرية. ومن هنا، لم يكن مفارقةً أن تندمج الحقوق الاجتماعية والاقتصادية مع الحقوق المواطنية السياسية في عمليات التغير الاجتماعي الحادة التي شهدها أكثر من بلد عربي في بدايات اندلاع حركات الاحتجاج والثورات العربية (2011) قبل تمريغها بالدم والانقلابات والاقتتالات الأهلية، وما تزال هذه المرحلة مستمرة بكل تعقيداتها وتمثّل مرحلة انتقالية في التاريخ الحديث لهذه المجتمعات. وفي هذه المرحلة الانتقالية، فإن التوتر بين زيادة العرض الديموغرافي لقوة الشباب في هذه المجتمعات وإخفاقات السياسات التنموية السياسية السائدة في توفير فرص العمل وإطلاق عملية تنموية مستدامة سيبقى حافلًا بالتوترات والمفاجآت، ما لم يترافق الانتقال الديموغرافي مع انتقال ديمقراطي مؤسسي قائم على فهم التنمية بصفتها خيارات وفرصًا؛ أي حرية يمتلك فيها الشباب العربي نفسه، ويكون صوته مسموعًا. فالشروط التي حكمت اندلاع حركات الاحتجاج والثورات والتي كانت في معظمها نتاج إخفاق الانتقال المؤسسي الإصلاحي ما تزال مستمرة. وتُعدّ الهجرة الفعلية والهجرة الاحتمالية في وقت واحد من أبرز نتائج هذا التوتر.

وقد أكّد أكثر من بحث في المؤتمر ما لحظته نتائج المؤشر العربي من ارتفاعٍ في نسبة هجرة الشباب الاحتمالية في بعض البلدان العربية. كما طرح المؤتمر على النقاش مسألة العلاقة بين ارتفاع هذه النسبة بمصر وبين الانقلاب العسكري الأخير وما تلاه، وحدود الدور الذي كان لهذا المتغير في ارتفاع نسبة الذين يفكرون في الهجرة، إضافة إلى العوامل المعروفة.

كانت نتائج المؤشر العربي لعام 2016 قد أظهرت ارتفاعًا ملحوظًا في مصر؛ ذلك أن نسبة الذين يرغبون في الهجرة أصبحت 21% في عام 2016 مقارنة مع 15% في عام 2015، وكانت هذه النسبة لا تتجاوز 8% في عام 2011 بناء على أنها سنة الأساس بالنسبة إلى المؤشر. وبيّنت بحوث المؤتمر بأسلوب تحليلي كمي ونوعي أن مصر لم تدخل نادي مصدري الهجرة غير الشرعية (غير القانونية) إلى جانب كل من ليبيا والمغرب وغيرهما فحسب، بل غدت إحدى معابر الهجرة أيضًا.

أولت بحوث المؤتمر أهمية خاصة إلى الحالة المصرية" المميّزة" التي تطرح أمام الباحثين التنمويين المعنيين بتحليل العلاقة بين الهجرة والتنمية بمعناها البنيوي الحقيقي، وفي جوهرها التنمية المؤسسية الديمقراطية التي تنقل المجتمع إلى الديمقراطية، مسألة العلاقة الحقيقية بين الانتقال الديموغرافي في العديد من البلدان العربية والانتقال السياسي المؤسسي الديمقراطي أو الانتقال المؤسسي الإصلاحي الجدي الذي يضع البلاد أمام حالة تطور ديمقراطي. وتثير بحوث هذا المحور المهمة في موضوع الهجرة إشكالية العلاقة بين دالة الهجرة بوصفها ناتجة من ضعف الاقتصادات العربية في تشغيل الشباب وتلبية حقوقهم الاجتماعية والمواطنية ودالة الانتقال السياسي المؤسسي الإصلاحي الديمقراطي التي غدت بالنسبة إلى الشباب العربي" طبيعية"، وليست مسألة مؤجلة أو خاضعة لترتيب الأولويات. فالمسألة تتمثّل باستيعاب هذا الارتفاع في نسبة الشباب في التركيبة العمرية ببناء قدراته وإحداث عملية تنموية حقيقية تستثمر طاقاته، وتعطيه صوتًا مسموعًا في الفضاء العام، وتستجيب لتطلعاته التي لم تعد تنحصر في التشغيل فحسب، بل تمتزج بالتطلع إلى الحقوق المواطنية أيضًا.


هجرة المرأة العربية

تمثّل النساء منذ بدايات القرن الواحد والعشرين ما يناهز نصف عدد المهاجرين في العالم (49.6%)؛ أي ما يقارب 94.5 مليون مهاجرة بحسب تقرير "صندوق الأمم المتحدة للسكّان" لعام 2005؛ ومعظمهن غير مسجلات في بلدان الاستقبال ويعملن في مجال التمريض والترفيه والخدمات. وقد دفعت هذه الظاهرة بالباحثين في سوسيولوجيا الهجرة إلى الحديث عن ظاهرة تأنيث عالمي للهجرة الدولية وتحوّل صامت في خصائصها.

لقد اهتم المؤتمر بدراسة هجرة الفتاة العربية، وأبرزت بعض بحوثه تغير الصورة التقليدية المرتبطة نمطيًا بنموذج الشاب المهاجر إلى صورة الفتاة المهاجرة. ومن الناحية الوصفية، توقفت هذه البحوث عند تصنيف بعض تقارير الأمم المتحدة لتوزع المهاجرين من البلدان العربية بين 57.3% من الذكور و42.7% من الإناث. وهي نسبة أدنى من متوسط نسبة هجرة النساء في العالم، لكنها تعبّر في بعض مستوياتها عن تغير كبير في نظام القيم السائد في المجتمعات العربية، ولا سيما حين ترتبط بظاهرة هجرة الفتاة غير المتزوجة.

وتبرز المرأة العربيّة الشابة بدورها متغيّرًا مستجدًّا بدا أكثر بروزًا من ذي قبل في مختلف أصناف الهجرة من مختلف البلاد العربيّة مشرقًا ومغربًا. ولكنّ ظاهرة هجرة النساء تظلّ مع ذلك رقمًا شبه غائب عن مساحات البحث والدرس. وتكاد المكتبة العربيّة تخلو من دراسات معمّقة تستهدف التناول العلمي لظاهرة هجرة النساء من بلادنا العربيّة. ومن المؤكّد أنّ نسق البحث العربيّ في مجال العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة لا يزال يجهل الكثير عن مختلف تلك التجارب والممارسات والدوافع والمسببات القائمة وراء ظاهرة الهجرة النسائيّة باستثناء الفهم النمطي لما هو ظاهر منها أو متوقع بشأنها، والذي يرتبط بمفهوم الدراسة التي تتحول إلى هجرة أو الزواج. إن أحدث التقارير الصادرة عن جامعة الدول العربيّة بعنوان "التقرير الإقليمي للهجرة الدولية العربية: الهجرة الدولية والتنمية 2014" لم يتعرض للهجرة غير المشروعة للنساء، سوى بالإشارة إليها بصفة محدودة جدًّا. وإذ تعتني بعض البحوث بالمرأة المهاجرة من بعض دول العالم إلى دول المنطقة العربية، فإنها تهمل ظاهرة هجرة المرأة العربية إلى الدول الأخرى، وكأن المرأة العربية لا تهاجر إلّا بصفة زوجة أو لطلب العلم.

رصدت بحوث المؤتمر معالم بروز موقف "متسامح" جديد تجاه هجرة المرأة في كل من المجتمع اللبناني والمجتمع المغربي. ووفق نتائج البحث في الحالة اللبنانية، رصدت البحوث والمناقشات ليونة موقف الأهل والمجتمع ومرونته عمومًا من هجرة الفتاة اللبنانية في عمر متدنٍ "نسبيًا"؛ ما جعله أمرًا لافتًا للانتباه. كما رصد بحث آخر بالنسبة إلى حالة المغرب، تشكل مواقف مجتمعية مثمنة لهجرة الإناث، حتى اللواتي يهاجرن خارج إطار التجمع الأسري، واستنتج البحث أن هذا يفسر التطور الذي عرفته الهجرة النسوية في المغرب ابتداءً من أواسط الثمانينيات.

أظهرت بحوث هذا المحور أن الدول العربية، سواء أكانت مشرقيّة أم مغاربيّة، لم تنأَ عن المنحى العالمي الجديد لهجرة النساء الدولية، لتكثف ظاهرة هجرة النساء في السنوات الأخيرة في نمط الهجرة العربية الشبابية؛ إذ يسجّل الأردن ولبنان على سبيل المثال معدّلات هجرة نسائية مرتفعة، وبحسب قسم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة تجاوزت معدلات هجرة النساء بلبنان معدلات هجرة الرجال في عام 2005. وبلغت الهجرة في أوساط اللبنانيات نحو 11% (378 ألف امرأة مهاجرة) من مجمل عدد السكّان مقابل 8% في أوساط الرجال. وأمّا في الأردن فتساوت معدّلات الهجرة بين الذكور والإناث تقريبًا (19.99% من مجمل السكّان بالنسبة إلى الذكور و19.15% بالنسبة إلى الإناث). أمّا الأرقام الكلية لهجرة المرأة العربية الدولية فتشير عمومًا - لكن من دون تمييز بين المرأة المنفردة التي تهاجر من دون روابط أسرية أو زواجية والمرأة المتزوجة - إلى تربع المرأة المغاربية على رأس القائمة على المستوى الإقليمي، بينما يبلغ حدها الأدنى في مجموعة دول الخليج.

لقد بينت بحوث هذا المحور ومناقشاته الاتجاهات الجديدة المسكوت عنها أو غير المدروسة في هجرة الفتاة العربية الشابة، ومنها الهجرة غير الشرعية، وبروز ظاهرة هجرة النساء العربيات إلى بعض الدول العربية التي تمر بنزاعات مسلحة شديدة أو باقتتالات وتمزقات أهلية، وكذلك بروز ظاهرة هجرة النساء من تلك الدول الفاشلة عبر" قوارب الموت"، ونشوء مشكلة الأطفال القصر مع بعض النساء المتزوجات المهاجرات. وفي ذلك تبنت بعض بحوث هذا المحور مفهومًا مرنًا للهجرة يشمل المهاجرين بهدف اللجوء بوسائل وصول غير شرعية أو غير نظامية إلى "الجنة الموعودة" للتعويض عن فقدان الأمن الإنساني.


هجرة الكفاءات

كان أحد أبرز محاور اهتمام المؤتمر متمثّلًا بهجرة الكفاءات العربية التي تميزت بتحقيقها مستويات عليا ماهرة من قدرات رأس المال البشري، وصولًا إلى أعلاها المتمثل برأس المال المعرفي، وهو الذي يمثّل القوة الحقيقية في ما يطلق عليه الاقتصاديون الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج (TFP). وقد تم تحليل هذه الإشكالية في كثير من البحوث والمقالات النظرية والمسوحات التطبيقية وكذلك الدراسات السياساتية المتعلقة بأشكال استعادة الكفاءات بأساليب وبرامج جديدة، وبطريقة تدفع إلى الاعتقاد أن هذا الموضوع قد كان الفرع الموضوعاتي الأكثر جدية، ليس لدى الباحثين فحسب، بل ولدى واضعي السياسات أيضًا. لكنّه ما يزال مفتوحًا للبحث انطلاقًا مما تراكم في مجاله، لتدقيقه من جهة، ولتأكيده في مرحلة إخفاق السياسات التنموية في استعادة الكفاءات المهاجرة.

ما تزال الهجرة الاحتمالية لخريجي التعليم العالي في معظم البلدان العربية تمثّل أكثر من نصف الشريحة التي ترغب في الهجرة الدائمة، كما أن الهجرة الفعلية لأصحاب الكفاءات ما تزال مستمرة في التصاعد، ولا سيما في دول المغرب العربي. فقد أبرزت بعض بحوث المؤتمر أنّ نسبة المغاربيين، ولا سيما الجزائريين من ذوي الكفاءات الجامعية، ارتفعت من 9.2% عام 1990، إلى 17.6% عام 2000، ثم إلى 22.3% عام 2010، وأن هجرة الكفاءات من المغرب العربي قد بلغت نحو 52% من حجم هجرة الكفاءات العربية. وتستحوذ أوروبا على نحو 86% منها، مقابل 6% في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، و8% في أفريقيا وأميركا الشمالية بنسبة 4% لكل منهما.

ما تزال وتيرة هجرة كفاءات رأس المال البشري والمعرفي العربي مستمرة. وقد أبرزت بحوث المؤتمر في هذا المجال أن وتيرة هجرة هذه الكفاءات أو عدم عودتها إلى وطنها ترتفع مع ارتفاع مستواها العلمي. وهذه نتيجة محبطة تشير إلى العوامل الطاردة لتلك الكفاءات في المجتمعات الوطنية للدول العربية؛ ذلك أن حجم المهاجرين من تلك الكفاءات فاق دومًا حجم العائدين، وتختلف مستويات الطرد كميًا لكنها لا تختلف نوعيًا. ويبدو أن شروط الطرد مفهومة جدًّا حتى من باب تقني يتعلق بمدى قابلية الاقتصادات القُطرية أو الوطنية الصغيرة والضعيفة لاستيعاب تلك الكفاءات، وليس من قبيل مدى تقديرها الوطني التنموي بالضرورة؛ وهذه مشكلة موضوعية أبرزتها بحوث المؤتمر في هذا المحور. ومن هنا، اختار المؤتمر دراسة سياسات استعادة تلك الكفاءات بأسلوب منمذج من خلال دراسة الحالة الجزائرية، وهي تعبّر عن حالة عربية. وما هدف إليه المؤتمر هو تأكيد تحليل السياسات العامة في هذا المجال ونتائجها المحبطة. وفي جوهر رسالة هذا التقرير الخلاص،ي فإنه سيكون من المستحيل على البلدان العربية تحقيق عملية نمو مستدامة في البلدان العربية من دون استيعاب هذا الجانب الحيوي الابتكاري في عملية التنمية؛ بالنظر إلى مركزيته في ما يسميه الاقتصاديون الإنتاجية الكلية لمجمل عوامل الإنتاج التي يرتكز عليها الاقتصاديون عادةً عند المحاسبة على مصادر النمو الاقتصادي، وتبين إذا كان هذا النمو قد تم توسعيًا عبر مدخلات الإنتاج الكمية التوسعية أو نوعيًا عبر إنتاجية مجمل عوامله التي تمثّل المصدر النوعي للنمو الاقتصادي - التنموي.


السياسة الأوروبية للهجرة

تعدّ دول الاتحاد الأوروبي إحدى أبرز الوجهات التي يقصدها المهاجرون العرب وأهمها. وقد عالجت العديد من البحوث قضايا الهجرة العربية إلى دول الاتحاد الأوروبي، مثل موضوع الجيل الثالث من المهاجرين في بلجيكا، وقضايا الاندماج، والهجرة الطلابية إلى الغرب، وموضوعات أخرى ذات الصلة.

وقد أخذت هذه الهجرة تكتسب سمات "الهجرة غير الشرعية"، بعد تبني الاتحاد الأوروبي سياسة أمنية تقنينية ابتداءً من أواسط الثمانينات، وهو ما يطلق عليه في المغرب العربي "الحريك"؛ وهو مصطلح مزدوج المعنى يعني تحدي المحظور وإحراق أوراق الهوية. وقد أصبح هذا المصطلح مألوفًا في الثقافة الشعبية وتبوأ مكانة متميزة في تحليل ظاهرة الهجرة. وقد أبرزت جملة من البحوث أن ما يقارب ثلث المستجيبين في العيّنة التي شملتها بعض تلك المسوحات أعلنوا عزمهم على اللجوء إلى الهجرة غير القانونية للوصول إلى دول الاستقبال الأوروبية، بواسطة شبكات المهربين عبر البحر.

وقد أخذت ظاهرة الهجرة غير الشرعية تتعدى حدود بلدان المغرب العربي إلى دول المشرق العربي، وقد احتلت مصر الترتيب السابع بين أعلى عشر جنسيات للمهاجرين المهربين عن طريق البحر إلى إيطاليا خلال الفترة (2012–2015). وفي عام 2014، احتلت الترتيب الحادي عشر بين أعلى الدول المرسلة للمهاجرين غير الشرعيين إلى اليونان، والترتيب العاشر بالنسبة إلى مالطا. وتعدّ إيطاليا ومالطة واليونان معابر أساسية للهجرة غير القانونية من المشرق العربي إلى أوروبا إلى جانب معابر أخرى.

وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية الموقعة على اتفاقية شينغن التي دخلت حيّز التنفيذ في تموز/ يوليو 1990 قد ضمنت حق التنقل بين دولها، فإن دولًا عديدة منها كانت قد اتخذت - قبل تدفقات الهجرة الجديدة الكبيرة إلى دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما بين العامين 2014 و2015 وبصفة منفردة - سياسات تقييدية قانونية ورقابية وتنظيمية صارمة لمكافحة الهجرة غير الشرعية والتشغيل السري. لكنّ السياسات الأوروبية ظلت بعد التدفقات الهجروية الجديدة تفتقد إلى التوحيد، وظلت تواجه عدة إكراهات وتناقضات وتطغى عليها الخلافات بين الشركاء الأوروبيين؛ وبرز ذلك على الخصوص في رفض بعض الدول لحل تقسيم المهاجرين غير الشرعيين بين دول الاتحاد ولجوء هؤلاء إلى حلول قمعية في مواجهة هذه التدفقات. كما ارتفعت نفقات إجراءات سياسة مكافحة الهجرة غير الشرعية؛ فدول الاتحاد الأوروبي أنفقت 3.11 مليارات دولار ابتداءً من عام 2000 كتكلفة لطرد المهاجرين غير الشرعيين، و6.1 مليارات يورو لحماية حدود أوروبا وتمويل مختلف المؤسسات (فرونطيكس Frontex، نظام المعلومات شينغن وغيرها)، والعمليات (تعبئة قوات الأمن، والنظام المندمج للمراقبة الخارجية وغير ذلك).


من سياسة هجرة أوروبية للعالم العربي إلى سياسة مع العالم العربي

تُعدّ الهجرة محورًا أساسيًا في العلاقات الأورومتوسطية، وتمتلك دول الاتحاد الأوروبي وكل دولة أوروبية على حدة سياسات منظومية للهجرة، ولا سيما في دول حوض البحر الأبيض المتوسط. غير أن هذه السياسات تتميز بأحاديتها، وبعدها عن الشراكة الحقيقية مع بلدان الوطن العربي المصدرة للهجرة، وبتحكم المصالح الأوروبية الأمنية - السياسية فيها أكثر من المصالح الاقتصادية.

وتذهب النظريات الإيجابية للهجرة إلى أن الهجرة من البلدان العربية تصب في حصيلتها الإجمالية في مصلحة اقتصاديات الدول الأوروبية، وتوفير اليد العاملة بسبب "تشيخ" هذه المجتمعات، وشغل الوظائف "الشاغرة" التي لم يعد الأوروبيون يقبلونها. ويمكن للهجرة أن تساهم في تقليص العجز الديموغرافي في دول الاتحاد الأوروبي؛ بسبب انخفاض معدل الخصوبة إلى 1.58، أي أقل من معدل الإحلال وهو 2.1؛ فالأشخاص الذين يخسرهم الاتحاد الأوروبي بسبب استمرار تراجع معدل الخصوبة لا يمكن تعويضهم إلّا بمهاجرين.

دعت بحوث المؤتمر إلى إعادة النظر في نظام الهجرة الأوروبي، لتحويله إلى نظام تشاركي مع الدول العربية المصدرة للهجرة يحمي مصالح كلا الشريكين وذلك باعتماده منهجية الحوار. ويقتضي ذلك تجاوز التناقض بين الحاجة الملحة إلى الهجرة بالنسبة إلى عدة قطاعات اقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي والتناقضات التي تعرفها سياسة الهجرة الأوروبية في هذا المجال منذ اتفاقية شينغن؛ أي تجاوز التناقض بين الطلب الاقتصادي والرفض القانوني، وتبني سياسة أوروبية تربوية إقناعية بفوائد الهجرة إلى أوروبا وقيمتها وحاجة أوروبا الماسة إليها في ضوء تشيخها السكاني.

من أجل تبني تصور موضوعي للهجرة، يجب إعادة النظر في الخطاب السياسي وفي الخطاب الإعلامي اللذين يعالجان الهجرة عمومًا بصورة سلبية (الهجرة غير الشرعية، ومشكلات الاندماج، والإرهاب والجريمة، والمخدرات...). ومن المؤسف أن تركز الدراسات والتقارير على هذا الجانب السلبي، محاولةً إبراز تكلفة الهجرة، بينما تظل البحوث التي تتناول الجوانب الإيجابية للهجرة قليلة. أمّا على المستوى الجيوستراتيجي، فلا يمكن لأوروبا أن تستمر في ازدهارها مع إدارة ظهرها لجيرانها في المغرب والمشرق العربي. إن الطريق الأنجع لتحقيق السلم والرخاء المشترك في الحوض المتوسطي يقتضي ألّا تكون لأوروبا سياسة للعالم العربي، ولكن أن تكون لها سياسة مع العالم العربي، وهذا هو كنه معنى الشراكة.


نحو عمل عربي دؤوب للتأثير في التناول الإعلامي الأوروبي لقضايا الهجرة واللجوء

في إطار اهتمام المؤتمر بمناقشة صورة الشباب العربي في الإعلام الغربي، جاءت دراسة صورة الشباب العربي المهاجر، من خلال بحث نموذج مجلة دير شبيغل، مع مقارنة نسبية لها بصحف ومجلات نمساوية وفرنسية مهمة تعبّر عن تيارات واتجاهات الرأي العام. وبلغت نسبة المسح التحليلي للنصوص الإعلامية في هذه المجلات والصحف 865 نصًّا ذا علاقة مباشرة بقضية اللجوء واللاجئين، وفق مراحل زمنية متعددة متقاربة في الفترة نفسها للبحث تتعلق بتحولات الموقف من اللاجئين.

لقد أظهرت بحوث المؤتمر ومناقشاته في هذا المجال أن نسبة الشباب المهاجرين من طالبي اللجوء (وهم في معظمهم مهاجرون غير شرعيين في فرنسا والنمسا من الشريحة العمرية 18-34 سنة) قاربوا 51% في كلا البلدين عام 2015. إضافة إلى هذا، تشير إحصائيات المكتب الاتحادي الألماني للهجرة واللاجئين أن نسبة طالبي اللجوء من الشباب المهاجر في ألمانيا في العام نفسه ممن هم بين سني 18 إلى أقل من 25 سنة قد بلغت 25%، بينما مثّلت نسبة من سنهم تراوح بين 25 إلى ما دون 30 سنة 15% تقريبًا. ويعني ذلك أن هناك خاصية شبابية جوهرية لهجرة "اللجوء" إلى أوروبا، وهي أحد أبرز أنماط الهجرة في عالمنا اليوم.

وبناء عليه، لا غرابة أن تركز وسائل إعلام هذه الدول على الشباب بصفتهم المكون الأساسي لهذه الهجرة. وقد أظهر البحث ثقافة الترحيب بالمهاجرين الجدد من منطلق حقوق الإنسان، كما أبرز وجود نظرة أخرى تركز على النظرة الاقتصادية المتمثلة بحاجة الاقتصاد الأوروبي والألماني إلى الشباب المهاجرين، فضلًا عن رصد صعود ثقافة النظر اليمينية الجديدة إلى المهاجرين مع انتشار الإسلاموفوبيا والنظر إلى أوروبا على أنها فسحت "ملجأ" لذوي "الطباع الوحشية"، وبخلفية أيديولوجية نمطية مُسبقة تعكس النظرة السلبية الواضحة تجاه الأجانب وبالأخص تجاه الآخر العربي المسلم. وفي تشخيصه لكل هذا، يؤكد البحث ضرورة بذل جهد عربي ملموس ومؤثر للباحثين العرب في بلدان الهجرة، من خلال وسائل الإعلام؛ لتغيير الصورة السلبية الهوياتية المعاد إنتاجها وتفكيكها لمصلحة تعزيز صورة إيجابية تجاه المهاجرين.


في الهجرة الفلسطينية

مثّلت الهجرة الفلسطينية أحد محاور المؤتمر؛ إذ يبرز المجتمع الفلسطيني نسبًا مرتفعة على مستوى الذكور والإناث في الهجرة الدولية. وأبرزت بحوث المؤتمر أن المجتمع الفلسطيني ما يزال في مقدمة المجتمعات المرسلة للهجرة. وقد بحث هذا المحور هذه الإشكالية على ثلاثة مستويات؛ مستوى الهجرة للفلسطينيين، ومجتمع "الهجرة" الفلسطيني في لبنان، و"الشتات الفلسطيني" في العالم.

في المستوى الأول، أظهرت بحوث هذا المحور، في ضوء الأرقام الوطنية، أن الشباب الفلسطيني من الفئة العمرية (15-29 سنة) يمثل نحو 30% من حجم السكان الإجمالي في "دولة فلسطين"، لكن يلاحظ تطلع فئة كبيرة منهم نحو الهجرة إلى الخارج (نحو ربع الشباب)؛ وذلك في ظل الأوضاع السائدة وارتفاع معدلات البطالة والفقر خاصة في قطاع غزة. ووفق معطيات عام 2015، فإن المجتمع السكاني الفلسطيني فتي؛ إذ ترتفع نسبة صغار السن والشباب فيه مقارنة بالفئات العمرية الأخرى نتيجة لارتفاع معدلات الإنجاب والخصوبة. فقد بلغت نسبة الأفراد في الفئة العمريـة (0-14 سنة) نحو 39% من مجمل السكان فـي فلسطين عام 2016، وبلغت نسبة الأفراد (15-29 سنة) 30%، في حين بلغت نسبة الأفراد الذين تبلغ أعمارهم (60 سنة فأكثر) 5% فقط. وأشارت الدراسة إلى أن أكثر من ثلاثة أخماس المهاجرين من فئة الشباب (15-20 سنة). لكن يلاحظ فيهم أن هجرة الكفاءات البشرية، وفق تعريف إجرائي مرتبط بتحصيل البكالوريوس، تمثّل نحو 36% من إجمالي المهاجرين للخارج.

تطرقت مجموعة أخرى من البحوث إلى هجرة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إلى خارجه. ويعيش الفلسطينيون في لبنان لاجئين، وهم الأكثر حرمانًا من حقوقهم المدنية والاقتصادية والاجتماعية "المواطنية"، والأكثر معاناة لشدة تضييق السلطات عليهم. ويعتمد ما يراوح حجمه بين 260 ألفًا و280 ألفًا من جملة 450 ألف لاجئ فلسطيني مسجل في لبنان وفق تقرير الأونروا لعام 2016، على معونات هذه المنظمة. في حين تظهر بيانات رسمية لبنانية لعدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين 592711 لاجئًا في نهاية عام 2015. ويعزى الفرق بين أرقام أونروا والأرقام الأخيرة إلى تعريف اللاجئ من فلسطين إثر نكبة 1948، بينما يعزى الفرق بين العدد المسجل والعدد المقيم فعليًا إلى الهجرة. وإجمالًا، فإن عامل الهجرة المتواصلة يفسر انخفاض حجم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان عقب نزوحهم في عام 1948 من نحو 10% من السكان المقيمين في لبنان، إلى نحو 5.5% من مجمل السكان المقيمين حاليًا على الأراضي اللبنانية.

وقد أضيف إلى حجم الفلسطينيين نتيجة الحرب في سورية (وفق أرقام أيار/ مايو 2016) نحو 40 ألف لاجئ فلسطيني مهاجر قسريًا من سورية، انضم معظمهم إلى أقربائهم أو معارفهم أو إلى العيش في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بلبنان، وكلهم يعتمدون على معونات الأونروا.

يعزى ثبات الأرقام النسبي في استقصاء عام 2010 واستقصاء عام 2016 (260 ألفًا و280 ألفًا على التوالي) إلى الهجرة الخارجية المتواصلة للفلسطينيين من لبنان؛ إذ يعاني اللاجئون الفلسطينيون في لبنان حالات العسر الشديد؛ فمن هم يعيشون تحت خط الفقر الأدنى تبلغ نسبتهم نحو 28% من عدد اللاجئين في لبنان؛ أي أكثر من الربع يعتمدون في عيشهم على ما تقدمه الأونروا من مساعدة غذائية. وهو ما يدل على الوضع المزري الذي تعيشه هذه الفئة بسبب القيود الشديدة على تشغيل الفلسطينيين في لبنان. والبطالة الهيكلية هي سمة من محددات المجتمع الفلسطيني في لبنان؛ إذ بلغ معدل بطالة الشبان والشابات عام 2014 نحو 45% و65% على التوالي، مع الإشارة إلى أن أكثر من 55% من الفلسطينيين هم دون سن الثلاثين. وترتفع هذه البطالة في أوساط الفلسطينيين المتخرجين في الجامعات والمعاهد الفنية العالية (T.S, L.T) إلى 42%، فضلًا عمن يعمل منهم في غير مجالات تخصصه وفي بعض الزوايا الضيقة التي يسمح بها القانون اللبناني. وقد حكمت مجمل الشروط التي يعيش فيها الفلسطينيون في لبنان، بما فيها انعدام شروط الأمن الإنساني في المخيمات وانتشار السلاح العشوائي واختلال الأمن، ظاهرة موجات الهجرة الفلسطينية المتتالية والتراكمية من لبنان.


توصيات وقضايا للمناقشة

تشكيل مفوضية أو مرصد استقصائي وبحثي خاص بالهجرة في جامعة الدولة العربية، يحفز الدول الأعضاء كما الدول المستقبلة للهجرة على تبني سياسة جديدة تخضع لمقاربة "رابح رابح رابح" (Triple win) للفاعلين المعنيين: المهاجر، والدول الموفدة، والدول المستقبلة، ويساعد الدول الأعضاء على وضع سياساتها في مجال الهجرة. والتشبيك بين هذه المؤسسة المقترحة ومؤسسات ومراكز البحث ومراصدها المعنية بدراسات الهجرة.عمل جامعة الدول العربية على وضع قواعد أساسية لإقامة نظام للهجرة متفاوض عليه بمنطق الشراكة مع دول الاتحاد الأوروبي والبلدان الغربية المستقبلة للهجرة، يحمي مصالح كلا الشريكين العربي والأوروبي، ويحفز السياسات القطرية العربية لكل دولة عضو في الجامعة على تبنيها في المفاوضات الثنائية.تشجيع المثقفين والباحثين العرب المهاجرين على العمل للتأثير في الرأي العام الأوروبي من خلال النظام الإعلامي المفتوح، لتغيير استمرارية الصور النمطية الدونية للمهاجر في تغذية متخيلات الرأي العام الأوروبي وتصوراته، وكبح جماح الإسلاموفوبيا، وتخفيف وطأة الاتجاهات اليمينية واليمينية الجديدة المعادية للمهاجرين أو لمن هم من ذوي أصول أجنبية.رفع معدل الإنفاق على البحث العلمي، بما لا يقل عن (1%) من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة الدنيا الموصى بها عالميًا، والربط بين الكفاءة الداخلية للبحث العلمي والكفاءة الخارجية في تفعيل عملية التنمية.الاهتمام بجودة التعليم العالي عمومًا والتعليم ما بعد الجامعي خصوصًا، وعقد شراكات فعالة مع العديد من الجامعات العالمية التي تتوجه إليها الهجرة الطلابية العربية لإكمال الطلبة العرب دراساتهم العليا.تفعيل سياسات "كسب الكفاءات" (Brain Gain) وبرامجها وأدواتها واستعادتها، مثل تعزيز الشبكات العلمية، وتفعيلها من خلال الاستفادة من تجارب دولية رائدة لكسب هذه الكفاءات، في تشيلي والمكسيك وجنوب أفريقيا والهند، وخصوصًا في الصين، مثل تجمّعات (Overseas Chinese Professionals) التي تجمع اليوم ما يناهز مليون شخص يعملون في أكثر من 200 جمعية، مع تركيزات عالية في أميركا الشمالية وتعمل كلها تحت شعار (weiguo fuwu) الذي يعني "خدمة الوطن الأم". كما يمكن لهذه البرامج استهداف الكفاءات العربية "الشابة"، من طلبة الدكتوراه أو ما بعد الدكتوراه أو المتخرجين حديثًا في مجالات الطب والهندسة والإدارة وسواها، لتسهيل استقطابهم بعد تخرجهم.الاستفادة من التجارب الدولية لبرامج نقل المعرفة (TOKTEN) عن طريق الكفاءات المهاجرة المنتمية إلى المستويات العليا من رأس المال البشري ورأس المال المعرفي، وتفعيل برامج وسياسات وهياكل برامج نقل المعرفة التي اتبعتها بعض الدول العربية، عبر ربطها بحاجات التنمية وتطوير البحث العلمي النظري والتطبيقي. تحفيز الاتحادات والمنظمات العلمية العربية المختلفة للجامعات والمدن العربية والتنمية الزراعية وغيرها على التشبيك مع الباحثين والأساتذة في مجال اختصاصاتها، وجذبهم إلى فعالياتها ومؤتمراتها وخططها وبرامجها البحثية.إعطاء الأولوية في اعتماد الخبراء للكفاءات العربية العليا المهاجرة؛ بما يساهم في الاستفادة منها في عملية التنمية، واتباع أساليب غير تقليدية في "استرجاعها".تحرير القوانين كافةً مما يشكّل عوائق أمام استقطاب المهاجرين وتحويلاتهم وتيسير عودتهم أو تواصلهم مع الوطن.وضع مفهوم الانتقال الديموغرافي في صميم الإستراتيجيات والسياسات والخطط التنموية: اعتماد سياسات تنموية مستدامة تهدف إلى تحسين شروط الأمن الإنساني في المجتمعات العربية، بما يحد من هجرة الشباب، ويوظف ارتفاع حجم الشباب في التركيبة السكانية التي دخلت مرحلة الانتقال الديمغرافي في المجتمعات العربية لتطوير عملية التنمية وتحقيق أهدافها. وإدماج مفهوم "الهبة الديموغرافية" الناتج من المرحلة التاريخية - الاجتماعية العربية الراهنة التي تتميز بارتفاع حجم الشباب في الأهداف والإستراتيجيات والسياسات والخطط التنموية.وضع الانتقال الديموغرافي في إطار سياسات الانتقال الديمقراطي المؤسسي على أساس رؤية تنموية متكاملة، تركز على التطوير المؤسسي الديمقراطي لإدارة شؤون الدولة والمجتمع في البلدان العربية، وتعزيز القدرات البشرية والمعرفية للشباب، وإتاحة المجال أمامهم للمشاركة السياسية والمجتمعية في توسيع خياراتهم وفي تنمية مجتمعاتهم، والتمكن من ممارسة حقوقهم الاجتماعية والسياسية المواطنية وتعزيز شروط الأمن الإنساني للحد من تدفقات الهجرة الخارجية.

* لا يغني هذا الملخص لبعض أبرز القضايا البحثية التي ناقشها المؤتمر عن ضرورة العودة إلى بحوثه الأصلية التي ستصدر قريبًا في كتاب.

** للاطلاع على التقرير الكامل للمؤشر العربي 2016، انظر: https://goo.gl/wk7uUG