العنوان هنا
دراسات 30 مايو ، 2019

دول الخليج وتحديات التحولات في مجال الطاقة

رشيد البزيم

أستاذ القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الأول، سطات، المغرب.


ملخص

تواجه دول الخليج، بوصفها مركزًا لإنتاج النفط والغاز، تحدي التكيف مع مشهد طاقة متخوف باستمرار من وصول موارد جديدة إلى السوق، ومن الانعكاس المتعاظم لتقلبات الطلب والظروف الجيوستراتيجية الشديدة الاضطراب. فالتحدي الكبير لهذه البلدان، التي يعتمد فيها السلم الاجتماعي على استهلاك غير محدود للطاقات المدعومة، يتجلى في خفض وتيرة الاستهلاك، وتطوير طاقات بديلة؛ لحفظ المحروقات التقليدية للتصدير. وتبدو آثار هذه التحولات كبيرة اليوم، فاستقرار هذه الدول، الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، على المحك، فضلًا عن قدرتها على أن تظل جهات فاعلة رئيسة في نظام الطاقة العالمي؛ إذ تحتاج سياسات الطاقات المتجددة المصممة، بحسب الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الفريدة لكل بلد، إلى ترجمة الطموحات إلى إجراءات عملية سريعة لتحقيق النجاح، والعودة من جديد إلى إحياء خيار التعاون في إطار مؤسساتي مثمر.

مقدمة

لم يعد التحدي اليوم محصورًا في توفير حاجات الدول الغربية من مواد الطاقة، بعد دروس الأزمات النفطية، بل بات يُسائل قدرة دول الخليج على التكيف مع ظهور نموذج الطاقة الجديد الذي تسعى الدول الغربية لبنائه، وتسعى مثلها الصين في غدها، حيث الالتزامات البيئية حاضرة فيها، وبقوة، من خلال التنفيذ الفعلي لمساهماتها المحددة وطنيًا، في إطار اتفاق باريس على الحد من التغيرات المناخية.

وتزامنًا مع ارتدادات الربيع العربي السياسية والاجتماعية، تواجه الدول المنتجة للنفط والغاز في الخليج تحديًا مهمًا آخر، أوجده ما يوسم في مشهد الطاقة الدولي بـ "الموارد غير التقليدية"، ولا سيما الغاز والنفط الصخريين، بوصفهما نوعين غير مألوفين من المحروقات؛ إذ نلاحظ إعادة توزيع الخرائط، وتهديد الدور الإستراتيجي للمنطقة في مدّ العالم بالطاقة. فوصف المحروقات بأنها "غير تقليدية"، لم يأتِ من استغلالها الحديث، أو من تكوينها، بل هو إشارة إلى أنواع الوقود الأحفوري التي يصعب استغلالها بطرق الاستخراج التقليدية، وغالبًا ما تكون من طريق الحفر البسيط؛ لذلك يتطلب استخراجها استخدام عمليات تكميلية (مثل التكسير الهيدروليكي)، فالتقنيات الموظفة تكلف أكثر من الحفر البسيط.

نشهد اليوم انتقالًا من عالم كانت فيه الدول الغربية هي المستهلكة الأولى للمواد النفطية، ودول من الشرق الأوسط تتزعم إنتاج هذه المواد، إلى عالم جديد باتت فيه الولايات المتحدة أكبر منتج هيدروكربوني في العالم، قبل السعودية وروسيا، ودول الخليج من بين أكثر الدول استهلاكًا للطاقة، فضلًا عن تراجع مستمر في الطلب الأوروبي للطاقة منذ عام 2008، وهو أمرٌ لم يُشهد له مثيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ورغم تعويضه بالنمو المطّرد للاستهلاك الآسيوي، فإن هذا الانخفاض الكبير في السوق الأوروبية يجعل المنتجين في درجة عالية من القلق.

لقد أخفقت دول الخليج في تحويل الريع النفطي إلى تنمية مستدامة. ويتجلى ذلك في "استمرار الاعتماد على النفط مصدرًا رئيسًا للدخل، والعجز عن تطوير يد عاملة وطنية منتجة؛ من خلال تهميش القطاع الخاص واحتضانه، وسوء إدارة كل من الاستثمار الأجنبي والمساعدات الخارجية، وأخيرًا تبذير حصة كبيرة من عائدات النفط في الإنفاق العسكري، وفي مشاريع فخمة غير منتجة".

وقد تغير، في السنوات الخمس الماضية، دور دول الخليج في الاقتصاد السياسي الدولي تغيرًا كبيرًا. فمكانة المنطقة، بوصفها موردًا عالميًا للمحروقات، آخذة في التضاؤل، والاستهلاك المحلي للنفط والغاز مستمر في الارتفاع، فضلًا عن تحويل نسبة من الاستثمارات الخليجية في الدول الصناعية إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولم تعد السعودية تمارس نفوذًا قويًا في مجموعة العشرين، كما أصبحت العلاقات بالصين والهند تتسم بالاعتماد المتبادل.

وعلى الرغم من ذلك، تأخذنا عواقب ظهور نموذج الطاقة الجديد إلى ما هو أبعد من مجال المهتمين بإستراتيجيات الطاقة؛ أي إلى أسس السلم الاجتماعي بأكمله، وهو ما أُسِّسَت عليه هذه الدول، فكل الرهان اليوم على التوازن السياسي القائم على الاقتصاد المعتمد أساسًا على الصادرات من الطاقة الأحفورية؛ إذ ترتبط النفقات من الواردات الحكومية بأجندة بناء الدولة، ارتباطًا أوضح، لخلق السلام المجتمعي والقبول السياسي بها.

والواقع أن دول الخليج تواجه معضلة حساسة، فإصلاح نظام الطاقة غير المستدام فيها، قد يخلق في نهاية المطاف توترات اجتماعية داخلية، في ظل التحديات الكبرى التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط، والأوضاع التي آل إليها الربيع العربي، وتفاقم التوترات بين أطراف دولية مختلفة، أو الحفاظ على المسار نفسه، مهما كلَّف الأمر؛ أي بثمن أعلى ومتزايد، وتأجيل التقويمات المؤلمة الضرورية لمستقبل أكثر أمانًا، وهو أمر غير مؤكد إلى حد بعيد.

من أجل ذلك، تحاول هذه الورقة الإجابة عن الأسئلة الآتية: هل تشكل مسارات تحول الطاقة تهديدًا لدول الخليج؟ وما خياراتها لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية في مجال الطاقة الواقع بين الطفرة التي تعرفها المحروقات غير التقليدية في الولايات المتحدة الأميركية، والتي تشكل هزة محتملة في جانب العرض، وبين التقلبات الكبيرة التي يعرفها الطلب الطويل المدى على المحروقات، في ظل وضع جيوستراتيجي مضطرب، وزيادة الاستهلاك المحلي، والتعافي البطيء من الأزمة الاقتصادية، وسياسات انتقال الطاقة التي باتت تعرف تطورًا ملموسًا في الصين والهند والاتحاد الأوروبي؟


* هذه الدراسة منشورة في العدد 37 (آذار/ مارس 2019) من دورية "سياسات عربية" (الصفحات 100-112)وهي مجلة محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات كل شهرين.

** تجدون في موقع دورية "سياسات عربية" دراسات ومراجعات مختارة متاحة للتنزيل من العدد الجديد (38) والعددين (37) و(36)، كما يمكنكم شراء باقي محتويات هذه الأعداد الثلاثة، فيما تتوافر محتويات الأعداد السابقة جميعها مفتوحة ومتاحة للتنزيل.