حملات كسروان في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية

28 مايو،2017
المؤلفون
الكلمات المفتاحية

في كتابه حملات كسروان في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية، الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (304 صفحات بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا)، يحاول الباحث محمد جمال باروت مَرْحَلَة أدوار ابن تيمية وتحديدها في سياق الصراع السياسي المملوكي-الإيلخاني على بلاد الشام، مستكشفًا ثلاثة أدوار له، تحت أسماء "ابن تيمية الأول" و"ابن تيمية الثاني" و"ابن تيمية الثالث"؛ ليصل إلى مرحلة "ما بعد ابن تيمية الثالث" في القرن الرابع عشر الميلادي الذي حلّ فيه زمان التعصب بحسب رأيه. كما يحاول المؤلف الاجتهاد في وضع فتاوى ابن تيمية المتعلقة بالآخر المسلم في سياق تاريخها الاجتماعي-السياسي المحدد بهذا الصراع.


مصادر إيستوريوغرافية

في الفصل الأول "إيستوريوغرافيا الحملات الكسروانية: كسروان في الرؤية التاريخية السردية المتركزة طائفيًا"، يقول باروت إن المصادر التاريخية اللبنانية المعاصرة، ارتكزت حتى أواسط سبعينيات القرن الماضي في إعادة بنائها تاريخ كسروان، ولا سيّما الحملات المملوكية الثلاث عليها؛ على تحديد الهوية الطائفية الكسروانية، فكانت زجلية جبرائيل بن القلاعي حروب المقدّمين ومديحة كسروان مصدرًا رئيسًا، وتاريخ الأزمنة لإسطفان الدويهي، وتاريخ طنوس أخبار الأعيان في جبل لبنان، والتي دوِّنت كلُّها بفاصل قرنين ونيف، على الأقل، عن تاريخ حدوث الحملات.

تعود هذه المصادر إلى مؤرخين موارنة، ما عدا حمزة بن سباط الدرزي، مؤلف صدق الأخبار، أو تاريخ ابن سباط، هو ثاني مؤرخي التنوخيين الدروز بعد صالح بن يحيى. وبحسب باروت، تتراوح المدونات التاريخية الإسلامية في رؤيتها إلى الكسروانيين بين من يعدّهم "نصيرية" و"روافض جهلة"، ومن يراهم "دروزًا". ولئن كان ابن تيمية قد حدد من استهدفتهم الحملة بأنهم "روافض" أي شيعة إمامية اثنا عشرية، فإنه ذكر أيضًا أنه كان فيهم "خلق كثير ]...[ من جنس الإسماعيلية والنصيرية والحاكمية والباطنية".


نقد إيستوريوغرافي

يعدُّ باروت المؤرخين أحمد بيضون وكمال الصليبي ووجيه كوثراني من أبرز من وجه النقد الإيستوريوغرافي إلى أعمال المؤرخين اللبنانيين بشأن تاريخ لبنان، "واختلف هؤلاء الإيستوريوغرافيون عن المؤسس المنهجي المبكر للإيستوريوغرافيا اللبنانية أسد رستم في كون رستم قد اقتصر في كتابه المبكر مصطلح التاريخ على تحديد الجوانب المنهجية للإيستوريوغرافيا في ضوء مفاهيم المدرسة المنهجية الفرنسية، لكنه حدّدها في ضوء خبرته كمؤرخ وخبير بالنصوص التاريخية، مركّزًا على عيوب الكتابة التاريخية من منظور إيستوريوغرافي". فكوثراني خصص مقالات عدة لإعادة كتابة تاريخ كسروان على أساس تركُّز طائفي، من خلال دراسته نماذج التاريخ الماروني للجبل، ونماذج المؤرخ الدرزي، والمؤرخ المسلم السني، والمؤرخ المسلم الشيعي، وارتبط نقده الإيستوريوغرافي بنقد تصور تلك النماذج لتاريخ لبنان. واهتم الصليبي الذي جمع بين الإيستوريوغرافي والمؤرخ في جهده النقدي الإيستوريوغرافي، بنقد المصادر التاريخية اللبنانية الكلاسيكية أو المتأخرة لتاريخ جبل لبنان، والتي شكلت حتى وقت قريب مصادر مرجعية، وركّز على نقض أساطيرها. أما بيضون فيصفه باروت بالإيستوريوغرافي اللبناني الذي ركّز على نقد طريقة إعادة كتابة المؤرخين اللبنانيين المعاصرين لتاريخ كسروان خصوصًا، وتاريخ لبنان عمومًا، وما يثوي فيها من مفهوم، بل من نظام أيديولوجي متركز طائفيًا للتاريخ.


رسالتا ابن تيمية

ضمن الفصل  المعنون "رسالة ابن تيمية إلى السلطان وإعادة التعريف الهوياتي الطائفي لكسروان"، يقول باروت إن رسالتين وصلتانا من ابن تيمية؛ الأولى أرسلها من داخل كسروان إلى ابن عمه الشيخ عز الدين ابن تيمية في دمشق، يصف فيها الكسروانيين المعتصمين في الجبال من دون أن يفصل انتماءاتهم تفصيلًا دقيقًا، ذاكرًا "مجريات تدمير كسروان عبر دينامية المحاكاة التخييلية المقارنة، بتأكيد أن ما حدث هو شبيه بغزوة الرسول محمد لبني النضير؛ إذ يرى شبهًا كثيرًا بين الكسروانيين وبني النضير"؛ والثانية أرسلها إلى السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون، كتبها بعد نهاية الحملة الثالثة (705هـ/1305م)، بدت فيها هويّة أهل الجبل أشدّ وضوحًا، بحسب باروت الذي قال: "نجد فيها - بخلاف رسالته الأولى - تصريحًا بذكر الرافضة وشيوخهم من بني العَود، وذكر من يساكنهم من الإسماعيلية والنصيرية والحاكمية والباطنية، كما نلحظ أنه يصرّح في صفاتهم بنكاح المتعة الذي اختصّ به الشيعة الإماميّة الاثنا عشرية"، ويوضح فيها للسلطان شرعية الغزوة، "لكون الكسروانيين من أكابر المفسدين في الدنيا والدين، مفارقين للشرعة والطاعة". يرى باروت أن التعرُّف إلى هذه الرسالة مثل نوعًا من انقلاب في التواريخ اللبنانية الكسروانية المعاصرة؛ إذ أنهضت دراسات تاريخية جديدة، متركزة شيعيًا ودرزيًا وسنّيًا.

ويميز باروت بين تواريخ مذهبية لمنطقة كسروان، كتاريخ يوسف الدبس الماروني، وتاريخي نجلاء أبو عز الدين وسامي مكارم الدرزيين، وتاريخ عمر تدمري السني، وتاريخ كمال الصليبي البروتستنتي، وتاريخ أسد رستم الأرثوذكسي، وتاريخ محمد علي مكي الشيعي، وتواريخ أحمد علي حسن وحامد حسن وإميل آل معروف النصيريين، باحثًا في نقاط تلاقي هذه التواريخ ونقاط طلاقها.


لم تحدث

يدرس باروت في الفصل الثاني الحملات المملوكية على كسروان، ويروي في باب سمّاه "الحملة الكسروانية الأولى التي لم تحدث" رواية الصراع بين السلطان المملوكي قلاوون الألفي ونائب السلطنة في الشام الأمير سنقر الأشقر، وتمكن قلاوون من حسم الصراع بتجريد الأشقر من إقطاعاته، والزجّ به في السجن، لينادي في عام 1287 بالحملة ضد كسروان والجرد، "فكلف نائب طرابلس الأمير سنقر المنصوري باستباحتها، واستُدعي الأمراء البحتريون ليشاركوه فيها، وأُعلِنَ أن من سبى امرأة منهم كانت له جارية، أو صبيًا كان له مملوكًا، ومن أحضر منهم رأسًا فله دينار، لكن هذه الحملة لم تحدث، وربما تردّد الأمراء التنوخيون في المشاركة فيها أو حاولوا التملّص منها، أو صرف المماليك أنفسُهم النظر عنها في سياق احتدام الصراع الصليبي - الصليبي في طرابلس".

خلف الأشرف خليل والده قلاوون في تولي السلطنة، واستمر على خطاه لاقتلاع الصليبيين من الشام، فوضع كسروان تحت رقابة لصيقة، وأمن منطقة غرب بيروت وثغرها بإعادة الاعتبار إلى الأمراء التنوخيين. وفي ظل اصطفاف الأمراء المماليك وتحاربهم على السلطة، عبّأ الأشرف الحملة المملوكية على كسروان، وهي الأولى، وكلف الأمير بيدرا بقيادتها، فانكسرت وكان انكسارها سببًا في اندلاع التناقضات السلطوية والإثنية حول منصب السلطنة بين الأمراء المماليك.


ثلاثة أدوار

استسلمت دمشق للتتار بقيادة غازان في عام 1299، فنهبوا حواضرها، يكتب باروت: "بسبب ما فعله التتار بالصالحية وحواضر دمشق مثل المزة وداريا، بدأ ابن تيمية يتحول من ابن تيمية الأول (الذي بدأ في صفر 682هـ - أيار/ مايو 1283م، حين ورث منبر والده برواق الحنابلة بجامع دمشق يفسر القرآن الكريم وغير ذلك) إلى ابن تيمية الثاني (709-700هـ/1300-1309م)" الذي اضطلع "بمقومات التأثير والقوة في المجال الفتويّ - الاجتماعي - السياسي اليومي المباشر، وبالضغط الشديد على المركز المملوكي في القاهرة في وقت واحد لصدّ هجمة التتار. وخلال فترة الفراغ في السلطة هذه، غدا ابن تيمية بطل دمشق في صدّ التتار".

بحسب باروت، يبدأ ابن تيمية بالتحول من ابن تيمية الثاني إلى ابن تيمية الثالث بعد حملة كسروان الثالثة، كما عبّرت عن ذلك بصورة أنموذجية رسالته إلى السلطان الناصر، بُعَيد نهاية الحملة في عام 706هـ/1306م. يقول: "سيحكم هذا الطور الثالث أساس الربط في مرحلة تجدد الصراع المملوكي-التتاري، بين الفِرق الشيعية والثيو-صوفية العرفانية والتتار، على أساس أن تلك الفِرق هي العدو الداخلي لدولة الإسلام المملوكية في مقابل العدو الخارجي الخارج عن الإسلام، على الرغم من تلفظه بالشهادتين، فما عادت جزءًا من ظاهرة المنافقين المنتشرة بين المتفقهة والمتصوفة، والعامة والخاصة، والمقاتلة والأمراء، بل أضحت نِحَلًا قائمة بذاتها يتجسم بها مفهوم عدو الإسلام. ومن الناحية الفقهية والمعرفية، سيحكم ذلك في مرحلة ابن تيمية الثالث إنتاج أفكاره وفتاويه التي تحمل أول مرة رائحة من الناصبية، بالمعنى الذي كان يميز فيه ابن تيمية موقفه منها حتى أواخر حياته"


حملة ثالثة فخراب

لم يقاوم الكسروانيون الحملة الثانية عليهم (8 – 19 تموز/ يوليو 1300م) التي قادها جمال الدين أقوش الأفرم، نائب السلطنة في دمشق، بل استسلموا متجنبين الهزيمة. يقول باروت إن أعيان الكسروانيين أتوا ابن تيمية فتوسط بينهم وبين الأفرم الذي حاول أن يحل المشكلة معهم بطريقة سياسية، كي يحول بولائهم دون أي تقدم صليبي محتمل نحو دمشق، فأوفد إليهم الشريف الشيعي الإمامي زين الدين بن محيي الدين بن عدنان لإقناعهم بإصلاح شؤونهم مع أمراء الغرب التنوخيين والدخول في طاعتهم، لكنه فشل. أوفد الأفرم ابن تيمية والأمير بهاء الدين قراقوش ناظر بعلبك، إلى الكسروانيين لحثهم على الرجوع إلى الطاعة، بينما شرع بتجهيز الحملة الكسروانية الثالثة الكبرى (1305م) التي أدت في النهاية إلى خراب كسروان، والتي انخرط فيها ابن تيمية شخصيةً مملوكيةً أيديولوجيةً تعمل في الفضاء الديني - المذهبي لعمل الأفرم. وإذ يشير باروت إلى ما قيل عن إفتاء ابن تيمية بهذه الحملة، يسأل عن نص هذه الفتوى فلا يجده. يقول: "لا يعني هذا السؤال إنكار كتابة ابن تيمية إلى تلامذته للالتحاق به في الحملة على كسروان، بل الغرض منه محاولة تبيّن تطور موقف ابن تيمية الفقهي- العملي السياسي من كسروان خصوصًا، والجماعات الاعتقادية الإسلامية غير السنيّة عمومًا".

بعد الحملة، عاد ابن تيمية إلى دمشق، واصطدم بفقهاء رموه بالخروج على العقيدة الأشعرية في التوحيد والأسماء والصفات، فأمر السلطان المملوكي بعقد مجلس فقهي لسؤاله عن عقيدته. وجرت مناظرة على الأساس النصي للعقيدة الواسطية، فلم يستطع الفقهاء أن يجدوا مستمسكًا اعتقاديًا واضحًا على فساد عقيدته. يقول باروت إن هذه المحاكمة كانت مظهرًا أيديولوجيًا لصراع سياسي بين مراكز القوى في الجهاز السياسي-الفقهي المملوكي، فاضطربت دمشق بين من وقف معه ومن وقف ضده في ما عرف بـ "فتنة دمشق". حوكم ثانية في القاهرة وأودع في السجن، إلى أن عفا عنه السلطان المملوكي وأخرجه.


صراعه الأكبر

في الفصل الثالث "ابن تيمية الثالث والسلطان: توتر العلاقات السنّية المملوكية - الشيعية الإيلخانية"، يتكلم باروت على مرحلة ابن تيمية الثالث وعودة دوره إلى البروز في شروط توتر العلاقات المملوكية–الإيلخانية، وتنتهي بمحاكمته من جديد لتبدأ بعدها سلسلة اضطهادات وتهميشات له حتى وفاته في عام 1328م. كما يتحدث عن اثنتين من فتاويه؛ تناولت الأولى وجوب قتال الأمراء الملتحقين بخدابنده التتاري، رابطًا بين قتالهم وقتال الرافضة، مدرجًا في الرافضة أهل الزندقة من النصيرية والإسماعيلية وأمثالهم من الملاحدة القرامطة. والثانية فتواه الشهيرة بشأن ماردين، وتلخصت بالإجابة عن سؤال: هل ماردين بلد حرب أو بلد سلم؟ وكان صاحبها الملك الصالح حرّض خدابنده على غزو الشام. قال ابن تيمية: "هي مركّبة فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي يجري عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسمٌ ثالث يُعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويُقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه".

يقول باروت إن صراع ابن تيمية الأكبر على المستوى الأيديولوجي في سياق توتر العلاقات المملوكية–الإيلخانية كان ضد الفقيه الشيعي جمال الدين الحسن بن يوسف بن مطهر الحلي. وبحسب المؤلف، عكس هذا الصراع بينهما تبلور رؤيتين صحيحتين من وجهة نظر أتباعهما في التراثين الكبيرين في الإسلام، وإن كانت أصولهما ترتدّان إلى القرن العاشر الميلادي الذي تبلورت فيه الأشعرية فكريًا، كما أخذت الإمامية الاثنا عشرية والنصيرية والإسماعيلية تتبلور في مقابل السنّية، ومن ثم ستتكون في القرن اللاحق الدعوة الموحدية (الدرزية).


فتاواه في النصيرية وغيرهم

في الفصل نفسه، يبين باروت فتاوى ابن تيمية في النصيرية أتباع رجل خرج في زمان ابن تيمية وادّعى أنه المهدي المنتظر؛ إذ أفتى بقتالهم "ما داموا ممتنعين حتى يلتزموا شرائع الإسلام؛ فإن النصيرية من أعظم الناس كفرًا بدون اتباعهم لمثل هذا الدجّال، فكيف إذا اتبعوا هذا الدجّال (ويعني المهدي)، وهم مرتدون من أسوأ الناس ردة، تقتل مقاتلهم وتغنم أموالهم، وسبي الذرية فيه نزاع؛ وأما إذا لم يظهروا الرفض، وأن هذا الكذاب هو المهدي المنتظر، وامتنعوا فإنهم يقاتلون أيضًا، لكن يقاتلون كما يقاتل الخوارج المارقون الذين قاتلهم علي بن أبي طالب؛ كما يقاتل المرتدون الذين قاتلهم أبو بكر الصديق، فهؤلاء يقتلون ما داموا ممتنعين، ولا تسبى ذراريهم، ولا تُغنم أموالهم التي لم يستعينوا فيها على القتال". يقول باروت إن هذه الفتوى جاءت في مطلقات كفر المطلق لا في أعيان كفر المتعين بحسب منهج ابن تيمية، "لكن في سياق الصراع السياسي للمماليك (السنّة) مع الشيعة (التتار)، وتمرد النصيرية في جبل النصيرية، تغدو الحدود ضيقة بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن؛ إذ إن فتوى ابن تيمية هنا وردت في سياق تاريخي، وعن طوائف محددة بأعيانها، يسأله المستفتون عنها، وعن التعامل معها".

يضيف باروت أن ابن تيمية الثالث أصدر فتاوى محددة في شأن الفِرق النصيرية والإسماعيلية والدرزية، "وتنوس هذه الفتاوى نوسًا متداخلًا على مستوى منهج التكفير أو براديغمه المرجعي الحاكم لأفكاره بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن، في ضوء مفهوم الطائفة الممتنعة". وما يدفع باروت إلى اعتبار أن ابن تيمية أصدر فتاواه إصدارًا مفصّلًا ضد النصيرية، ونسبيًّا ضد الإسماعيلية، وإجمالًا ضد الدرزية في مرحلة ابن تيمية الثالث، "هو أنه لم يكن معروفًا عنه هذا الموقف التفصيلي في مرحلتي ابن تيمية الأول وابن تيمية الثاني، ثم انخراطه في حملة كسروان الثالثة وسجنه وإقامته الجبرية في مصر". ثم يتناول باروت تطور معرفة ابن تيمية بالفرق الباطنية وإعادة تعريف مذهبية كسروان نصيريًا، ويعين حدود الفهم والاختلاط في فتاوى "ابن تيمية الثالث" حول النصرية والإسماعيلية والدرزية، حتى انتهاء دوره مع حلول السلام المملوكي – التتاري، وانهيار الشروط السياسية لترسيمات ابن تيمية بشأن الدار المركّبة والطائفة الممتنعة، وعودة المحنة إلى ابن تيمية وتلامذته حين كتب فقهاء دمشق فُتيا تتضمن تجريمه بفتواه في النهي عن شدّ الرحل لزيارة قبر الرسول.


زمنه مستمر

يتناول الباحث أخيرًا اضطهاد الفرق الصوفية العرفانية والشيعية وطردها من مجال الجماعة، وحلول زمن التعصب بإخماد حركة الإحياء الشيعية الأولى بعد حملات كسروان، والتحول من حقبة إحياء السنّة بالوسائل الهجيمونية، إلى فرضها بالأساليب القسرية المؤسسية.

يختم باروت كتابه بالقول إن زمن ابن تيمية زمن صراع سياسي مملوكي-تتاري صريح، "حكم بدرجة أساس فتاواه ومنظوراته كفقيه مميّز من أقرانه في المؤسسة الفقهية المملوكية في كونه مستقلًا، ولا يتلقى أجرًا ولا أعطيات من السلطان، وهو ما يفسر تعقد العلاقة بينه وبين السلطان وجهازه الفقهي-البيروقراطي المحيط به، وانتهى هذا الصراع ومضى، بينما لا يزال التطييف السنّي-الشيعي الذي عبّرت عنه سجالية ابن تيمية-الحلّي للصراع السياسي في عصرهما مستمرًا في صيغة الماضي-الحاضر-المستمر، في شكل عصبيات سنية-شيعية طائفية مسيّسة، أورثت المجال الإسلامي الحاضر الطائفية السنية-الشيعية العدوانية المتجددة والاستقطابية في طور تسييس الطوائف. فلا يزال قسم كبير من مراجع إظهار الصراع السياسي اليوم في شكل صراع طائفي سنّي-شيعي اليوم يضرب بجذوره في الصراع المملوكي-الإيلخاني في القرن الرابع عشر، الذي تنمذج في صراع ابن تيمية مع الحلي، ولا تزال صراعات المصالح والسيطرة تعيد إنتاجه في شكل كابوس طويل لم يستفق الوعي الإسلامي منه حتى الساعة".

اقــرأ أيضًــا

 

فعاليات