تقدير موقف 19 يونيو ، 2012

لبنان المتأرجح بين الجغرافيا السّياسية وإرادة النّأي عن الأزمة السوريّة

وحدة تحليل السياسات

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش..

مقدمة

تأرجح المشهد اللّبناني في شهر (حزيران / يونيو) بين فتنة كامنة، وقلقٍ من تمدّد الأزمة السوريّة. وهو ما دفع رئيس الجمهوريّة إلى عقد مؤتمرٍ في قصر بعبدا، جمع كلّ الفرقاء؛ للحوار بشأن إمكان ضبط التوتّر في حدوده الدّنيا، والتمسّك بسياسة النّأي عمّا يحصل بالقرب من الحدود الشماليّة (عكار وطرابلس والهرمل).

إنّ التّأرجح بين الاحتمالين، لا يزال يؤرّق كلّ القوى اللّبنانية التي شاركت في جلسة الحوار الأولى. وقد قرّرت مقاطعته بذريعة أنّه لن يأتيَ بالجديد، ولن يقوى على تفكيك ما اتُّفِق عليه سابقًا بشأن موضوع السّلاح.

وقد اتّفق المشاركون والمقاطعون -على حدّ السّواء- على أنّ الأزمة السوريّة أقوى من قدرة لبنان على التحمّل؛ وذلك في حال فاضت تلك الأزمة، واخترقت الحدود مثلما حصل في أحياء طرابلس وتكرّر (اشتباكات محلّية ذات طابع مذهبي)، وعلى الحدود (غارات برّية وحوادث خطف متبادلة) بمنطقتيْ عكار والهرمل. وقد قرّرت مختلف القوى المعنيّة بالأزمة السوريّة من قريب أو من بعيد، عقد جلسة حواريّة ثانية في 25 حزيران / يونيو الجاري؛ لمتابعة النقاط التي جرى بحثها في اللّقاء الأوّل، وذلك خوفًا من المضاعفات.

وضمن أجواء التّشكيك في احتمال نجاح الحوار الوطني؛ جرى الكثير من النّقاش بشأن خلفيّات التوتّر الأمني، وأسباب انتقاله من الشمال إلى بيروت والبقاع، والجهة المستفيدة من التّفجيرات والاغتيالات (اغتيال شيخ لبناني مؤيِّد للمعارضة السوريّة على حاجز الجيش)، والخطف (خطف 11 لبنانيًّا  بالقرب من حلب). وقد اتّهم المندوب السوري في الأمم المتّحدة، جهاتٍ لبنانيّةً بالوقوف وراء تمويل السّلاح وتهريبه؛ وذلك في رسالةٍ وجّهها إلى الأمين العامّ. وحذّرت "قوى 14 آذار" من مخاطر التّهمة، وردّت على دمشق، واتّهمتها بأنّها تريد تصدير أزمتها إلى لبنان. وعلى خلفيّة ما يحدث، بعث العاهل السعودي رسالة إلى رئيس الجمهوريّة؛ مثيرًا فيها مسألة الظّلم الذي يلحق بالطائفة السنيّة، ومشجّعًا إيّاه على الحوار والتعايش.

هكذا، تتحدّث الورقة الحاليّة عن مجرى السياسة اللبنانية في الشهر الماضي؛ مؤكّدةً على ثلاث نقاط؛ أوّلها: إنّ عناصر التوتّر اللبناني ليست جديدة، وكذلك المخاوف من احتمال انفجارها؛ لكنّ الأزمة السوريّة زادت من درجة تصاعدها. ثانيها: إنّ سياسة النّأي بالنفس غير واقعيّة؛ وذلك لأسبابٍ تعود إلى الجغرافيا وتداخل المصالح. لكنّها تبقى الخيار الأفضل؛ حتّى لا تمنح النّظام السّوري ذريعةً لردّ التّحدّي،  وتوجيه الأزمة، وتصديرها إلى ساحةٍ مفتوحةٍ وغير محصّنة أهليًّا. ثالثها: إنّ الحوار الفضفاض لن ينجح في نزع فتيل التوتّر الأمني، والحدّ من تنقّله من قضاءٍ إلى آخر؛ لكنّه يبقى مناورةً لكسب الوقت، حتّى لا تنجرف القوى في اتّجاه هاويةٍ مميتةٍ، تستفيد "إسرائيل" من نتائجها.


1.  مسارات الحوار الوطني

في انتظار الجلسة الثانية من الحوار، تبقى الأنظار مشدودةً إلى الحدث السوري الذي ستكون له مضاعفاته وانعكاساته؛ مهما حاولت القوى اللبنانيّة تجاهل الأزمة، والابتعاد عن نيرانها. وهذا الأمر يتجاوز الإرادة الذاتيّة ومناورة التأجيل.   

فهل تنجح الدّعوة التي أطلقها رئيس الجمهوريّة اللبناني ميشال سليمان إلى الحوار الوطني، في ضبط التوتّر، أم أنّها ستكون خطوةً لا غير لكسب الوقت؟

يحتاج الجواب إلى قراءة المسارات التي أخذت تتبلور بعد عقد الجلسة الأولى من الحوار الذي بدأ في 11 حزيران / يونيو الجاري؛ بحكم أنّ عناصر النّجاح والفشل تكمن في وقائعَ ميدانيّة أخذت تنحو بالسّاحة اللبنانية نحو منطقة خطرة، بسبب المضاعفات النّاجمة عن تمدّد الأزمة السوريّة واختراقها حدود دول الجوار. وتبدو الدّعوة إلى الحوار حتّى الآن غير مقنعة لكلّ الأطراف؛ فهناك قوى سياسيّة رفضت التّجاوب معها (رئيس حزب القوّات اللبنانيّة مثلًا)؛ لأنّ الفكرة لا تلبّي حاجة البلد الذي يعاني من اضطرابات متنقّلة تفتعلها فئات محسوبة على النظام السّوري. وهناك قوى سياسيّة حضرت الجلسة الأولى، لكنّها خرجت غير مطمئنّة لنجاحها؛ بسبب عدم تطرّقها إلى المستجدّات التي طرأت على البلاد بعد انفجار الأزمة السّوريّة. وهناك قوى سياسيّة انخرطت في التفاصيل؛ لأنّها ترى أنّ الحوار يبقى أفضل من خيار الفتنة.

إنّ الطّابع الغالب حتّى الآن، يشير إلى احتمال تمدّد جلسات الحوار (حُدِّدت الجلسة الثانية في 25 حزيران / يونيو الجاري) بحضور مختلف الأطراف المعنيّة بالأزمة. غير أنّ توصّل القوى إلى خطّة عمل مشتَركة، يبقى مرهونًا بمدى استعداد الفئات المشاركة لتقديم تصوّرات أو تنازلات يمكن البناء عليها في المستقبل.

وقد طالب أمين عامّ "حزب الله" حسن نصر الله، قبل عقد الجلسة الأولى، بأن يكون الحوار على سويّةٍ تأسيسيّةٍ تعيد هيكلة النظام بما يتلاءم مع حاجات البلد. وهو أمر رفضته قوى فاعلة في "14 آذار"؛  بسبب مخاوفها من احتمال الانقلاب على النتائج التي أرساها اتّفاق الطائف قبل عقدين من الزمن.

ليس الحوار الوطني اللّبناني بجديدٍ؛ فقد بدأ منذ تسعينيّات القرن الماضي، ونجح في وقف النّزيف الدّموي، وأعاد الدّولة إلى السّاحة. لكنّه لم يتوصّل إلى وضع صيغةٍ توافقيّةٍ تضمن عدم عودة العنف إلى البلاد؛ مثلما حصل بعد اغتيال رفيق الحريري في شباط / فبراير 2005، وما أعقبه من سلسلة انفجارات طالت الكثير من الوجوه والرّموز، وأدّت أيضًا إلى خروج القوّات السّوريّة من البلاد.

يبدو أنّ المشكلة لا تكمن في مبدإ الحوار، فالقوى السياسيّة متّفقة على ضرورته؛ لكنّها تشكِّك في إمكان التزام الفئات المعنيّة بالأزمة السوريّة بالشّروط المطلوبة، حتّى تصبح القرارات نافذةً ميدانيًّا. ولهذا،  فقد اتَّجهت بعض الأحزاب نحو المقاطعة أو عدم المشاركة؛ بسبب اقتناعها بأنّ الحوار الفضفاض مضيَعَةٌ للوقت، وبأنّه يمثّل أحيانًا ملاذًا للتهرّب من المسؤوليّة، وتوزيعها على مختلف الجهات.

وقد احتجّت القوى المعارضة برأيها، استنادًا إلى تجاربَ سابقة. وذلك حين شاركت في حوارات وطنيّة، انتهت كلّها بالفشل؛ إمّا بسبب عدوان إسرائيلي كالذي حصل في عام 2006، أو نتيجة تدخّلات خارجيّة كما تكرّر في سنوات 2007 و 2008 و 2009، أو بسبب إسقاط حكومة الوفاق الوطني في عام 2011. فهذه القوى "14 آذار"، لا ترى جدوى من حوار يكرِّر مقولات يعاد إنتاجها في كلِّ جلسة؛ نظرًا إلى عدم قدرة الأطراف الأخرى "8 آذار" على تنفيذ البرنامج المطلوب، وخصوصًا النّقاط المتعلّقة بموضوع السّلاح ودوره في زعزعة استقرار البلاد.

المشكلةُ إذن ليست في الحوار ولا في جدول الأعمال؛ وإنّما هي كامنةٌ في آليّات تنفيذ البنود التي يجري التّوافق عليها. وهي تشتمل على النّقاط الآتية: سلاح المقاومة، والإستراتيجيّة الوطنيّة للدّفاع، والسّلاح داخل المدن وخارجها، والسّلاح الفلسطيني خارج المخيّمات وتنظيمه داخلها.

إنّ هذه اللّائحة من النقاط التي أشرفت رئاسة الجمهوريّة على توزيعها على فرقاء الجلسة الأولى، ليست بالجديدة؛ إذ أُخضِعتْ مرارًا إلى البحث والتّدقيق من دون فائدة، لأنّ القوى المعنيّة بتنفيذها متخوِّفةٌ من وجود خطّة دوليّة تستهدف المقاومة، وتضعف من قدرة لبنان على المواجهة في حال تعرّض إلى عدوان إسرائيلي. ولأنّ هذا الاحتمال مسألةٌ واردةٌ في كلّ الحالات، ولا توجد ضماناتٌ دوليّةٌ تؤكِّد سيادة لبنان، وتمنع "إسرائيل" من تكرار عمليّات الاحتلال أو القصف؛ فإنّ الأطراف المحلّية لا ترى أنّ الحوار بشأن السّلاح، قد أصبح من الأمور المستهلكة، ولا يُنتظر أن تلتزم الفئات التي تمتلك السّلاح بشروط ضبطه تحت سقف الدولة، وبما يتلاءم مع حاجات بلدٍ يتعرّض دائمًا لتهديداتٍ إسرائيليّة وضغوطٍ إقليميّة.


2.  رسالة الجعفري

يبدو احتمال نجاح الحوار في جلسته الثانية (25/6/2012) من الأمور المؤجَّلة، في انتظار ما ستسفِر عنه الأزمة السوريّة من مضاعفاتٍ داخليةٍ وتداعيات أمنيّة على دول الجوار. وقد بدأ هذا الأمر بإثارة المخاوف المحلّية، بعد أن أخذت تهمة السّلاح والتّسليح وتهريب الأسلحة تنتشر لتشمل قوى "14 آذار". في السّابق، كانت التّهمة محصورة في "حزب الله"، لكونه الطّرف الوحيد الذي يحمل السّلاح. لكنْ الآن، وبعد انفجار الأزمة السوريّة وانتشارها، أخذت التّهمة تتمدّد جغرافيًّا، وباتت قوى "14 آذار" غير بعيدة عن ملفّ السّلاح والتسلّح وتهمة تهريب الأسلحة للمعارضة عبر الممرّات الحدوديّة. لقد أصبحت مشكلة السِّلاح مزدوجة، فهناك سلاح المقاومة وهناك سلاح المعارضة. وتبدو الدّولة اللبنانيّة ما بينهما معرَّضةً للابتزاز من الداخل ومن المحيط الإقليمي.

إنّ سلاح المعارضة السوريّة مشكلةٌ مضافةٌ، وهي نقطة أثارها مندوب سورية الدّائم لدى الأمم المتّحدة في رسالةٍ وجّهها إلى الأمين العامّ للأمم المتّحدة بان كي مون. فالرسالة التي نقلها بشار الجعفري، قد أشارت إلى وجود شبكات إرهابيّة (تنظيم القاعدة)، تعمل من داخل الأراضي اللّبنانيّة، وتقوم بتخزين السّلاح وتهريبه بواسطة تجّارٍ، أو من خلال منظَّمات سياسيّة أو هيئات إغاثة طبّية وإنسانيّة. واتّهمت الرّسالة أيضًا المملكة العربيّة السعوديّة ودولة قطر بتمويل صفقات الأسلحة؛ تلك الأسلحة التي تأتي من الخارج، وتخزَّن في مستودعات، ثمّ تُنقل إلى المعارضة السوريّة بالتّعاون مع الجماعات الإسلاميّة وحركة الإخوان المسلمين وتيّار "المستقبل" الذي يقوده سعد الحريري.

إنّ خطورة رسالة المندوب السوري في الأمم المتّحدة (نشرتها الصّحف اللبنانيّة في 19/5/2012) تكمن في أنّها لم تقتصر على اتّهامات سياسيّة لهيئات ومنظّمات دوليّة (بطاقات مختومة بشعار الأمم المتّحدة) أو محلّية وإقليميّة أو دول مجلس التّعاون الخليجي؛ وإنّما حدّدت الأشخاص والأماكن بالأسماء، فجاءت على ذكر مناطقَ لبنانيّة طالت قضاء كسروان (جونيه ومرفأ أكوا مارينا)، وأقضية عكار وطرابلس والبقاع الشّمالي والبقاع الجنوبي. وشملت اللّائحة بلدات وقرى وادي خالد، وأكروم، ومنية، ورجم حسين، والقاع، وجبل محسن، والجديدة، والسفيرة (جرود الضنية)، والقلمون، والمدفون (قضاء البترون).

كان من الصّعب أن تمرّ هذه الاتّهامات دون ردود فعلٍ عربيّة وإقليميّة ولبنانيّة؛ لكونها حدّدت الأسماء والأماكن، حتّى لو أنّها لم تذكر مصادر المعلومات التي اعتمد عليها المندوب السّوري في رسالته إلى الأمين العامّ للأمم المتّحدة. وهذا الأمر رفع من نسبة التوتّر الأهلي ودرجة المخاوف من احتمال جرّ  البلاد إلى فوضى أمنيّة.

ولم يكن مفعول رسالة الجعفري السّلبي، يحتاج إلى مدّةٍ طويلة حتّى يأتي بنتائجه؛ لاسيّما أنّه ترافق مع انقسامات سياسيّة ومواقفَ محلّية، توزّعت بين معسكرٍ يدعم النّظام السّوري وآخر يدعم المعارضة.

ومن جانب دول الخليج، دعت قطر والإمارات والبحرين رعاياها إلى مغادرة لبنان وتجنّب السّفر إليه؛  نظرًا إلى الأوضاع الأمنيّة غير المستقرّة. وفور صدور الدّعوات الخليجيّة، أجرى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي اتّصالات هاتفيّة بعددٍ من المسؤولين في دول مجلس التّعاون مستوضحًا الأمر؛ وذلك لأنّ "الأوضاع الأمنيّة في لبنان جيّدة، والأحداث التي وقعت تمّت معالجتها". وتمنّى وزير الخارجيّة اللبناني عدنان منصور -الذي تصادف وجوده في الدّوحة- من دول الخليج "إعادة النّظر في القرار" (راجع: الصّحف اللبنانيّة في 21/5/2012). 

من جانب القوى المحلّية، سارع البطريرك الماروني بشارة الراعي إلى إبداء أسفه على ما يحدث؛ واصفًا القرار بـ "المؤلم والجارح والمضرّ". وحذّر الرّئيس الأسبق أمين الجميل من تعميم الدّعوات، وطالب الحكومة بالإسراع في معالجة المسألة الأمنيّة، وحمّل رئيس حزب "القوّات اللبنانيّة" حكومة ميقاتي "ما آلت إليه الأوضاع"، وطالب الحكومة بالاستقالة الفوريّة. وأشار رئيس الحكومة السّابق سعد الحريري إلى أنّه "لا حرب أهليّة في لبنان"؛ وذلك في الوقت الذي نفى فيه "تيّار المستقبل" في بيانٍ له، "ما وجّهه الجعفري" من اتّهاماتٍ بإيواء "عناصرَ إرهابيّة"، محذِّرًا من محاولة تصدير أزمة سورية إلى لبنان. وردّ المكتب السّياسي لـ "الجماعة الإسلاميّة" على الجعفري، متَّهمًا إيّاه بمحاولة "تصدير أزمة نظامه، من خلال إشعال الفتن، وإحداث المشاكل في أكثر من منطقة، وتحوير الحقائق السّاطعة" (راجع: الصّحف اللبنانيّة في 22/5/2012).

ترافقت رسالة الجعفري ودعوة قطر والإمارات والبحرين رعاياها إلى عدم السّفر إلى لبنان، مع تداعياتٍ أمنيّة بدأت باعتقال شادي المولوي المحسوب على التيّار السّلفي والمعروف بدعمه للمعارضة السوريّة؛ وهو ما أثار حساسيّةً مذهبيّةً في طرابلس، وأشعل نيران الاقتتال بين جبل محسن وباب التبانة. وقد دفع تجدُّد الاشتباكات، على خلفيّة اعتقال المولوي من مكتب الوزير محمد الصفدي، رئيسَ الجمهوريّة ميشال سليمان إلى دعوة "المجلس الأعلى للدّفاع" للانعقاد في قصر بعبدا، والبحث في اتّجاه تفعيل الجهد الأمني المبذول، لمنع تحويل لبنان إلى ساحة متلقّية للأزمة السوريّة؛ هذا مع التمسّك بسياسة النّأي بالنّفس عن الأحداث.

إنّ هذا التوجّه الرّسمي الموصوف بالحياد الإيجابي، قد أُصيب بصدمةٍ غير متوَقَّعة جاءت من جانب رسالة المندوب السوري في الأمم المتّحدة. وهو ما دعا رئيس الجمهوريّة إلى الردّ، واصفًا الاتّهامات بأنّها "لا تستند إلى وقائعَ مثبتة؛ بل إنّ التّقارير الواردة من قيادة الجيش والأجهزة الأمنيّة اللّبنانية، تشير إلى عكس ذلك تمامًا". كما انتقد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي رسالة الجعفري إلى الأمم المتّحدة، ورأى أنّها تؤجِّج الخلافات؛ مؤكِّدًا على أنّ لبنان يقوم بواجبه في ضبط الحدود.

لم تقتصر الرّدود على الجانب الرّسمي؛ نظرًا إلى أنّ الاتّهامات شاملة، وطالت الكثير من المناطق والقوى السياسيّة اللبنانيّة. فالنائب عن عكار خالد الضاهر، رأى أنّ الرّسالة "تعبِّر عن مأزق النّظام السوري ومحاولة الهروب إلى الأمام". ورأى النّائب عن البترون بطرس حرب، أنّ هناك قرارًا "بالتّمويه على ما يجري في سورية (...)، وإيهام المجتمع الدولي بأنّ ثورة الشّعب السوري في وجه النظام المستبدّ الظالم، ليست إلّا عمليّات إرهابيّة". واتّهم نائب "الجماعة الإسلاميّة" عماد الحوت النظام السوري بأنّه "يقف خلف الأحداث في طرابلس (...) ليخفّف بذلك من وطأة إفلاسه تجاه ثورة شعبية". وأكّد المكتب السّياسي للجماعة على "أنّ افتراءات الجعفري تعكس المأزق الذي وصل إليه النّظام السوري". ورأى رئيس "حركة التغيير" إيلي محفوض المعارض للحكومة، أنّ "ادّعاءات الجعفري عن لبنان، ولغة التّحريض التي لجأ إليها من خلال إقحامه منطقة كسروان في أزمة نظامه المتخبِّط والمتأرجح؛ يدفعنا إلى اعتبار هذا الرّجل محرِّضًا ومخرِّبًا للسّلم اللبناني". وفي الاتّجاه نفسه، رأى نوّاب "كسروان الفتوح" أنّ الرّسالة محاولةٌ سوريّةٌ لتدمير لبنان عبر كسروان؛ بينما طالب عضو تكتّل "التغيير والإصلاح" النّائب حكمت ديب (من كتلة ميشال عون النيابيّة) المؤيِّد للحكومة، بوضع معلومات الجعفري موضع حذرٍ، و"برسم الأجهزة المعنيّة التي نثق بها، لاتّخاذ التّدابير اللازمة". ودعا إلى "التشدّد وعدم التلاعب بها، فهي تهدِّد لبنان واستقراره" (راجع: الصّحف اللبنانيّة في 23/5/2012).

لم تقع رسالة الجعفري إذن على أرضٍ قاحلة، وإنّما جاءت في سياق توتّرات سياسيّة متنقّلة يعاني منها لبنان قبل انفجار الأزمة السوريّة. وهو ما منح الرّسالة وقعها الخاصّ، في ظروفٍ إقليميّةٍ تشهد استقطابات حادّة في تعاملها مع تفرّعات المشهد السّوري ومضاعفاته الجواريّة. فالرّسالة كما قرأ اللبنانيّون تفاصيلها، تشير إلى وجود توجّهات تطمح إلى نقل الأزمة وتوزيعها على دول الجوار. ويُعَدُّ لبنان في الإطار المذكور، نقطة ضعفٍ ومنطقةً رخوةً يمكن اختراقها بسهولة؛ وذلك بسبب مشكلاته السياسيّة المزمنة، سواء على مستوى منطقة طرابلس- عكار التي تعاني على الدّوام من الإهمال، أو على مستوى البقاع- الهرمل التي تعيش على الممرّات التّجاريّة بين لبنان وسورية.

والجديد في رسالة الجعفري، أنّها تبتغي إشعال فتيل الاقتتال. وهذا ما أشارت إليه ملاحظات رئيس الجمهوريّة، وانتقادات رئيس الحكومة. فالرّسالة جاءت في توقيتٍ غير مناسب، كانت طرابلس تعاني خلاله من مواجهاتٍ طائفيّةٍ على خلفيّة اعتقال المولوي (المؤيِّد للمعارضة السوريّة). وهو ما أثار احتجاجات الشّارع في عاصمة الشّمال، ودفع الناس إلى التجمّع في ساحة عبد الحميد كرامي. وذلك ما فتح ملفّات كثيرة، منها قضيّة اعتقال عشرات الإسلاميّين منذ سنوات من دون محاكمة. وتصادف الأمر كذلك مع تسرّب معلومات تشير إلى فرار سبعة أشخاص من "مخيّم عين الحلوة" في صيدا، مع ترجيحات بوصولهم إلى طرابلس. والفارّون السّبعة، هم من أخطر المطلوبين للقضاء اللبناني، بتهمة الانتماء إلى تنظيم "فتح الإسلام". وما زاد الطّين بلّةً حصولُ جريمة كبيرة على حاجز للجيش اللّبناني في عكار، ذهب ضحيّتها الشّيخ أحمد عبد الواحد ورفيقه الشّيخ محمّد حسام مرعب.


3.  الفتنة... واغتيال الشيخ

يُعَدُّ اغتيال الشّيخ عبد الواحد، وهو في طريقه إلى حضور الاحتفال التّأبيني لذكرى شهداء مدينة حلبا (عكار) الذين سقطوا في عام 2008، في حدّ ذاته حادثةً غير مسبوقة؛ لأنّ الجريمة وقعت بإشراف الضّابط (برتبة نقيب)، المكلّف بحراسة الأمن وضمان حياة المواطنين.

كان يمكن للحادثة أن تشكّل خطوةً نوعيّةً في سياسة تمزيق البلد إلى محاورَ طائفيّة، تتقاتل في أطر مناطقيّة، كما كانت حال لبنان في فترة الحروب الأهليّة- الإقليميّة. فالشّيخ عبد الواحد، كان عضوًا في مجلس بلديّة البيرة، ومرشَّحًا لشغل منصب رئيس اتّحاد بلديّات الأوسط، وهو يتميَّز بنشاطه الدّاعم للانتفاضة السوريّة. ولهذه الأسباب، وقع اختياره ليكون بدايةً لانفجارٍ كبير يبدأ في عكار وطرابلس (الشّمال)، وينتقل إلى بيروت (العاصمة)، ومنها تتوزّع شظاياه إلى مختلف المناطق في البقاع والجبل والجنوب.

كانت العمليّة مقصودةً. وربّما تكون مدروسةً من مختلف جوانبها، حتّى تعطي مفعولها السّلبي المضاف إلى رسالة الجعفري واعتقال المولوي والاحتقان المذهبي في طرابلس.

وحين وقع حادث الاغتيال بالقرب من قرية الكويخات على حاجز تابع للواء المجوقل في منطقة تل عباس؛ كانت طرابلس تعيش هول الاشتباكات بين جبل محسن (الحزب العربي الديمقراطي برئاسة رفعت عيد) المعروف بتأييده للنّظام السّوري، وأحياء باب التبانة التي أدّت إلى تشريد الأهالي وسقوط ضحايا. وترافق الوضع مع اعتقال المولوي، واعتصام أنصاره في الساحة الرّئيسة في عاصمة الشّمال. وهو ما أعطى مسألة الاغتيال إشارةً ضوئيّة للبدء في دفع الأزمة من طرابلس وعكار إلى بيروت والبقاع؛ وهذا ما كاد أن يحصل.

لقد انتشر خبر الاغتيال بسرعةٍ، وأُعْطي تفسيرات ليست بعيدة عن فضاء الاحتقان الطائفي- المذهبي، وعن ردود الفعل على طلب رفعت عيد باستقدام الجيش السّوري والاستعانة به لضبط الحدود وتأمين الاستقرار الأمني. فقد تعاملت القوى السياسيّة مع الدّعوة الشّخصية بوصفها فكرة غير عفويّة؛ لأنّها جاءت من طرفٍ محسوب على النّظام السوري، وفي فترة تشهد السّاحة اللبنانيّة محاولات لاستدراجها وإسقاطها في فخّ الاقتتال الأهلي.

لم يكد خبر الاغتيال ينتشر في المحطّات الإذاعيّة والفضائيّات، حتّى أخذت الجموع الغاضبة تتوجّه من بلداتها ومناطقها إلى المدن والطّرق؛ لتبدأ حملة حرق إطارات السيّارات، وقطع الطّرقات احتجاجًا. وخلال ساعاتٍ، انتشرت الفوضى الأمنيّة، وامتدّت من عكار وطرابلس، إلى بيروت (كورنيش المزرعة، طريق الجديدة، قصقص)، وأوتوستراد الناعمة- الجنوب والبقاع (قب الياس، البحصاص)، لتصل إلى جب جنين والطريق الذي يربطها بالقرعون.

كان الحادث الأخطر في طريق الجديدة؛ إذ تحوّل إشعال الإطارات إلى اشتباكٍ بين شبّان الحيّ ومكتب شاكر برجاوي (رئيس حزب التيّار العربي) المتعاطف مع النّظام السوري. وقد استُخدِمت فيه أسلحة خفيفة ومتوسّطة، وقذائف آر بي جي؛ ممّا أسفر عن حرق المكتب وبعض الشّقق في المباني المجاورة، ومقتل ثلاثة أشخاص وجرح عشرات في المحلّة ومحيطها الممتدّ إلى المدينة الرياضيّة وشارع فردان.

تصاعد التوتّر من طرابلس (محيط الحزب العربي الدّيمقراطي)، إلى أحياء بيروت (محيط حزب التيّار العربي). وقد دفع هروب برجاوي -المعروف بتأييده للنّظام السوري- إلى منطقةٍ آمنة، مختلف القوى والأجهزة الرسميّة إلى التدخّل السريع لوقف آلة العنف.

على مستوى رسميٍّ، حضر مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة صقر صقر إلى مكان حادث الاغتيال في عكار، واستمع إلى شهادة مرافقه. ثمّ توجّه إلى الثّكنة العسكريّة، وشرع في التّحقيق مع عناصر الحاجز العسكري (وقع توقيف 3 ضبّاط و19 عسكريًّا) لمعرفة ملابسات الجريمة وخلفيّاتها.

وعلى مستوى سياسيٍّ، صدرت بيانات متعدِّدة الاتّجاهات والمنابت، تدين كلّها جريمة اغتيال الشّيخ وتطالب الحكومة باتّخاذ التدابير القانونيّة اللّازمة لوقف جرّ البلد إلى مواجهات غير محسوبة. ودعا مفتي الجمهوريّة الشّيخ محمد رشيد قباني، المجلس الشّرعي الإسلامي الأعلى ومجلس المفتين في لبنان، إلى عقد جلسةٍ مشتَرَكة استثنائيّة في دار الفتوى. وصدرت عن الاجتماع الطّارئ مجموعة نقاط أكّدت على وحدة الدّولة والمؤسّسات، وطالبت السّلطة السياسيّة بمواصلة تحمّل مسؤوليّاتها كاملة، ومحاسبة الأطراف التي تقف وراء زعزعة الأمن والاستقرار. وأبدى البيان استنكاره الرّسالة واستغرابه منها؛ وهي التي رفعها المندوب السوري بشار الجعفري إلى أمين عامّ الأمم المتّحدة، متّهمًا طرابلس وعكار بالإرهاب وإيواء تنظيم "القاعدة". وطالب المجلس الشّرعي الإسلامي الحكومة بإحالة قضيّة اغتيال الشّيخيْن إلى المجلس العدلي، نظرًا إلى خطورة الجريمة، وخلفيّتها وأثرها في السّلم الأهلي (راجع: الصّحف اللّبنانية، 21/5/2012).

خلال يوم التّشييع في بلدة البيرة، صدرت تصريحات أجمعت على التّحذير من مخاطر الانزلاق إلى التّصادم الأهلي؛ مشيرةً إلى تقاعس الحكومة وعدم الدّفاع عن السّيادة الوطنيّة، ومتّهمةً الجيش السّوري بانتهاك الأراضي اللبنانيّة أكثر من 60 مرّةً وسقوط 12 ضحيّةً. وأجمعت معظم الخطب والبيانات على الرّبط بين جريمة الاغتيال ورسالة الجعفري إلى الأمم المتّحدة؛ لأنّ تلك الرّسالة قد شكّلت إشارة انطلاقٍ للبدء في تحريك ملفّ الأمن، وفي دفع القوى المتخاصمة نحو الاشتباكات. فالكلُّ تقريبًا، قد شدّد على وجود خلفيّاتٍ غير معلَنة للحادث؛ متّهمًا النّظام السّوري بتسخير المؤسّسة العسكريّة لتصدير الأزمة إلى لبنان،  وجرّ البلد إلى مواجهة مشكلةٍ مستوردةٍ من وراء الحدود، من خلال استخدام "مرتزقة" يعملون على نقل الشّرارات الأمنيّة من منطقةٍ إلى أخرى بهدف إشعال الفتنة المذهبيّة.

لقد ترافقت ردود الفعل السّياسية المتّجهة نحو احتواء التّداعيات الأمنيّة ومنعها من الانتشار والانزلاق، مع توجُّهات عاقلة صدرت عن رئيس الجمهوريّة وقيادة الجيش. وقد تحرّكت تلك القيادة فورًا،  واتّخذت قرارًا بسحب الوحدات العسكريّة من حلبا والمناطق المجاورة، وصولًا إلى البيرة. كما أمرت باعتقال المجموعة التي كانت تتولّى أمن المرور على الحاجز، وأحالت ملفّها إلى المجلس العدلي للتحقيق. كما أقدمت الأجهزة القضائيّة على إطلاق سراح الموقوف شادي المولوي المتّهم بدعم المعارضة السوريّة؛ ممّا دفع أنصاره إلى إنهاء الاعتصام في طرابلس. (راجع: الصّحف اللبنانية، 25/5/2012).

وما كاد الهدوء يعود إلى البلاد، حتّى جاء خبر اختطاف 11 لبنانيًّا من جانب مجموعةٍ مسلّحةٍ ادّعت أنّها من "ثوّار حلب"، وتنتمي إلى الجيش السّوري الحرّ. وأشعل الخبر الطّرقات، لمّا هبّتْ جموعٌ غاضبةٌ في مناطق الضّاحية الجنوبيّة والجنوب والبقاع، وقامت بحرق الإطارات المطّاطيّة، والتّهديد بخطف سوريّين. وهو ما استدعى تدخّلًا من رئيس مجلس النوّاب نبيه بري، وأمين عامّ "حزب الله" حسن نصر الله؛  لإقناع المحتجّين بمغادرة الشّارع، وترك الاتّصالات السياسيّة تأخذ مجراها، لمعرفة الجهة الخاطفة وكيفيّة التّعامل معها.


4.  رسالة العاهل وزيارة عنان

تزامَن حادث خطف اللّبنانيّين (العائدين من زيارة العتبات المقدّسة في العراق)، مع برقيّة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان. وتكمن أهميّة البرقيّة التي وصلت في الوقت المناسب، في أنّها نبّهت إلى مخاطر تهدِّد لبنان في حال استمرّ تجاهل ما يعانيه أهل السنّة من مظالمَ وتحدّيات. وأبدت البرقيّة قلقها من "استهداف إحدى الطّوائف الرّئيسة التي يتكوّن منها النّسيج الاجتماعي اللبناني"، محذِّرةً من خطر الفتنة المذهبيّة والحرب الأهليّة. وطالبت رئيس الجمهوريّة بالتدخّل لإنهاء الأزمة، من خلال تأكيد الحرص على سياسة النّأي بالسّاحة اللبنانيّة عن الأزمة السوريّة،  والدّعوة إلى الحوار الوطني بين الأطراف (راجع: الصّحف اللبنانية، 29/5/2012).

كان لبرقيّة العاهل السّعودي صداها الإيجابي؛ لكونها أيّدت تحرّك رئيس الجمهوريّة باتّجاه دعوة الفرقاء إلى الاجتماع في قصر بعبدا لاستكمال الحوار. وهو ما خلّف انطباعًا بوجود توجّهات مخالفة لمواقف قوى "14 آذار". غير أنّ الاتّصال الذي أجراه سعد الحريري بالرّئيس برّي مُبديًا فيه تضامنه معه، واستنكاره خطف اللّبنانيّين من حافلة كانت تقلّهم بالقرب من حلب، إضافةً إلى وعده بإجراء اتّصالات إقليميّة مع المعارضة السوريّة للإفراج عنهم، وإرسال طائرته الخاصّة إلى تركيا لنقل المجموعة إلى بيروت؛ كانت كلّها إشارات جاءت لتعزِّز احتمال الهدوء، ومنع انزلاق السّاحة نحو العنف.

ساهمت الاتّصالات العربيّة والإقليميّة والمحلّية في تعزيز موجة التّفاؤل؛ وهو ما شجّع مبعوث الأمم المتّحدة إلى سورية كوفي عنان على زيارة لبنان، والالتقاء بالمسؤولين لوضعهم في أجواء المنطقة، وإطْلاعهم على ما توصّل إليه من قناعات بشأن إنهاء الأزمة المتفجّرة والمتنقّلة من داخل سورية إلى جوارها. فالزّيارة الدّولية لم يعلن عنها سابقًا؛ لكنّها أعقبت مجزرة الحولة، واتّهام الجعفري مجموعة أطراف عربيّة ولبنانيّة بالتّدخّل في الشّؤون السوريّة وتسليح المعارضة وتقويض أمن الدّولة في بلاده.

ربّما تكون زيارة عنان روتينيّة أو محاولة لجسّ نبض الدّولة بشأن سياسة النّأي بالنّفس عن الأزمة السوريّة، وتبيُّن مدى صحّة هذا الخيار ونجاحه في ضبط الاستقرار، ومنع جرّ المشكلة إلى لبنان. وبغضّ النّظر عن الطّبيعة السّياسية للزّيارة الدوليّة البروتوكوليّة؛ فإنّها أعطت قوّة دبلوماسيّة للدّولة. وهو ما دفع رئيس الجمهوريّة إلى التحرّك السّريع، والتوجّه إلى الرّياض، وإلى الكويت والإمارات كذلك، ولقاء العاهل السّعودي، والبحث مع المسؤولين الخطوات التي يمكن القيام بها للمحافظة على الاستقرار، وتشجيع الأصدقاء والحلفاء على المشاركة في الحوار، والانضمام إلى الطّاولة التي بدأت جلساتها الأولى في القصر الجمهوري في 11 حزيران / يونيو. وقد حضرت تلك الجلسات قوى "14 آذار"، ورفعت "مذكّرة إنقاذيّة"؛ اشتملت على تصوّراتها الخاصّة بشأن تفكيك عقد الأزمة (راجع: الصّحف اللبنانيّة، بتاريخ: 10/6/2012).

وفي انتظار انتهاء جلسات الحوار الوطني، هناك عقبات تعترض احتمال نجاحه؛ نظرًا إلى وجود مخاطر تحيط بالبلاد من الجنوب إلى محيط عرسال (البقاع)، وتكرار المصادمات على الحدود السوريّة، وصولًا إلى الشّمال (تجدّدت الاشتباكات في طرابلس، وسقط 13 قتيلًا و 50 جريحًا). فهذا البلد الذي يشكو  من أزمات اجتماعيّة- اقتصاديّة (مشكلة الطّاقة والكهرباء)، ومن تدخّلات أمنيّةٍ تزعزع استقراره (عمليّات خطف متبادلة على الحدود اللبنانيّة- السوريّة)؛ بات الآن على مفترق طرق: فإمّا توظيف التوجّه إلى قصر بعبدا، وإعادة البحث في ملفّات مؤجّلة أو متوافق عليها ولم تعد تحتمل المماطلة والتّسويف؛ وإمّا الغرق في فوضى أمنيّة تبدأ باستقالة حكومة نجيب ميقاتي، وترك البلد عرضة لتجاذبات أهليّة وبأيدي وزراء لا يمتلكون صلاحيّة التّنفيذ، حتّى يقع البتّ في تشكيل مجلس وزاريّ بديل.


5.  أزمة عابرة للحدود

إنّ المشكلة أكبر ممّا هو ظاهر للعيان. فالأزمة الوزاريّة، وسياسة المناكفات، إضافةً إلى حربٍ طويلة بدأت قبل 16 شهرًا في سورية؛ ليست إلّا إشارات تعكس الاحتقان الداخلي. ولبنان الذي قرّر رسميًّا النّأي بنفسه عن الأزمة المجاورة لحدوده، لا يستطيع الاستمرار في الإمساك بالعصا من وسطها؛ ما دامت الأطراف الأهليّة غير متجاوبة مع حسنات سياسة الحياد الإيجابي، ولا هي مقتنعة بها أو متفهّمة لها. كما أنّ النّظام الحاكم في سورية الذي ارتضى في بداية الأزمة إعلان حياد الحكومة اللّبنانية وابتعادها عن مجريات الحوادث ومضاعفاتها وتفاعلاتها؛ قد بات في موقعٍ صعب، أخذ يضغط عليه، ويدفعه نحو تصدير مشكلته إلى المحيط ودول الجوار كما جرت العادة في حالات سابقة.

إنّ الحوار الوطني الذي انتظره اللّبنانيون، ليس بالضّرورة القناة الوحيدة المتوفّرة لتنفيس الاحتقان،  وتجنيب البلاد عواقب الانفجار. لكنّ الحكومة المهزوزة من الدّاخل، لا تمتلك ذلك الحلّ السّحري لأزمة إقليميّة أكبر من مساحة لبنان وساحته. فالحكومة تدرك أنّ الحوار الوطني الفضفاض في محيط مضطرب  ومتعرّض للضّغوط الدوليّة والإقليميّة؛ لا يتعدّى كونه تسلية ومضيعة للوقت. وذلك بالنّظر إلى أنّ الأزمة هذه المرّة، ليست نابعةً من لبنان وتصدَّر إلى الخارج؛ وإنّما هي ناتجة عن أزمة النّظام الإقليمي العربي، واحتمال تدهور الانفجار السّوري، وانفلاته إلى المحيط، وانزلاقه إلى دول الجوار.

إنّ سورية التي قامت بوظيفة الوكيل الأمني في الملعب الإقليمي، قد أصبحت ساحتها عرضةً للتدخّل الخارجي والتّآكل الذّاتي؛ بسبب سياسة النّظام الذي أصرّ منذ اللحظة الأولى على إنكار وجود أزمة، متمسِّكًا بنظريّة المؤامرة الخارجيّة. ولأنّ الوضعيّة قد صارت الآن معكوسةً؛ فإنّ احتمال انفلات الأزمة مسألة غير مستبعدة، سواء نجح الحوار الوطني أو فشل في عدِّ مصلحة النّظام في دمشق، لا تتردّد في الدّفع باتّجاه توسيع دائرة العنف، حتّى تصبح القدرة الدّولية عاجزةً عن التحرّك أو التدخّل أو حتّى احتواء تلك الامتدادات والتّفاعلات.

وهناك الآن سلسلة عقباتٍ تواجه احتمال نجاح الحوار، بعد الانتهاء من الجلسة الأولى. ويحتاج تجاوزها إلى عقليّة تسويةٍ تدرك مخاطر المنعطفات الحادّة؛ مثلما حصل بعد جريمة اغتيال الشّيخ ومرافقه على حاجز الجيش، أو حين أُفرج عن المولوي المتَّهم بدعم المعارضة السوريّة، أو حين أُطلق سراح زياد الحمصي المتّهم بالتّخابر مع "إسرائيل" للإفراج عن فايز كرم الذي اعتُقل بتهمة التّعامل مع العدوّ، أو حين استنكر حزب الله اغتيال الشّيخيْن، أو حين اتّصل الحريري مستنكرًا حادث اختطاف اللّبنانيّين بالقرب من حلب. كلّ هذه الإشارات والخطوات تدلّ على نموّ وعيٍ إيجابيٍّ يدرك المخاطر الكامنة وراء تصدير الأزمة إلى لبنان. غير أنّ ذلك لا يعني أنّ الوضع يسير باتّجاه التّسوية والاستقرار؛ وذلك لوجود صعوبات تتجاوز القدرة على السّيطرة وملاحقة التفاصيل أو بقاء الكثير من الملفّات العالقة في انتظار الحسم فيها. ومنها: موضوع عدم محاكمة عشرات الإسلاميّين المعتَقَلين في السّجون اللبنانيّة، أو موضوع عدم وضوح مطالب الطرف الذي خطف حافلة اللبنانيّين بالقرب من حلب، أو موضوع ارتفاع عدد النازحين السوريّين إلى أكثر من 23 ألف نازح يتركّز القسم الأكبر منهم في شمال لبنان بحسب المفوّضية العليا لشؤون اللّاجئين التابعة للأمم المتّحدة...، وغير ذلك من المشكلات الظاهرة أو الغائبة عن الصّورة.

إنّ المفاجأة واردةٌ، وعناصر انبعاثها من تحت الأنقاض تحتاج فعلًا إلى وعيٍ بضرورة التّسوية. وهو وعيٌ يندر توفُّره في منطقةٍ مضطربةٍ وخصبةٍ بالتّعارضات القابلة دائمًا للتّصادم والانفجار.

لا يمكن حصر المشكلات في إطارٍ واحد؛ فهناك عوامل محلّية متراكمة ومتوارثة، وهناك عوامل إقليميّة قديمة العهد أو مستجدّة تضاف إلى عناصر قابلة للاحتكاك والاشتعال؛ كما هو حاصل في عكار وطرابلس والبقاع الشمالي. 


6.  محسن والتبانة

ليست معارك جبل محسن- باب التبانة مثلًا جديدة. وهي تعود زمنيًّا إلى فترةٍ سابقة على انفجار الأزمة السوريّة. لكنّ الأزمة المشتعلة بالقرب من الحدود اللّبنانيّة، قد رفعت من درجة الاستنفار، ووضعت مشكلة تقاتل الأحياء على مفترق طرق إقليميّة.

وما أُضيف من جديدٍ على الوضعيّة القديمة، يجعل الاستقطاب الأهليّ اللّبناني في حالةٍ من الانقباض الأمني المحكوم بمعادلة الجغرافيا السياسيّة. فهذا البلد ليس قلعة محصنة أو جزيرة نائية بعيدة عن عواصف المحيط. ولبنان بحكم موقعه الجغرافي، لا يستطيع أن يستقلّ ذاتيًّا عن علاقات الجوار وتداخل الحدود (ممرّات، وطرق تجاريّة، ومستودعات إمداد، وملاذات آمنة). كما أنّه لا يستطيع أن يُسقط من حساباته السياسيّة علاقات القربى والزّواج (مصاهرات، عائلات ممتدّة وعشائر عابرة للحدود).

وهذه الشّبكة من العلاقات الجواريّة العائلية المتوارثة، قد أسّستْ على امتداد العقود، ومنذ إعلان دولة لبنان الكبير في عام 1920، منظومة مصالح تجاريّة تعتمد معابر الحدود مناطق نفوذ اقتصاديّة. وهي تفتح الأبواب لدخول الشّاحنات ومركبات النقل أو العمال أو تلك الفئات السورية الوافدة للعمل في قطاعَي الزّراعة والبناء، وخروجها.

لا شكّ في أنّ الأزمة السوريّة قد ساهمت في دفع قوّةٍ مضافة إلى السّاحة اللبنانيّة (نازحين، وهاربين، وباحثين عن عمل أو ملاذٍ آمن)؛ وهو ما أدّى إلى توسيع الرّقعة الاجتماعيّة للجالية السوريّة. لكنّ المشكلة تتجاوز زمنيًّا تلك الحقبة، وهي تنتمي في أصولها إلى تفرّعاتٍ وروافد تتحكّم فيها شروط الجغرافيا السياسيّة.


7.  فائض الأزمة

يبقى السّؤال مطروحًا: هل تفيض الأزمة في سورية عن حاجة الدّاخل، وتبدأ في اختراق الحدود والخروج على دول الجوار؟ إنّ الاحتمال مفتوحٌ على أكثر من صعيد، وهو يخضع في النّهاية لمجموعة شروط موضوعيّة وذاتيّة. ويبقى العامل الموضوعي الأقوى؛ وذلك لأسبابٍ سياسيّة / أهليّة، ولظروف الجغرافيا (الحدود المشتركة، والوجود العسكري السوري سابقًا، وتشابك المصالح التجاريّة، وانقسام القوى السياسيّة بين مؤيِّدة للنّظام ومعارضة له، والتّهديد الإسرائيلي الدّائم). إنّ احتمال استشراء الأزمة السوريّة، هو مسألةٌ واردة موضوعيًّا. وذلك لأنّ عناصر التفرّق كامنة، ولا يمكن تجاهل دورها التّقويضي؛ بسبب ضعف الدّولة، وعجزها عن ضبط التّوازن الأهلي وتفرّعه إلى مناطق ثقل للطّوائف من الشّمال إلى الجنوب. وإضافةً إلى ضعف الدّولة، تبدو القوى السياسيّة المدنيّة أكثر ضعفًا؛ نتيجة طغيان القراءة الطائفيّة / المذهبيّة على كلّ التوجّهات، وتحكّمها في رسم المسارات وأسلوب التّعامل مع الأزمة السوريّة.

يحتوي العامل الموضوعي على كلّ احتمالات التفجّر؛ وهو ما تبدو عليه الأمور الظّاهرة في آليّات الفوضى المتنقّلة من عكار وطرابلس إلى بيروت والبقاع. غير أنّ المسألة في حاجةٍ أيضًا إلى قرارٍ دوليٍّ، وإلى إرادة لبنانيّة ذاتيّة، تمتلك تلك الرّغبة في نقل الأزمة السوريّة وتحمّل تبعاتها ودفع ثمن مضاعفاتها الأهليّة.

أمّا العامل الذاتي / المحلّي، فتنقصه حتّى الآن إرادة المغامرة والدّخول في نفقٍ مظلم. ومن خلال استطلاع المؤشّرات الظّاهرة على السّطح اللّبناني، تبدو الأمور متّجهةً نحو ضبط الاستقرار في حدوده الدّنيا. وتظهر في هذا الصّدد سياسة النّأي بالنّفس عمّا يحصل، وكأنّها أكثر واقعيّة من مختلف القراءات المنحازة.

ويتعرّض الحياد الإيجابي، المُتوخّى رسميًّا، للضّغوط المحلّية والجواريّة؛ لكنّه على الرّغم من تذبذبه،  لا يزال يمثّل الممرّ الآمن لكلّ القوى. وذلك بالنّظر إلى أنّ سياسة الانحياز للسّلطة أو المعارضة، ستوفّر الذّريعة للنّظام السوري للتدخّل وتحريك العناصر الموضوعيّة الكامنة والقابلة للانفجار.

لا مصلحة للحكومة -التي تهيمن عليها قوى "8 آذار" المتحالفة مع رئيس الجمهوريّة والفئات الخارجة على قوى "14 آذار"- في أن تنجرّ نحو الأزمة السوريّة؛ لأنّها هي التي ستتحمّل مسؤوليّة الانفجار  السّياسية والقانونيّة والمعنويّة، وستدفع ثمن نتائجه الأهليّة والاقتصاديّة والدوليّة (الاختراق الإقليمي لمواقع القرار، والسّلوك الدولي المحكوم بعنوان المحافظة على أمن إسرائيل واستقرار حدودها).

كما أنّه لا مصلحة لقوى "14 آذار" في استنساخ الأزمة؛ لأنّ هذا الأمر سيصبّ في حال تفاقمه لمصلحة النّظام السوري، وسيوجّه رسالة إقليميّة للدول الكبرى تحذّر من مخاطر امتداد الأزمة وتأثيرها السّلبي في المحيط الجغرافي وأمن "إسرائيل".

ولا يعني الاعتكاف اللبناني الرّسمي، أنّ البلد سيكون أهليًّا وبمنأى عن الأزمة السوريّة؛ في حال استمرّت في الانزلاق نحو خطوط تماس الجغرافيا ومعابر الحدود. فالعامل الموضوعي هنا يصبح أقوى من الإرادة الذاتيّة (النّأي بالسّاحة عن المحيط)؛ لاسيّما أنّ اللّبنانيّين غير موحَّدين كما هو دارج، وهم الآن في حالٍ من التّجاذب الأهلي المنقسم سياسيًّا بشأن قراءة دوافع الأزمة السوريّة ومضاعفاتها الإقليميّة وامتداداتها الجواريّة.

وحتّى الآن، تبدو القوى اللّبنانيّة متوافقة على التّعاطي بعقلانيّة مع تشعّبات الأزمة على المسرح السوري؛ خوفًا من الدّخول في شبكة من التفاعلات تقوم فيها الجغرافيا بدور الطّرف القادر على كسر الاستقرار. لكنّ الإرادة الذاتيّة، تحتاج إلى قرارٍ وطنيّ جامع، وإلى حماية دبلوماسيّة عربيّة- دوليّة توفّر كلّ شروط الحصانة، وتعطي ضماناتٍ كافية تسمح بضبط إيقاع التوتّر؛ وذلك في حال استمرّت الأزمة السوريّة مفتوحةً على الحلّ الأمني، وغير قادرة على الانعطاف نحو الهدنة أو المعالجة السياسيّة.