تجربتي في الثورة السورية كفرية والفوعة ... وريف إدلب

(شهادة شخصية)
13 مارس،2018
المؤلفون

يقول خطيب بدلة في كتابه تجربتي في الثورة السورية – كفريا والفوعة... وريف إدلب، الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (144 صفحة بالقطع الصغير، مفهرسًا) إنه لم يكن يخطر بباله أن من الممكن أن يكتب عن تجربته في الثورة السورية الآن، لأن الثورة لا تزال مستمرة "ولا نعرف نحن الذين شاركنا فيها كيف ستنتهي، ولا على أي برّ سترسو؛ وثانيها أن معظم الأشخاص الذين سأضطر إلى الحديث عنهم لا يزالون أحياء، وأخشى أن تسبب لهم كتابتي مشكلات هم في غنى عنها، أو تُعَرّضَهم للمخاطر، لا سمح الله؛ وثالثها، وهذا هو الأهم، أن الحديث عن بلدتَيْ كفرية والفوعة اللتين يسكنهما مواطنون سوريون يعتنقون المذهب الشيعي الجعفري، ضمن محيط سني، هو حديث يمتلك حساسية تقترب في شدتها من شدة الصعق بالكهرباء على حين غرة!".

يكتب بدلة شهادته الشخصية في ما حصل في ريف إدلب، وتحديدًا في محيط بلدتي الفوعة وكفريا الشيعيتين، مع أنه يعترف: "اعتدنا نحن السوريين أن نؤجل التطرق إلى الموضوعات الحساسة مرة ومرتين وعشرًا، بل إننا نمعن في تأجيل معالجة المرض الذي يلمّ بنا حتى يندمل جرحُنا وهو ملتهب، ليأتي يومٌ يصابُ فيه جسدُنا كله بالغنغرينا، ويصبح البتر هو الحل الوحيد للمشكلة".

يروي بدلة في كتابه: "في بداية الثورة، كنتُ مقربًا من تنسيقيات الثورة في مدينة إدلب، أتمتع عند الشبان الثائرين بصدقية كبيرة، لكوني، وأنا في التاسعة والخمسين من عمري، شاركتُ في معظم التظاهرات المعادية لنظام الأسد، ومنها التظاهرات الخطرة التي تعرضتْ لإطلاق الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع، إضافة إلى كوني كاتبًا محسوبًا، بصورة أو أخرى، على معارضي النظام". هذا القرب من التنسيقيات جعله في موقع "ثوري" متقدم، واتاه في البداية لكن ما لبث أن صار عليه وبالًا، خصوصًا عندما أراد الوقوف في وجه أسلمة الثورة السورية. فمن أراد أسلمتها، من أهالي إدلب أو من الوافدين إليها من الأجانب بحجة نصرة أهل السنة والجماعة، رأوا فيه المعارض الذي ما قطع علاقته نهائيًا بمسؤولي البعث والنظام في إدلب، مه أن بدلة في بداية الأمر سخر علاقاته هذه، ومكانته الرفيعة في قلوب الكثيرين من المتنفذين هناك، لإنقاذ من وقع في أشراك أمراء الحرب الجدد، وفي براثن طالبي الانتقام لا الثورة.

يروي بدلة: "كانت الشهور السبعة أو الثمانية الأولى من الثورة هي، برأيي، الأجمل والأحلى والأرقى؛ هي أيام لا يمكن أن يذهب مذاقُها الحريف من فمي حتى أموتَ وأوارى تحت الثرى في مكان ما من العالم الذي أتشرد فيه منذ أن غادرتُ سورية الحبيبة. لكن هناءتنا تلك لم تَدُمْ. فحين بدأت الثورة بالتسلح، أصبحنا نعاني أخبار الخَطف الذي يُعْرَفُ بالتجويل، وأنا، منذ البداية، كرهتُ هذا الفعل وتحسستُ خطورته، واحتججتُ عليه لكن من دون جدوى، فقد اتسع الخرق على الراتق. ثم بدأتُ أحصرُ عملي اليومي، كُلَّهُ تقريبًا، في مجال فك أَسْر المُجَوَّلين وإعادتهم إلى أهاليهم. ولم أنتبه وقتها إلى خطر هذا التحول في مسيرتي: من ثائر يمشي في التظاهرات ويهتف للحرية والخلاص من الاستبداد، إلى رجل مشغول بالحد من حَجْز حرية الناس على يد المطالبين بالحرية أنفسهم!".

أخافه ما رآه من تشرذم طائفي في منطقته، ومن أخطاء الثوار الذين غرقوا في معمعة الانقسام الطائفي، خصوصًا في مسألة الفوعة وكفريا، وتمترس السنة محاصرين الشيعة فيهما، بينما الشيعة والعلوين يتمترسون محاصرين السنة في الساحل.

يختم بدلة شهادته الشخصية في أيامه بين الثوار السوريين بما يشبه المانيفستو الثور النقي من مماعلق بالثورة من شوائب. يكتب: "أنا إنسان عادي. لستُ بطلًا، ولستُ شجاعًا، لكنني، مع ذلك، ثرتُ، وتعرضتُ لمخاطر جمة. لستُ راضيًا عما جرى في جانبنا نحن الثوار، وانتقدتُ أسلمة الثورة، وخضتُ صراعات طويلة من خلال فايسبوك مع المتشددين. صرختُ ملء صوتي احتجاجًا على عدوان جبهة النصرة على فصائل أخرى من الجيش الحر، وإقدامها على قتل رجال من قرية قلب لوزة الدرزية، وانتقدت عدوان فصائل من جيش الفتح على الحرية الشخصية لنساء إدلب بحجة فرض الحجاب. لكنني، مع هذا كله، لا أسمح لنفسي بأي نوع من التعاطف مع نظام ابن حافظ الأسد الذي أرى أنه يجب أن يسقط في كل حال".

اقــرأ أيضًــا

 

فعاليات