اللغة العربية في النظام الصهيوني - قصّة قناع استعماري

22 يناير،2019
المؤلفون

في كتاب اللغة العربية في النظام الصهيوني - قصّة قناع استعماري، الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يتناول اسماعيل ناشف قضية مواقع اللغة العربية ومنتجاتها كحلبة بنيوية جرت من خلالها عمليات فحص وإعادة تصميم للعلاقات بين الفلسطينيين في إسرائيل من جهة، والدولة والنظام الصهيوني من جهة أخرى، منذ عام 1948 حتى اليوم.

إن محاولة وصف التاريخ الاجتماعي للغة العربية الفصحى ومنتجاتها مبنية على الفهم الأساسي الذي يفيد بأن أجهزة الدولة والفلسطينيين اعتبروا اللغة العربية الفصحى رمزًا للجماعية الوطنية والقومية لدى الفلسطينيين في إسرائيل، وبناء عليه فإن من يسيطر عليها يعيد صوغ هذه الجماعية.

الفائض والقهري

يتألف الكتاب (272 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) من أربعة فصول وخاتمة. في الفصل الأول، الفائض والقهري – "العربية"، يتطرق ناشف إلى قضية التاريخ البنيوي لاستعمال اللغة العربية الفصحى ومنتجاتها من قبل الفلسطينيين في إسرائيل، ويتتبع الشروط البنيوية التي تمكن القراءة والكتابة للفلسطينيين في إسرائيل في أعقاب نكبة 1948 التي أدت إلى فقدان الفلسطينيين قدرتهم على الفقدان، وبهذا سلبت منهم إمكانية تشكيل جماعيةٍ ما. بحسب ناشف، كان هناك إغلاق لبنْية قراءة وكتابة صهيونية محددة مبنية على الفائض، تحتم على كل حدث أن يقرأ وأن يكتب من جديد بحسب علاقته بالمشروع الصهيوني.

هذه العلاقات البنيوية لشروط إمكانية القراءة والكتابة أدت إلى تطوير طريقة قراءة وكتابة فلسطينية قهرية - قراءة وكتابة تكرارية ملتصقة بجسد فائض القراءة والكتابة الصهيونية، من أجل أن ينجح الفلسطينيون في إسرائيل في البقاء كجماعة. العلاقات البنيوية بين طريقتي القراءة والكتابة، الفائضة والقهرية، قائمة داخل حلبة اللغة العربية الفصحى ومنتجاتها، الحلبة التي بنتها دولة إسرائيل من خلال أجهزتها الحداثية.

بدايات وسلاسل

في الفصل الثاني، إنشاء "العربية" - بدايات بنيوية وسلاسل من الأحداث الأدبية، يتناول المؤلف إلى صورة "العربية" في الفترة بين أواخر عام 1948 وأواخر ستينيات القرن العشرين. في هذه الفترة الأولى من حياة "العربية" في المجال العام، كانت هناك ثلاث مجلات عملت منابر رئيسية لنشر النقد الأدبي. هذا الجنس الأدبي تطلب نوعًا محددًا من القراءة والكتابة بالعربية الفصحى، ودعا إلى جماعية وطنية في أوساط الفلسطينيين في إسرائيل.

في ذلك الوقت، كان هناك ثلاثة مواقف أساسية تستخدم النقد الأدبي في حلبة الفصحى: موقف أجهزة الدولة الذي كان يجري التعبير عنه من خلال قراءة وكتابة الخبراء المستشرقين على أنواعهم المختلفة؛ الموقف الثاني مثلته مجلة الجديد، وهي من منشورات الحزب الشيوعي الإسرائيلي الرئيسية؛ والموقف الثالث مثلته مجلة المجتمع بقيادة ميشيل حداد ومجموعة الفلسطينيين التي تجمعت حوله، وقد نادوا للعودة إلى حلبة العربية الفصحى التي تقبل الشروط التي وضعتها دولة إسرائيل للفلسطينيين -الولاء للدولة والانفصال عن تاريخ الثقافة العربية الإسلامية- من خلال إعادة إنتاج الفلسطيني بوصفه "ابن إسرائيل".

قناع المحاكاة

في الفصل الثالث، الوسيط في "العربية" - قناع المحاكاة الاستعماري، يُعالج المؤلف الفترة التي مر بها النقد الأدبي بالفصحى، والموجه إلى القارئ الفلسطيني في إسرائيل، بعمليات أكْدمة، مدعيًا أن هذه العمليات أنتجت موقع الوسيط داخل "العربية"، فأسهمت في إعادة صياغة لديناميكياتها الداخلية، كما في حلبات أخرى في أجهزة الدولة.

الحوامل التاريخية لهذه العمليات هم مجموعة الأكاديميين الفلسطينيين الذين درسوا في جهاز التربية العربي في إسرائيل، وأكملوا دراساتهم في الأكاديمية الإسرائيلية، وبعضهم عمل فيها بوظائف رسمية. من أهم الشخصيات الفاعلة في عمليات أكْدمة النقد الأدبي بالفصحى في هذه الفترة محمود غنايم. يفحص ناشف مدونة غنايم في النقد الأدبي التي تناولت الأدب الفلسطيني في إسرائيل، ووجهت إلى جمهور القراء الفلسطيني فيها عبْر نشرها في المجلات الأدبية التابعة للبنْية المادية - المؤسساتية لـ "العربية".

تحرير الإجراء

يركز ناشف في الفصل الرابع والأخير، تحرير الإجراء – "العربية" في أيدي الخبراء الفلسطينيين، على لحظة تحول حصلت في بداية تسعينيات القرن الماضي، والتي يُعبر عنها اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، بالمستويين المحلي والعالمي على السواء. أما من ناحية "العربية"، فقد سادت المطالبة باحتكارها واحتكار منتجاتها في دولة إسرائيل. بدأ التغيير في المستوى المادي - المؤسساتي لـ "العربية"، حيث كان هناك ازدياد ملحوظ في عدد منظمات المجتمع المدني التي اطلقت مشاريع ترمي إلى تحسين مكانة اللغة العربية الفصحى ومنتجاتها في إسرائيل، وعلى وجه التحديد في أوساط الفلسطينيين مواطني إسرائيل.

في الوقت ذاته، أدّت عمليات الأكْدمة من الفترة السابقة إلى مبادرة من قبل مجموعة من المثقفين الفلسطينيين لإقامة مجْمع لغة عربية في إسرائيل، وذلك في عام 1989. أثمرت هذه العمليات في عام 2007 على شكل سَنّ قانون مجْمع اللغة العربية الذي يشبه إلى حد بعيد قانون مجْمع اللغة العبرية الذي سُنّ في عام 1953. وبهذا، تشكلت استمرارية جديدة من المواقع داخل "العربية"، حيث يقترح كل منها طريقًا مختلفة من العودة والتموضع مقابل اللغة العربية الفصحى ومنتجاتها.

اقــرأ أيضًــا

 

فعاليات