حنّة أرندت: السياسة والتاريخ والمواطنة

21 أكتوبر،2018
المؤلفون
الكلمات المفتاحية

صدر حديثًا في سلسلة "ترجمان" عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب حنّة أرندت: السياسة والتاريخ والمواطنة، وهو تعريب خالد عايد أبو هديب لكتاب Hannah Arendt: Politics, History and Citizenship لفيليب هانسن. يقتفي هانسن في كتابه هذا مساهمة حنة أرندت في دراسة الحياة العامة، ومحاولتها تخطيط طبيعة "السياسي" في عصرنا، والسبل التي يرتبط فيها الناس بعضهم ببعض، وما يعلّمنا ذلك بشأن ماهيتنا وما في مقدورنا فعله.

في محاولتها التمسك بمتطلبات الفلسفة السياسية وأسسها التاريخية، لا تسعى أرندت إلى استعادة حرفية لما مضى وانقضى، ولا إلى نفي صريح لما عفا عليه الزمان. فالأمر لا يقف عند حد استحالة الماضي؛ بل هو أمر غير مستحب: فالتقليد الغربي الخاص بالفكر السياسي يناقض بعضه بعضًا؛ إذ إن قيمه تشوّه طبيعة الحياة العامة بقدر ما تكشف عنها.

سياسة... وسياسة زائفة

يتألف هذا الكتاب (384 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) من ستة فصول. في الفصل الأول، التاريخ وانحطاط السياسة، يتفحص هانسن نقد أرندت للتاريخ، وهو النقد الأكثر تقليبًا في مقالتها "مفهوم التاريخ". يقول إن أرندت في نقدها ليست شديدة الاهتمام بالتاريخ بوصفه فرعًا تقنيًا، أو بمكانة التفسير التاريخي، بل بمغزى الوعي التاريخي لنوعية الحياة العامة. وترى أن هذا الوعي يشكّل طريقة للتفكير في العالم غير ملائمة للفعل العام الحقيقي. مع ذلك فإن هذا النوع من التفكير واسع الانتشار ولا يقتصر على تصورنا للتاريخ وحده؛ فمجالات العلم والتكنولوجيا البالغة التأثير في المجتمعات الحديثة معالم بارزة من معالم هذا التصور

يمثل الفصل الثاني، الحرية والفعل والمجال العام: مدينة حنّة أرندت والأسس لسياسة أصيلة، بحثٌ في العناصر الأساسية لما تعتبره أرندت سياسة أصيلة، أي الحياة العامة؛ بحثٌ بصورة خاصة في مفاهيم "الحرية" و"الفعل" و"المجال العام"، وفي العلاقة التي تربط هذه المفاهيم بالإطار المفاهيمي الذي تطوره أرندت في كتابها الشرط الإنساني. يحاول هانسن أن يثبت أنها حين تعطي هذه الأفكار نكهتها الخاصة، فإنها ليست عصية على الفهم أو منقطعة عن الواقع السياسي القائم لتعمل بصفتها أدوات أدبية أو تأملية فحسب.

في الفصل الثالث، المجال العام تحت الحصار: السياسة الزائفة والعصر الحديث، يتناول هانسن عناصر ما يسميه سياسة "زائفة" أو "شبه" سياسة، حيث يتجلى الطابع الأنطولوجي لموقف أرندت بوضوح: إذا أحبطت إمكانات قيام سياسة أصيلة، فسيجد الفعل الإنساني منافذ أخرى. ومن بين أهم ظواهر السياسة زيفًا، في الأقل في الدول الديمقراطية الليبرالية، نجد الثقافة الجماهيرية، والعنف كحكمٍ حاسمٍ في الشؤون العامة، وخصوصًا الكذب السياسي المنظَم الذي يقدّم تحليله أهم مساهمات أرندت المتبصرة والفذة لفهمنا السياسة المعاصرة. إن الحقيقة غير المريحة بشأن السياسة الزائفة هي أن المتورطين فيها يعيدون إنتاجها. والشكل النهائي للسياسة الزائفة، التجسيد الأكمل للخصائص المشؤومة، هو التوتاليتارية.

توتاليتارية وثورة

يقول هانسن في الفصل الرابع، التوتاليتارية، إن التوتاليتارية عند أرندت تقف عند تقاطع من التطور التاريخي لمؤسسات اجتماعية وسياسية مخصوصة، مع التراث الغربي للتعليل المفهومي. هناك معنى في القول إن الدولة التوتاليتارية تمثّل تحقيقًا مرعبًا لقيم كونية معينة، وهذا التطور هو الذي شكّل أكثر من غيره تأرجح أرندت حيال الدور السياسي الذي تقوم به الفلسفة التقليدية، وهو ما استقدم الحاجة إلى استكشاف ما الذي تعنيه أن تفكر سياسيًا.

في الفصل الخامس، الثورة،  يجد المؤلف أن الثورة بالنسبة إلى أرندت تمثل أهم محاولة حديثة لإرساء مجال عام حقيقي، وهي تعبر عن قدرة البشر على أن يبدأوا مجددًا، وأن يلجوا العالم من خلال الكلمة والفعل، ويخلقوا تاليًا فضاء عامًا حيًا. إنها تفتح بطريقة جديدة مسائل بشأن طبيعة الشؤون العامة وقيمتها، وتفتح إمكانات غير مسبوقة تاريخيًا أمام المشاركة السياسية. كما تكشف الثورة لأرندت الجانب الإيجابي من التراث وعلاقته بالعصر الحديث: فهي تقدّم ملجأ لتلك الذكريات التاريخية الخاصة بمحاولات إيجاد فضاء عام.

يعتمد هانسن في الفصل السادس والأخير، ما هو التفكير سياسيًا؟، في تحليل أرندت للسياسة والسياسي على عناصر التفكير السياسي تحديدًا: عقلانية المواطن المتميزة. يوضح أن التفكير (عالم التأمل) والفعل (عالم الفعل) ليسا، بالنسبة إلى أرندت، منفصلين فحتى في عزلة نشاط التفكير، يكون العالم في المتناول، ويجب أن يكون كذلك. إن التفكير السياسي لا يتضمن تأملًا بشأن أشياء سياسية معترفٍ بها، بل نوعًا معينًا من العلاقة بالآخرين وبالذات، والعلامة المميزة الرئيسة ليست الذكاء ولا الاستقامة الأخلاقية، بل القدرة على اتخاذ القرار.

اقــرأ أيضًــا

 

فعاليات