تقدير موقف 26 يونيو ، 2012

الموقف الإسرائيليّ من الثّورة السوريّة ومستجدّاته

الكلمات المفتاحية

وحدة تحليل السياسات

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش..

منذ انطلاق الثّورات العربيّة، أبدت إسرائيل موقفًا واضحًا ضدّها وضدّ أهدافها المطالبة بإسقاط أنظمة الاستبداد والفساد في الدول العربية وإقامة نظمٍ ديمقراطيّة تحترم حرّية المواطن وتقيم العدالة الاجتماعيّة([1]).  وانطلاقًا من المفاهيم المتأصّلة في الثّقافة السياسيّة الإسرائيليّة، وفي مقدّمتها العداء للديمقراطيّة في الدول العربيّة والعداء للوحدة العربيّة وللعمل العربيّ المشترك، ناصبت إسرائيل -على نحوٍ عامّ- الثّورات العربيّة وقوى التّغيير في الدّول العربيّة العداء، وذلك عبر تصريحات مسؤولين في الحكومة وفي المؤسّسة الأمنيّة وما كتبته وسائل الإعلام وتحليلات المؤسّسة الأكاديميّة ومختصّين في الشؤون العربيّة، وشكّكت في أصالتها وفي قناعاتها وفي الأهداف التي تناضل الثورات العربيّة من أجلها([2]). وفي الوقت نفسه دافعت إسرائيل عن أنظمة الاستبداد والفساد، وخاصّةً تلك التي صنّفتها إسرائيل في خانة "الدول المعتدلة" وفي مقدّمتها مصر مبارك، وتونس بن علي. ولم تخْف وسائل الإعلام والمؤسّسة الأكاديميّة الإسرائيليّة -طوال العقود الماضية- إعجابها بإتقان أنظمة الاستبداد والفساد العربيّة عمليّة قمع شعوبها، ونجاحها في فرض أنظمة قويّة ومستقرّة بواسطة القمع الممنهج المنظّم، ولكن في الوقت نفسه كانت دولًا ضعيفة فشلت في مواجهة إسرائيل واستكانت لإستراتيجيّتها ولسياستها ولأجندتها في المنطقة.

ومنذ بدء حركة الاحتجاج في سورية التي سرعان ما تحوّلت إلى ثورة شعبيّة، أبدت إسرائيل اهتمامًا كبيرًا بها وبتطوّرات أحداثها وبإمكانيّة نجاحها. فلسورية مكانة مركزيةّ في حسابات إسرائيل، إذ خاضت إسرائيل عدّة حروب ضدّها، وهي تحتلّ جزءًا من أراضيها ما انفكّت سورية تطالب باستعادته. علاوةً على ذلك، فإنّ سورية دولة محوريّة في المشرق العربيّ، وترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران وحزب الله وبعض التّنظيمات الفلسطينيّة، وتمتلك القدرة على التّأثير في تطوّر الأحداث، وخاصّةً في منطقة الهلال الخصيب.

وعلى خلاف موقف إسرائيل الواضح الدّاعم لنظام مبارك والمعارض بشدّة لإسقاطه، كان الموقف الإسرائيليّ من النظام السوريّ ومن مسألة إسقاطه مركّبًا ومعقّدًا. وقد التزمت الحكومة الإسرائيليّة، طوال السّنة الأولى من الثّورة السوريّة، جانب الصّمت إزاء مصير نظام الرئيس بشّار الأسد، وإزاء الثورة السوريّة وتطوّر أحداثها، واتّبعت سياسة الغموض تجاه هاتين المسألتين. ولكن، بعد مرور عام على بدء الثّورة واتّضاح عمقها وشموليّتها واستمراريّتها والدّعم الدوليّ الذي أصبحت تحظى به، غيّرت الحكومة الإسرائيليّة سياستها تجاه النّظام السوريّ والوضع السّوري عمومًا، وهذا ما سنعالجه لاحقًا.

لقد تأثّر الموقف الإسرائيليّ من النّظام السوريّ ومن الثورة السوريّة -المطالِبة بإسقاطه- بجملة من المتغيّرات والعوامل المختلفة والمتضاربة في بعض الأحيان. فهناك من ناحيةٍ العوامل التي تدفع الموقف الإسرائيليّ نحو تفضيل إسقاط النظام السوريّ، وثمّة في المقابل عوامل تشدّ في الاتّجاه المعاكس. فقد تمسّك النّظام السوريّ في السّنوات الماضية بموقفه الرافض لشروط السّلام الإسرائيليّة - الأميركيّة، وظلّ مصرًّا على انسحاب إسرائيل من الجولان إلى حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967.  وأقام النظام السوريّ تحالفًا مع إيران وحزب الله وبعض التّنظيمات الفلسطينيّة، وأصبح هذا التّحالف محورًا مهمًّا في مناهضة السّياسة الإسرائيليّة - الأميركيّة في المنطقة. وعلى الرّغم من دخول النّظام السوريّ في العمليّة السياسيّة السلميّة منذ مؤتمر مدريد، ما انفكّت إسرائيل تعدّ النظام السوريّ عدوًّا لها. فهي تميّز بين من صنع علاقاتِ سلام معها، مثل مصر والأردن؛ ومن يدعم هذا الخيار، مثل المغرب والسعودية ودول الخليج والسّلطة الفلسطينيّة؛ ومن يرفض قبول الشّروط الإسرائيليّة - الأميركيّة. وترى إسرائيل أنّ من شأن سقوط النظام السوريّ أن يضع حدًّا للمحور الإيرانيّ - السوريّ المناهض لسياستها في المنطقة، وأن يُضعف إيران ويكون ضربة لها في مرحلة حسّاسة بالنّسبة إليها في إطار صراع الدول الغربيّة وإسرائيل ضدّها بشأن ملفّها النّووي. علاوةً على ذلك، يحمل إسقاط النظام السوريّ بين ثناياه إمكانيّة تغيير طبيعة علاقات سورية مع حزب الله وفكّ التّحالف بينهما، وهو ما من شأنه إضعاف حزب الله في لبنان.

ولكن من ناحية أخرى، وعلى الرّغم من كلّ ذلك، وعلى الرّغم من أنّ إسرائيل عدّت النظام السوريّ عدوًّا، إلا أنّها في الوقت نفسه تعدّه عدوًّا مريحًا نسبيًّا -منذ توقيعه اتفاقيّة فصل القوّات ووقف إطلاق النّار في عام 1974- للأسباب التّالية:

أوّلًا: احترم النّظام السوريّ منذ عام 1974 وحتّى اليوم اتّفاق وقف إطلاق النّار على جبهة الجولان، ولم يقم الجيش السوريّ منذ ذلك العام بإطلاق رصاصة واحدة على قوّات الاحتلال الإسرائيليّة من الجولان، وذلك على الرّغم من أنّ إسرائيل شنّت العديد من الحروب والاعتداءات على لبنان والفلسطينيّين راح ضحيّتها عشرات آلاف الفلسطينيّين واللبنانيّين، وعلى الرّغم من قيام إسرائيل بتدمير "المنشأة" بالقرب من دير الزور في عام 2007، واغتيالها مساعد الرئيس السوريّ العميد محمّد سليمان في طرطوس في عام 2008، واغتيالها أيضًا -في العام نفسه- القائد البارز في حزب الله عماد مغنية في دمشق([3]).    

ثانيًا: منع النظام السوريّ -بشدّة وبنجاعة- انطلاق أيّ أعمال مقاومة من جبهة الجولان.

ثالثًا: منذ مفاوضات مدريد ونهاية مرحلة البحث عن توزان إستراتيجي، اتّخذ النّظام السوريّ قرارًا تاريخيًّا بأنّ السّلام مع إسرائيل هو خياره الإستراتيجي وأنّ مسألة استعادة الجولان السوريّ المحتلّ تعالَج بالطرق السلميّة وبواسطة المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل.

رابعًا: أجرى النّظام السوريّ مفاوضات جدّية وطويلة مع إسرائيل في تسعينيّات القرن الماضي بوساطة أميركيّة، وفي عامَي 2007 و2008 بوساطة تركيّة، وأبدى استعداده لتوقيع اتّفاق سلام مع إسرائيل وإقامة علاقات طبيعيّة معها في مختلف المجالات شرط استعادة الجولان([4]).

خامسًا: أثبتت التّجربة عبر العقود الماضية أنّ بإمكان إسرائيل التّوصّل إلى تفاهمات مع النظام السوريّ -على أرضيّة المصالح المشتركة- بشأن القضايا العربيّة الأكثر حساسيّة حتّى وإن كانت المواقف العلنيّة والرسميّة للنّظام السوريّ عكس ذلك. فمثلا، كشف كتابٌ صدر في إسرائيل عن بعض هذه التّفاهمات التي جرت بين إسرائيل والنّظام السوريّ بشأن حرب إسرائيل الأولى على لبنان ضدّ الفلسطينيّين وحلفائهم اللبنانيّين في عام 1982. ففي أثناء تمهيد إسرائيل لشنّ الحرب ضدّ قوّات منظّمة التّحرير الفلسطينيّة في لبنان وحلفائها من القوى الوطنيّة اللبنانيّة، عملت على الاتّصال المباشر بالنّظام السوريّ بغرض التوصّل إلى تفاهم معه بشأن هذه الحرب، وضمان حياد سورية منها([5]). وفي هذا السّياق، اجتمع وزير الدفاع الإسرائيليّ أريئيل شارون ومساعده أبراهام تمير بالرّجل الثاني في النظام السوريّ حينئذ -رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوريّ الرّاحل حافظ الأسد- في جنيف في كانون الأوّل / ديسمبر 1981. وأكّد شارون في هذا الاجتماع على المصالح المشتركة بين إسرائيل والنظام السوريّ، وفي مقدّمتها إضعاف منظّمة التّحرير الفلسطينيّة، وتقسيم مناطق النّفوذ في لبنان بينهما بشكل واضح. وحرص شارون على إبلاغ رفعت الأسد في هذا الاجتماع بأنّ أهداف إسرائيل من الحرب التي ستشنّها على القوّات الفلسطينيّة التابعة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة في لبنان محدودةٌ ومقتصرة فقط على ضرب هذه القوّات الفلسطينيّة، وأنّ إسرائيل تعترف بالمصالح السوريّة في لبنان. وقد وقع في هذا الاجتماع تفاهمٌ شفهيّ بين شارون ورفعت الأسد بشأن الحرب التي ستشنّها إسرائيل على لبنان، ولكن من دون توقيع اتّفاقٍ مكتوب([6]).

على الرّغم من سياسة "الغموض"، وعدم الوضوح، التي تبنّتها الحكومة الإسرائيليّة تجاه الثّورة السوريّة وتطوّر أحداثها في سنتها الأولى إلّا أنّه يمكن استخلاص جملة من الأمور بشأن الموقف الإسرائيليّ منها:

1- لقد فضّلت إسرائيل منذ البداية عدم استجابة النّظام السوريّ لمطالب الثّورة السوريّة المنادية بالحرّية والديمقراطيّة، لأنّ إسرائيل رأت أنّ إقامة نظام ديمقراطي في سورية تمثّل تغييرًا إستراتيجيًّا في المنطقة، وتحمل بين ثناياها -على المديين المتوسّط والبعيد- النّهوض بسورية وتعزيز قدراتها ومكانتها ودورها في المنطقة، ما يزيد من إمكانيّاتها في مواجهة إسرائيل والتصدّي لها ولسياستها العدوانيّة([7]).

2- لقد فضّلت إسرائيل أن لا تحقّق الثورة أهدافها بسرعة، وأن يمتدّ أمد الثورة، وكذلك أمد قدرة النّظام على الاستمرار في البطش بالثورة وبالشّعب السوريّ أطول فترة ممكنة، من أجل استنزاف النظام السوريّ والدّولة السوريّة وإضعافهما، وإنهاك الشّعب السوريّ. فإسرائيل تتعامل مع سورية الدّولة والنّظام والثورة كعدوّ، وتعدّ من مصلحتها إضعاف سورية وإطالة أمد الصّراع فيها أطول فترة ممكنة.

3- هناك خشية في إسرائيل من ضمور قوّة سلطة النظام السوريّ المركزيّة وحدوث تآكل وضعف في قوّته عمومًا، وهو ما قد يؤثّر في قدرة النّظام على الحفاظ على الهدوء في جبهة الجولان. فقد يشكّل ضعف السّلطة المركزيّة وعدم قدرتها على بسط نفوذها على أجزاء واسعة من سورية، نقطة جذب لتنظيمات ومجموعات مسلّحة قد يتّجه جزء منها للعمل ضدّ إسرائيل.

4- هناك قلق في إسرائيل من عدم قدرة النّظام السوريّ على الاستمرار في السّيطرة على الأسلحة الكيماويّة والبيولوجيّة السوريّة والأسلحة المتطوّرة الأخرى، وقلق من إمكانيّة وقوعها في أيدي قوى معادية لإسرائيل. إلى جانب ذلك، هناك قلق من أن تُسرّب الأسلحة الأكثر تطوّرًا وفتكًا إلى حزب الله([8]).

 

المستجدّات في الموقف الرّسمي الإسرائيليّ

في شباط / فبراير 2012، بلور المستوى المهنيّ في وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة توصية بشأن السّياسة التي على إسرائيل اتّباعها بخصوص الوضع في سورية. وقد دعت هذه التّوصية إلى تغيير السّياسة الرسميّة الإسرائيليّة تجاه سورية، ووضع حدٍّ لسياسة الغموض الإسرائيليّة تجاه تطوّرات الأحداث في سورية، واتّباع سياسة جديدة تنسجم مع مواقف الولايات المتّحدة وأوروبا وتدعو إلى استقالة الرّئيس السوريّ بشّار الأسد من رئاسة سورية([9]). وتحجّجت توصية وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة بأنّ إسرائيل لا تستطيع أن تواصل تبنّي سياسة غير واضحة تجاه النظام السوريّ وتجاه مصيره وتطوّرات الأحداث في سورية، في حين تتّخذ الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ وجامعة الدّول العربيّة وغالبيّة الدّول في العالم موقفًا واضحًا من مجريات الأحداث في سورية. وقد تبنّى وزير الخارجيّة الإسرائيليّة أفيغدور ليبرمان توصية الطّاقم المهنيّ في وزارته، وطرحها على الحكومة الإسرائيليّة من أجل تبنّيها. بيد أنّ رئيسَ الحكومة الإسرائيليّة نتنياهو ووزير الدّفاع براك وعددًا آخرَ من الوزراء عارضوا اقتراح ليبرمان، ودعوا إلى التّمسّك بالموقف الإسرائيليّ القائم وعدم تغييره([10]). ولكن، مع تعاظم زخم الثّورة السوريّة من ناحية؛ وازدياد بطش النّظام السوريّ بشعبه وارتكابه المزيد من القتل والمجازر في حقّ المدنيّين السوريّين وما رافق ذلك من شجبٍ دوليّ لممارسات النظام السوريّ، بدأت تبرز بوادر تغيير في موقف نتنياهو من تطوّرات "الأحداث" في سورية. ففي الأسبوع الأوّل من شباط / فبراير 2012، علّق نتنياهو على أعمال القمع التي يمارسها النّظام السوريّ -من دون أن يذكر اسم الرّئيس السوريّ- قائلا:  "وصلتنا في الأيّام الأخيرة الأخبار التي ذكّرتنا في أيّ منطقة نعيش، ورأينا الجيش السوريّ وهو يذبح شعبه"([11]). لقد عبّر هذا التّعليق القصير عن نزعةٍ للاستفادة ممّا يجري في سورية لتبرير القمع الإسرائيلي، كون القوّة والبطش هما اللّغة التي تفهمها هذه المنطقة، بحسب الفهم الإسرائيلي.

لقد كانت تصريحات نتنياهو هذه بمنزلة مقدّمة للسّياسة الإسرائيليّة التي سرعان ما تبنّتها الدّولة العبريّة لاحقًا. فما لبثت أن ازدادت تصريحات القادة والمسؤولين الإسرائيليّين في مختلف المسؤوليّات، التي لبست ثوب التّعاطف مع الشّعب السوريّ، وسعت إلى استثمار إدانتها للمجازر التي يرتكبها نظام الأسد في حقّ الشّعب السوريّ من أجل إظهار "إنسانيّة"  إسرائيل، ومن أجل موضعة إسرائيل في موضع المساند للقيم الإنسانيّة. ومن الواضح أنّ هذا الموقف هو موقفٌ مخادع، وفيه كثير من الدّجل وذرف دموع التّماسيح. فإسرائيل التي أقامت وجودها كلّه على حساب نفي شعبٍ آخر، وذات التاريخ الطّويل والمتواصل في ارتكاب المجازر في حقّ المدنيّين العرب الفلسطينيّين واللبنانيّين وغيرهم، بعيدة كلّ البعد عن القيم الإنسانيّة. والمجتمع الإسرائيليّ وقادته يُعادون القيم الإنسانيّة العامّة بشدّة عند ربط هذه القيم بالعرب. فقيم الحرّية والمساواة والعدالة والديمقراطيّة والمواطنة المتساوية ودولة المواطنين وحقّ الشّعوب في تقرير مصيرها (وهي القيم التي تناضل من أجل تحقيقها الثورة السوريّة) تُعدّ قيمًا متطرّفة وخارجة عن الإجماع الصهيونيّ، وتشكّل خطرًا على إسرائيل وطابعها عند ربط هذه القيم بالعرب عمومًا وبحقوقهم. إلى جانب ذلك، سعت تصريحات القادة والمسؤولين الإسرائيليّين إلى ربط إيران وحزب الله بالمجازر التي يرتكبها النّظام السوريّ من أجل التّحريض ضدّهما والتّشهير بهما محلّيًّا ودوليًّا، بغرض عزلهما وإدانتهما.

ففي 27 أيار / مايو 2012، أصدر نتنياهو بيانًا على إثر مجزرة الحولة، دان فيه "المجزرة المستمرّة التي تنفّذها قوّات الأسد في حقّ المدنيّين الأبرياء". ولم يفت نتنياهو في بيانه أن يشير إلى أنّ "إيران وحزب الله يشاركان في المجازر التي يرتكبها الأسد، ولذلك على العالم أن يتحرّك ضدّهما أيضًا"([12]). كما أصدر وزير الدّفاع الإسرائيليّ إيهود براك بيانًا استنكر فيه مجزرة الحولة "التي نفّذها نظام الأسد بغطاء ودعم إيران وحزب الله". وأضاف قائلًا: "إنّ المجازر التي تجري في سورية توفّر لنا فرصة أخرى للنّظر إلى نمط أعمال جزءٍ من جيراننا لكي ندرك أنّه من الضّروري أن يظلّ الجيش الإسرائيليّ قويًّا ومتأهّبًا للدّفاع عن الدّولة في محيط كهذا"([13]). لقد استغلّ المسؤولون الإسرائيليّون -على نحوٍ سافر- دماء السوريّين ووجود رأيٍ عامّ عربيّ غاضبٍ على إيران وحزب الله لتمرير أجنداتهم المعادية لهما لأسبابٍ مختلفة تمامًا.

وفي العاشر من حزيران / يونيو 2012، صعّد القادة والمسؤولون الإسرائيليّون هجومهم على نظام الرّئيس السوريّ، وكان من ضمنهم رئيس إسرائيل شمعون بيرس، ورئيس الحكومة نتنياهو، ووزير الدّفاع إيهود براك، وكثير من الوزراء والمسؤولين الإسرائيليّين. واتّهموه بارتكاب المزيد من المجازر ضدّ الشّعب السوريّ. فقد صرّح رئيس الحكومة الإسرائيليّة لدى افتتاحه اجتماع الحكومة الأسبوعي بأنّ "المجازر التي ينفّذها النّظام السوريّ لا يقوم بها وحده، وإنّما يشاطره في المسؤوليّة عن هذه المجازر إيران وحزب الله، اللّذان يساعدانه في ارتكابها.  وعلى العالم أن يرى تحالف محور الشرّ هذا، وأن يدرك الجميع في أيّ عالمٍ نعيش"([14]). وانضمّ رئيس حزب كاديما -النائب الأوّل لرئيس الحكومة الإسرائيليّة- إلى إدانة النظام السوريّ، وإلى الإشارة إلى مشاركة إيران وحزب الله في المجازر التي يرتكبها النظام السوريّ. ودعا الدّول الكبرى إلى عدم الاكتفاء بكلمات الاستنكار وإنّما التّدخّل بالطّرق التي تراها الدّول الكبرى ملائمة ضدّ النظام السوريّ([15]).

 

خاتمة

من الملاحظ أنّ موقف الحكومة الإسرائيليّة اقترب في الشّهرين الأخيرين أكثر من الموقف الأميركي - الأوروبي من الوضع السوريّ. ومن المتوقّع أن يستمرّ موقف الحكومة الإسرائيليّة في السّير في هذا الاتّجاه. ومن المرجّح أن تزداد المواقف والتّصريحات الإسرائيليّة المندّدة بالنّظام السوريّ، وخاصّةً كلّما اقترف النّظام السوريّ مجازرَ ضدّ شعبه، وذلك لاستثمار هذه المواقف للظّهور بمظهر المدافع عن القيم الإنسانيّة، تلك القيم التي تدوسها إسرائيل يوميًّا ببطشها المستمرّ بالشّعب الفلسطينيّ في المناطق الفلسطينيّة المحتلّة.

كما تستثمر إسرائيل موقفها "المتجدّد" من أجل التّحريض ضدّ حزب الله وإيران لأسبابٍ خاصّة بها. وهي غير الأسباب التي تجعل العرب يتّخذون موقفًا سلبيًّا حادًّا من سياسة إيران الإقليميّة في العراق وسورية ضدّ المصالح العربيّة.

وفي الحقيقة، تتمنّى إسرائيل إطالة عمر الصّراع في سورية، وربّما تعمل من أجل ذلك، لأنّها تستفيد من كلّ ما من شأنه أن يُضعف سورية ككيان، كما أنّها تستفيد من اكتساب الصّراع طابعًا طائفيًّا.


 

[1] لمعرفة تفاصيل الموقف الإسرائيليّ المناهض للثورات وللديمقراطية في الدول العربيّة، انظر في: محمود محارب، "إسرائيل والثورة المصرية"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 21/4/2011:

http://dohainstitute.org/Home/Details?entityID=5d045bf3-2df9-46cf-90a0-d92cbb5dd3e4&resourceId=fbf11d47-9b17-4c5c-9f71-b87188428834

انظر كذلك: تحليل عوفر شيلح للموقف الإسرائيليّ من الديمقراطية في الدول العربية في: عوفر شيلح، "الديمقراطية ليست للعرب"، معاريف، 1/2/2011:

http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/206/733.html.

وانظر أيضا عن الموضوع ذاته في: حجاي إلعاد، "هؤلاء ليسوا ناضجين بعد للديمقراطية"، معاريف، 30/1/2011:

http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/206/220.html.

[2] انظر مثلا في: ي آشر ساسر، "التقليد والحداثة في الربيع العربي"، عدكان إستراتيجي، المجلّد 15، عدد 1 (نيسان / أبريل، 2012). شدّدت المواقف والكتابات الإسرائيليّة على المخاطر الكامنة في الثورات العربيّة على إسرائيل، مثلما أكّدت على تأثير هذه الثورات السلبيّ على مجمل علاقات إسرائيل مع الدول العربيّة. انظر مثلا في: شلومو بروم، "إسرائيل والعالم العربي: قوّة الجمهور"، في: عنات كورتس وشلومو بروم (محرران)، تقييم إستراتيجي لإسرائيل لعام 2011 (هعرخاه استراتيجيت ليسرائيل 2011)، (تل أبيب: مركز أبحاث الأمن القوميّ، 2011)، ص. 37- 49. انظر أيضا في: ميخائيل ميلشتاين، "شرق أوسط جديد قديم: الهزّة في الشرق الأوسط وتأثيراتها على إسرائيل"، عدكان إسراتيجي، المجلّد 14، عدد 1( نيسان / أبريل، 2011).

[3]  عن تدمير إسرائيل "المنشأة" قرب دير الزور واغتيالها العميد محمد سليمان والقائد عماد مغنية، انظر في: ميخائيل بار زوهار ونسيم مشعل، الموساد: العمليات الكبيرة (هموساد:همفتسعيم هجدوليم)، (تل أبيب: مسكال ويديعوت أحرونوت، 2010)، ص. 274 - 294.

[4] للمزيد عن المرونة التي أبداها النظام السوريّ في المفاوضات للتوصّل إلى سلام مع إسرائيل في عقد التسعينيّات من القرن العشرين وحتّى عام 2000، انظر في كتاب: أوري سجي، اليد التي تجمّدت (هياد شكفآه)، (تل أبيب: مسكال ويديعوت أحرونوت، 2011). وقد فشلت المفاوضات في الوصول إلى اتّفاق  بسبب تعنّت إسرائيل بشأن مسألة إعادة الجولان كاملًا إلى السيادة السوريّة.

[5] يوسي ملمان ودان رفيف، جواسيس غير كاملين (مرجليم لو موشلميم)، (تل أبيب: مكتبة معاريف، 1990)، ص 219.

هذا ما ذكره المؤلّفان. والكتاب رصين خلاف العديد من الكتب الإسرائيليّة التي كتبت عن المخابرات الإسرائيليّة على نحو دعائيّ. ويتمتّع المؤلّفان بالقدرة على الحصول على المعلومات. ونرجّح أنّه ما  كان لهما أن يذكرا هذا الاجتماع بين شارون ورفعت الأسد لو أنّهما لم يكونا متأكّدين من المعلومة. ولكي لا يساء استخدام هذه المعلومة طائفيًّا نذكّر بمعارضين سوريّين منبوذين في صفوف المعارضة مثل فريد الغادري زاروا إسرائيل ذاتها قبل الثورة، وبأنّ السّادات الذي سجّل أوّل زيارة علنيّة لمسؤول عربي لإسرائيل لم يكن شيعيّا ولا علويّا، هذا من دون أن نتطرّق إلى زيارات العاهل الأردني الملك حسين السرّية إلى إسرائيل والتي نشر عنها الكثير قبل توقيع معاهدة السلام. أمّا بالنسبة إلى سلوك القوّات السوريّة وتضحياتها الهائلة أثناء حرب 1982 على لبنان، فليس هذا مسألة مصيرية بالنسبة إلى النظام  كما يبدو، لأنّ الموضوع هو إمكانية التوصّل إلى اتّفاق بين النظام السوريّ وإسرائيل في قضايا حسّاسة على أرضيّة المصالح المشتركة بينهما؛ علمًا أنّ القوّات السوريّة في لبنان كانت تردّ على العدوان الإسرائيليّ عليها، وشاركت في القتال عندما وصلت إليها القوّات الإسرائيليّة، فدافعت عن نفسها وأوقفت التّقدّم الإسرائيليّ في معركة سلطان يعقوب وأبلت بلاءً حسنًا في هذه المعركة (بقيادة علي حبيب الذي أصبح رئيسا للأركان، وأقيل من منصبه في بداية ثورة الشّعب السوري عام 2011). ثمّ توقّفت عن القتال عندما لم تعتد عليها القوّات الإسرائيليّة. أمّا القوّات السوريّة المحاصرة في بيروت، فقد وُضعت تحت قيادة القوّات الفلسطينيّة اللبنانيّة المشتركة.

[6] المصدر نفسه.

لا نقدّر أنّ رفعت الأسد يمكن أن يكون قد اجتمع مع شارون من دون معرفة أخيه الرئيس حافظ الأسد. فهذا الاجتماع ما كان ممكنًا عقده من دون علم الرئيس. ولكن، ما نقدّره هو أنّ علاقات رفعت الأسد مع إسرائيل تواصلت بعد ذلك حين تحوّل إلى معارضة أخيه، بل ويمكننا الجزم بذلك.

[7] هذا تحليل بالطبع. ومن غير المتوقّع أن نجد إثباتًا في شكل تصريحٍ صريح لمسؤول إسرائيليّ، يقول فيه إنّه يفضّل قيام النظام السوريّ بقمع الشّعب السوريّ، فإسرائيل باتت أكثر حنكة في التّعامل مع هذه الأمور. وعندما يريد مسؤول إسرائيليّ أن يدافع عن نظام عربيّ مستبدّ فإنّه لا يأتي ويمتدح قدراته في قتل الشّعب، وإنّما يتحدّث عن الاستقرار واحترام هذا النّظام للاتّفاقات وموقفه السّياسيّ "المعتدل".

[8] بندطه بيرطي، "عدم الهدوء في سورية: ماذا بعد؟"، عدكان إستراتيجي، مجلد 15، عدد 1 (نيسان / أبريل 2012).

[9] براك رفيد، "خلاف في القمّة السياسية: نتنياهو يعارض مبادرة ليبرمان أن تنادي إسرائيل علنًا بإقالة الأسد"، هآرتس،

   16/2/2012:

http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.1642813.

[10] المصدر نفسه.

[11] المصدر نفسه.

[12] براك رفيد، "إيران وحزب الله جزء لا يتجزّأ من أفعال الأسد: نتنياهو دان بشكل غير معهود المجزرة في سورية"، هآرتس، 28/5/2012:

 http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.1717224

[13] المصدر نفسه.

[14] جاك خوري وبراك رفيد، "نتنياهو: إيران وحزب الله يساعدان الأسد في المجازر ضدّ المدنيّين"، هآرتس، 10/6/2012:

http://www.haaretz.co.il/news/world/1.1727695.

[15] المصدر نفسه.