اللغة والفلسفة اللغوية العربية

11 سبتمبر،2017
المؤلفون

من الغايات الثقافية التي انتدب المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات نفسه إلى تحقيقها، إعادة نشر الكتب العربية المهمة التي صدرت في سياق النهضة العربية وتحولاتها. وكثير من تلك الكتب شبه المنسية، والمفيدة في الوقت نفسه، تستحق إعادة نشرها مجددًا لأهميتها التاريخية والفكرية معًا. وفي هذا السياق أصدر المركز، في سلسلة "طي الذاكرة" كتابين للمؤرخ المعروف جرجي زيدان؛ هما الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية الصادر أول مرة في عام 1886، وتاريخ اللغة العربية الصادر في عام 1922، أي بعد وفاة المؤلف.

ارتأى المركز إصدار الكتابين معًا بين دفتَيْ كتاب واحد، قدّم له الباحث أنطوان أبو زيد. أما جرجي زيدان المولود في بيروت في عام 1861 فهو واحد من أهم المؤرخين العرب منذ أواخر القرن التاسع عشر فصاعدًا، وكان من أوائل من حوّل التاريخ العربي إلى روايات شائقة، انتشرت كثيرًا بين أيدي الناس طوال القرن العشرين. وفضلًا عن جهده المشهود في كتابة الرواية التاريخية، كان جرجي زيدان مؤرخًا جادًا، وخصوصًا في كتبه الثلاثة: تاريخالتمدن الإسلامي (1902)، والعرب قبل الإسلام (1908)، وتاريخ آداب اللغة العربية (1911)، وغيرها. وكانت شهرة جرجي زيدان قد طبّقت الآفاق في العالم العربي بعد إصداره مجلة الهلال في القاهرة في عام 1892.

أما كتاب اللغة والفلسفة اللغوية العربية (256 صفحة بالقطع المتوسط، مفهرسًا) فهو حصيلة بحوث معمقة قام بها المؤلف متأثرًا بنظرية تشارلز داروين في النشوء والارتقاء؛ فعدّ اللغة كائنًا حيًا، خاضعًا لناموس الارتقاء، ودرس بدايات النطق لدى الإنسان العربي القديم، وكيف تطورت تلك المفردات الأولى وتحولت، بالتدريج، إلى لغة ذات بنية ودلالات ومعانٍ، ثم تتبّع علاقة الأصوات بالألفاظ والمعاني. ولا ريب في أن إعادة إصدار هذين الكتابين اليوم في مجلد واحد تساهم، بالفعل، في الالتفات إلى قضايا اللغة العربية في عصر متسارع يكاد يبيد كل أصيل.

القرآن الحكم

في الكتاب الأول، الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية، بحث تحليلي لنشأة اللغة العربية وتكونها، باعتبار أنها اكتسابية خاضعة لناموس الارتقاء العام، كما يرى. وإذ يسمع الشعوب العربية في مصر وسورية وبلاد المغرب وغيرهم يتكلمون العربية، يقول: "لكن كل شعب منهم تختلف لغته عن لغات الآخرين اختلافًا قليلًا أو كثيرًا بنسبة البعد بينهم والاختلاف في أحوالهم. ولولا القرآن لاستقلت لغة كل شعب حتى لم يعد الشعب الآخر يفهمها كما حصل في فروع اللغة اللاتينية (الفرنسية والإسبانية والإيطالية وغيرها)، ولكن محافظة المتكلمين في اللغة العربية على لغة القرآن والرجوع إليها في ما يكتبونه ويخطبون فيه جعل في لغاتهم المولدة مرجعًا يجمع لغاتهم إلى أصل واحد كما لا يخفى".

يدور البحث في هذا الكتاب على خمس قضايا ونتيجة؛ القضية الأولى، أن الألفاظ المتقاربة لفظًا ومعنًى هي تنوعات لفظ واحد. ويتكلم فيتكلم في هذا الجزء على "القلب" و"الإبدال" ، أما القلب فهو "تقديم أو تأخير أحد حروف اللفظ مع حفظ معناه أو تغيره تغيرًا طفيفًا" بحسب تعبيره، ذاكرًا أن سببه، في الغالب، الميل إلى تخفيف اللفظ أو التفنن فيه، وأنه يحدث في الغالب اعتباطًا. ومما يدخل في الألفاظ المتقاربة لفظًا ومعنى. وأما الإبدال فهو "إبدال حرف أو أكثر من كلمةٍ ما بحرف أو أكثر يقرب منهُ لفظًا"، ويحصل هذا غالبًا بين حروف من مخرج واحد أو من مخارج متقاربة، وينتج في الغالب من علة طبيعية في أعضاء النطق في أول الأمر، ثم بالاستعمال تحفظ التنوُّعات، وربما خُصص كل تنوع لفظي بتنوع من المعنى الأصلي.

في غيرها أو في نفسها

ومدار القضية الثانية أن الألفاظ المانعة الدالة على معنى في غيرها (كحروف الجر والعطف وأحرف الزيادة ونحوها) إنما هي بقايا ألفاظ ذات معنى في نفسها. وفي هذا الباب يتحدث زيدان عن "النحت" فيقول: "النحت ناموس فاعل على الألفاظ، وغاية ما يفعله فيها إنما هو الاختصار في نطقها تسهيلًا للفظها، واقتصادًا في الوقت بقدر الإِمكان. وهذا الناموس لم تنجُ من فتكه لغة من لغات البشر أدناها وأسماها، بل قد جرى فيها على السواء من أول نشأتها، ولم يزل حتى الآن ولن يزال إلى ما شاء الله". ويتناول "الاشتقاقات والتصاريف الجديدة"، وهما بحسب قولِه "دائمَا التولُّدِ في اللغة ما دامت حية، فالمتأمِّل في لغة عامتنا مثلًا يرى هنالك مشتقات وتصاريف فعلية لم تكن في اللغة قبلًا، أعني لم يتكلم بها العرب". ويتطرق إلى "مزيدات الأفعال وتصاريفها"، و"تصاريف الأسماء".

أما القضية الثالثة فمحورها أن الألفاظ المانعة الدالة على معنى في نفسها يُرَدُّ معظمها بالاستقراء إلى أصول ثنائيةٍ أحاديةِ المقطع تحاكي أصواتًا طبيعية؛ يقول: "تشتمل هذه الألفاظ على الاسم والفعل وما يشتق منهما، واللغويون يردّون كلًا من الاسم والفعل إلى أصول معظمها ثلاثية وبعضها رباعية، لا يرون هذه الأصول قابلةً للردّ إلى أقل من ذلك، وعندي أنها قابلة ولو بعد العناء". ويخلص في هذه القضية إلى القول: "إننا نستدل من إمكان تجريد قسم عظيم من الأصول الثلاثية إلى أصول ثنائية تحاكي أصواتًا طبيعية، ومن كون ألفاظ اللغة من شأنها التغير والتنوع لفظًا ومعنًى، على أن الألفاظ المانعة الدالة على معنى في نفسها يرد معظمها إلى أصول ثنائية أحادية المقطع تحاكي أصواتًا طبيعية".

تكاد تكون واحدة

في القضية الرابعة، ومفادها أن جميع الألفاظ المطلقة كالضمائر وأسماء الإشارة ونحوها قابلة الرد بالاستقراء إلى لفظ واحد أو بضعة ألفاظ، يقول زيدان: "يرى الباحث المتأمل في أحوال هذه الألفاظ في لغات مختلفة أنها تكاد تكون واحدة في جميعها، وأَنها من الأدلة الواضحة على وحدة الأصل فيها". وبعد بحث تقني في اللغات السامية، يضيف: "بناء على كون ضمير المخاطب وأسماء الإشارة والموصولات هي جميعًا ألفاظ مشتركة الدلالة، وكونها قابلة التعويض بعضها عن بعض في اللغة الواحدة، وكونها متقاربة لفظًا في سائر البشر، يُرجِّح أنها في الأصل لفظة واحدة بمقطع واحد. ونظرًا لكون التقارب اللفظي يحصرها في الأحرف السنانية، أرجِّح أن ذلك الأصل هو التاء متحركة وأن الأصل في دلالتها الكون المطلق، وأن منها تولدت جميع هذه التنوعات لفظًا ومعنًى تبعًا لناموس الارتقاء العام". وبذلك، يرجح كل الترجيح أَن الألفاظ المطلقة مهما تعددت أَشكالها ودلالاتها لا تخرج عن كونها ناشئة من لفظ واحد أو بضعة ألفاظ، من جملتها التاء.

أما القضية الخامسة فمحورها أن ما يستعمل للدلالة المعنوية من الألفاظ وُضِع أصلًا للدلالة الحسية، ثم حُمل على المجاز لتشابهٍ في الصور الذهنية. وبحسب زيدان، قد تتنوع دلالات الألفاظ على طرق مختلفة تبعًا لتصورات الناطقين بها وتنوعها، "فإذا اختلف رأيهم في شأن فذهبوا فيه إلى خلاف ما ذهب سلفاؤهم احتاجوا للتعبير عن هذه التصورات الحديثة إلى ألفاظ حديثة. فهم في مثل هذه الأحواليأخذون من الألفاظ ما يقرب دلالة ممّا يحتاجون إليه، فتبقى هذه الألفاظ أثرًا يشير إلى ما كان عليه سلفاؤنا من الآراء، الأمر الذي ربما لا يتيسر للتاريخ الإتيان به".

أصول قليلة

أما النتيجة فمفادها أن "لغتنا مؤلفة أصلًا من أصول قليلة أحادية المقطع، معظمها مأخوذ عن محاكاة الأصوات الخارجية، وبعضها عن الأصوات الطبيعية التي ينطق بها الإنسان غريزيًّا". وفي هذا الباب، يسأل زيدان: "هل اللغة ضرورية توقيفية أم هي مكتسبة اصطلاحية؟ كونها ضرورية يقتضي كونها حاصلة بلا اكتساب ونظر، وكونها توقيفية يقتضي كونها ثابتة البناء، والدلالة غير قابلة التغير والانفعال شأن كل ما هو توقيف منه تعالى". ويقسم زيدان الكلام في تاريخ اللغة إلى دورين: تقليدي ونطقي. ويقسم التقليدي إلى قسمين: تقليد الأشكال وتقليد الأصوات. أما الدور النطقي فيريد به زيدان "حال اللغة بعد تحول ألفاظها بالقلب والإِبدال والنحت من تقليد الأصوات، تقليدًا بسيطًا إلى ألفاظ مستقلة يدل بها على المعاني دلالة صمَّاء لا تظهر فيها صبغة التقليد، كما هو حال اللغة الآن".

وتحت عنوان "اختراع الكتابة"، يقول زيدان إن الأَدوار التي تمر بها الكتابة قبل وصولها إلى ما هي عليه الآن أربعة: الدور الصوري الذاتي، وتدلُّ الصور فيه على المعاني الذاتية، وهو قاصر لا يمكن التعبير به إِلا عن أبسط الحوادث؛ والدور الصوري الرمزي، وفيه، فضلًا عن الصور الذاتية، صور رمزية تدلُّ على المعاني المعنوية التي لا صورة لها في الخارج؛ والدور المقطعي، وتدل الصورة فيه على أول مقطع من اسمها، وهو خطوة كبرى في اختراع الكتابة؛ والدور الهجائي وفيه تصبح تلك المقاطع حروفًا، وهو آخر خطوة بلغت إليها الكتابة حتى الآن، فإنك ببضع عشرات من هذه الحروف تعبِّر عن كل ألفاظ اللغة مهما تعددت وتنوعت. ويختم زيدان كتابه هذا بفصل في "العدّ والأرقام".

أدوار الكلام

في الكتاب الثاني، تاريخ اللغة العربية، يتناول زيدان ألفاظ العربية وتراكيبها، بعد تمام تكونها، باحثًا في ما طرأ عليهما من تغيير، مبينًا الأَلفاظ والتراكيب التي دثرت من اللغة بالاستعمال، وما قام مقامها من الأَلفاظ الجديدة، والتراكيب الجديدة، بما تولد فيها، أَو اقتبسته من سواها، مع بيان الأَحوال التي قضت بدثور القديم، وتولُّد الجديد، وأمثلة مما دثر، أَو أهمل، أَو تولد، أَو دخل. هذا الكتاب، وفقًا لزيدان نفسه، بحث لغوي تاريخي فلسفي قسم الكلام فيه بحسب الأَدوار التي مرَّت على اللغة.

في فصل "العصر الجاهلي"، يتناول زيدان تاريخ اللغة من أَقدم أَزمانها حتى الإِسلام، مقدمًا أمثلة مما دخل عليها من أَلفاظ أَعجمية آتية من الحبشية والفارسية والسنسكريتية والهيروغليفية واليونانية وغيرها، مع إسناد ذلك إِلى أَسباب تاريخية، وباحثًا في قاعدة تعيين أصول تلك الأَلفاظ، ومبينًا أَمثلة مما تولَّد في اللغة نفسها من الأَلفاظ الجديدة، مؤيدًا آراءه بمقابلة العربية بأخواتها، أَو بالنظر إِلى ألفاظها بحد ذاتها. يقول: "تعيين أَصل اللفظ لإِلحاقه باللغة المأخوذ منها يحتاج إِلى نظر لا يكفي فيه المشابهة اللفظية، إذ كثيرًا ما تتفق كلمتان من لغتين في لفظ واحد ومعنى واحد ولا تكون بينهما علاقة، وإِنما يقع ذلك على سبيل النوادر بالاتفاق.. إِلا إِذا دلَّت القرائن على انتقال إِحداهما من لغة إِلى أُخرى وساعد الاشتقاق على ذلك". وإذا اتفق، في لغتين، لفظان متقاربان لفظًا ومعنًى، وكان بين أَهل تينك اللغتين علاقات متبادلة من تجارة أَو صناعة أَو سياسة، "جاز لنا الظنّ أن إِحداهما اقتبست من الأُخرى".

إسلامٌ فإدارةٌ فعلم

في فصل "الألفاظ الإسلامية"، يتناول زيدان العصر الإِسلامي، ويريد به "ما حدث في اللغة بعد الإِسلام من الأَلفاظ الإِسلامية مما اقتضاه الشرع والفقه والعلوم اللغوية ونحوها". ويقول: "أشهر ما حدث من التنوُّعات في الألفاظ العربية في العصر الإسلامي، المصطلحات الدينية، والشرعية، والفقهية، واللغوية [...] وكانت ألفاظها موجودة قبل الإسلام، لكنها كانت تدلُّ على معانٍ أُخرى، فتحوَّلت للدلالة على ما يقاربها من المعاني الجديدة". ويقال نحو ذلك في الاصطلاحات اللغوية التي اقتضتها العلوم اللغوية. ويذكر أن الإسلام محا من اللغة ألفاظًا قديمة، ذهبت بذهاب بعض اعتقادات الجاهلية وعاداتهم.

في فصل "الألفاظ الإدارية"، يقول زيدان إنها تشمل ما دخل اللغة العربية من الأَلفاظ التي اقتضاها التمدن الإِسلامي عند إِنشاء دولة العرب، وهي إِما دخيلة، وإما مولَّدة، فيبحث في كيفية انتقال اللفظ من معنى إِلى آخر. يكتب: "أول الألفاظ الإدارية التي استحدثت في الدولة العربية ’الخليفة‘، فإنها كانت تدل في الأصل على من يخلف غيره ويقوم مقامه بدون تخصيص، ثم انحصر معناها فيمن يخلف النبي، وأول الخلفاء أبو بكر.. ومنها صارت تؤدي معنى ’السلطان يحكم بين الخصوم والسلطان الأعظم والمحكم الذي يستخلف عن قبله‘ ويقال نحو ذلك في سائر مناصب الدولة، كالوزارة، والإمارة، والنقابة، والكتابة، والحجابة، والشرطة، ونحوها".

في فصل "الألفاظ العلمية"، يعرض زيدان أمثلة عن الأَلفاظ والتراكيب التي اقتضاها نقل العلم والفلسفة من اليونانية وغيرها إِلى اللغة العربية في العصر العباسي، ومنها الألفاظ الطبية والرياضية والفلسفية والمنطقية والكلامية، ومنها الألفاظ والتراكيب العلمية الأعجمية التي دخلت إلى العربية وبقيت على حالها.

في فصل "الأَلفاظ العامة"، يدرج زيدان الأَلفاظ التي تولَّدت في اللغة، أَو دخلتها بغير طريق الشرع، أو العلم، كالأَلفاظ الاجتماعية ونحوها من ألفاظ أُخرى، نتجت مما طرأ على الآداب الاجتماعية من التغيير، فضلًا عن التجارة والصناعة، وما اقتضاه كل منها من تنوع الألفاط العربية أو اقتباس الألفاظ الأجنبية، كأسماء الأنغام الموسيقية، والألحان وفروعها، عدا ما اقتبسه المسلمون من العادات الأجنبية، وما يتبع ذلك من أسماء الملبوسات، والأطعمة، والاحتفالات.

بين دخيل ومولّد

في فصل "الأَلفاظ النّصرانية واليهودية"، يعرّف زيدان هذه الألفاظ بأنها "ما دخل اللغة العربية من الاصطلاحات الدينية لأهل الكتاب، وخاصة بعد أن نُقلت التوراة والإنجيل إلى اللسان العربي [...] فقد كانت لغة الدين المسيحي قبل الإسلام السريانية، واليونانية، والقبطية... ولغة اليهود العبرانية، على تفاوت في استخدام الواحدة دون الأُخرى، واختلاف ذلك باختلاف العصور والأماكن. فلما جاء الإسلام، وانتشر المسلمون في العراق، والشام، ومصر، وتسلَّطت اللغة العربية، أخذت تلك اللغات تتقهقر، حتى توارت.. ولم يبق منها إلا آثار قليلة في بعض الطقوس، فالمسيحيون أصبحت العربية لغتهم، ولكنهم لم يستطيعوا التعبير بها عن كل اصطلاحاتهم الدينية، ولما ترجموا التوراة والإنجيل إلى العربية، أبقوا كثيرًا من الألفاظ الدينية على لفظها ومعناها... على أن كثيرًا من الألفاظ النصرانية دخلت اللغة العربية في العصر الجاهلي، كالقسيس، والدير، والتوراة، والإنجيل، وغيرها".

في فصل "الأَلفاظ الدخيلة والمولّدة في عصر التدهور"، تطرق زيدان إلى ما خالط اللغة من الألفاظ والتراكيب الأعجمية، بعد انقضاء دولة العرب، وإفضاء الملك إلى السلاطين والأُمراء من الفرس، والديلم، والترك، والأكراد، والجركس، في العراق، وفارس، والشام، ومصر وغيرها. وفي رأيه، لم تكن الدول الأعجمية أقل عناية بآداب اللغة العربية من الدول العربية، "بل كانوا أكثر اهتمامًا منهم في إنشاء المدارس، وتعليم الفقراء، واستنساخ الكتب، ولكن حال العمران على إجماله يومئذ قضى على اللغة بالانحطاط، فدخلها التكلف والتجمُّل والتصنع، وتكاثرت فيها ألفاظ التفخيم والتبجيل.. وشاع التسجيع في الإنشاء".

في فصل "النهضة العلمية الحديثة"، يوضح المؤلف ما حدث مما اقتضاه التمدن الحديث من تولد الأَلفاظ الجديدة، واقتباس الأَلفاظ الإِفرنجية للتعبير عمّا حدث من المعاني الجديدة في العلم، والصناعة، والتجارة، والإِدارة، وغيرها. يكتب زيدان: "التغيير الذي أصاب اللغة العربية في النهضة الأخيرة، قد أصابَ ألفاظَها وتراكيبها.. وبعضه دخلها من اللغات الأجنبية، والبعض الآخر تولَّد فيها بالتنوُّع والتفرُّع.. وللإحاطة بالموضوع نقسم الكلام فيه إلى قسمين: نبحث في القسم الأول عن الدخيل، وفي القسم الثاني عن المولد". ويختم: "ولا ننكر أنَّ بعض هذه المولَّدات كان في الإمكان الاستغناء عن توليدها باستعمال ألفاظ كانت في اللغة قبل هذه النهضة، ولها نفس الدلالة المطلوبة، ولكن قضت الأحوال بالتجديد المستمر.. وهو من نواميس الحياة".

اللغة كائنٌ حي

بعد فصل "لغة الحكومة المصرية في دواوينها" تطرق فيه إلى ألفاظ وتعبيرات لا مثيل لها في اللغة الفصحى، "وفيها ما لا يمكن تطبيقه على قاعدة، ولا الرجوع به إلى قياس.. ففي مخاطبات الدواوين وصور الأوامر العالية من الألفاظ الغريبة، والتراكيب الركيكة ما هو غريب في بابه، وقد بلغ ذروة الغرابة في أواسط القرن الماضي قبل نضج هذه النهضة"، أتت "خلاصة" الكتاب.

يقول زيدان: "يتبيَّن للقارئ مما ذكرناه عن أحوال اللغة العربية فيما توالى عليها من العصور والأدوار في أثناء نموِّها وارتقائها من زمن الجاهلية إلى هذا اليوم، أنها سارت في كل ذلك سير الكائنات الحيَّة بالدثور والتجدُّد المعبَّر عنه بالنمو الحيوي.. فقد تولَّدت في العصر الإسلامي ألفاظ وتراكيب لم تكن في العصر الجاهلي، وتولَّدت في العصور التالية ما لم يكن فيما قبلها. وأخيرًا تولَّدت في نهضتنا الأخيرة من الألفاظ والتراكيب ما لم يكن معهودًا من قبل.. فالوقوف في سبيل هذا النموِّ مخالف للنواميس الطبيعية، فضلًا عن أنه لا يجدي نفعًا.. فاللغة كائن حيٌّ نامٍ خاضع لناموس الارتقاء، ولا بد من توالي الدثور والتولُّد فيها.. أراد أصحابها ذلك أو لم يريدوا. تتولَّد ألفاظ جديدة وتندثر ألفاظ قديمة على مقتضيات الأحوال لحكمة شملت سائر الموجودات".

اقــرأ أيضًــا

 

صدر حديثاً

فعاليات