رسالة الكلِم الثمان

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب رسالة الكَلِم الثمان للشيخ حسين المرصفي، حقّقه وقدم له خالد زيادة. صدرت هذه الرسالة في عام 1881، ويستعرض فيها المرصفي ثماني كلمات جرت على ألسنة الناس، فارتأى شرحها، وهي: الأمة، والوطن، والحكومة، والعدل، والظلم، والسياسة، والحرية، والتربية، من وجهة نظر عالم أزهري منفتح على الأفكار الجديدة. ومن خلال الشروح، يقدم تحليلًا للواقع المصري عبر نظرة نقدية تتناول الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومثل جميع كتّاب تلك المرحلة، يركز على أهمية التربية بصفتها عامل نهوض، ويفرد لها الحيّز الأكبر من رسالته.

ثماني كلمات

في تقديمه الرسالة، يدرج زيادة ترجمة للشيخ المرصفي، ثم يتناول الرسالة نفسها مبيّنًا أنها تحاول، من حيث الشكل، أن تشرح معاني ثماني كلمات جارية على ألسنة الناس، لهجوا بذكرها في هذه الأوقات، "ويبدأ الشيخ مباشرة بشرحه للفظ ’الأمة‘ فيفرد له ما يقرب من اثنتي عشرة صفحة، ثم ’الوطن‘ فيعطيه أقل بقليل من اللفظ السابق. أما اللفظ الثالث، وهو ’الحكومة‘، فيعطيه خمس صفحات من الكتاب المكون من ثمانٍ وستين صفحة. ثم يُعطي لثلاثة ألفاظ هي: ’العدل‘ و’الظلم‘ و’السياسة‘ ما لا يزيد على نصف صفحة، أو اثني عشر سطرًا فقط. ثم يتحدث عن ’الحرية‘ في صفحتين: ويفرد بقية الكتاب (أي ما يقل عن نصفه بقليل) للفظ ’التربية‘، ويقسم الفصل المتعلق بالتربية إلى ثلاثة أقسام متفاوتة في عدد الصفحات".

لا خطة واحدة

يستنتج زيادة أن الكتاب "لا يجري على خطة واحدة من حيث ترتيب موضوعاته. كما أن المؤلف لا يلتزم عنوان الموضوع أو الفصل الذي يعالجه، بل يتطرق إلى موضوعات أخرى تجره هي ذاتها إلى موضوعات مختلفة. وليس لنا أن نعتقد بأن الكتاب هو فقط شرح لمصطلحات محددة، وإن كان العنوان الرئيس يوحي بذلك، بل الكتاب، إضافة إلى ذلك، محاولة للإجابة عن مسائل اجتماعية عامة وبيان كيفية إصلاحها".

يلتزم الكتاب الفصحى؛ فالمرصفي بحسب زيادة "جعل مهمته تحسين أسلوب الإنشاء والكتابة العربية، لكن مع ذلك، نجد بعض تراكيب الجمل وبعض العبارات تقترب من العامية، مع بعض الألفاظ الدارجة، وهي غير كثيرة على العموم في مجمل الرسالة. ويمكن أن نعزو ذلك إلى طريقة التأليف التي تمت عبر إملاء النص، فجاء أسلوب الكتابة قريبًا من لغة المشافهة والمحادثة. ويتردد هذا الأسلوب على امتداد صفحات الكتاب، إضافة إلى أن المؤلف يستخدم أحيانًا أسلوب المجادلة، الأمر الذي يمكن تفسيره بأن وقت الإملاء قد ساده بعض النقاش".

أثر خلدوني

يجد زيادة في تحقيقه الرسالة تأثيرًا حاسمًا، في الشكل وفي المضمون، لمقدمة ابن خلدون، "هذا التأثير الذي طبع فكر الشيخ الأزهري حسين المرصفي وانعكس بوضوح على سائر الرسالة".

فابن خلدون يقدم للمرصفي فكرةً عن انحطاط الدول ومنهجًا لتحليل انهيارها وتلاشيها. والدول التي يتحدث عنها في مقدمته هي وليدة المجتمع الإسلامي ذاته الذي يستجلي المرصفي أحواله على الرغم من تقادم الزمن. ويفيد المرصفي من تحليل ابن خلدون ليحلل فساد المجتمع المصري وانحلاله، "ويجد أن الفلاحين، شعب مصر، أو كما يسميهم العمال في الزراعة، كانوا واقعين تحت ضغط وإفساد ثلاث فئات هي: المماليك والعرب والعمد. ويستخدم تعبير (العرب) ليشير به إلى القبائل والعشائر، مبالغًا في تضخيم دورهم".

وصف الواقع بلا تزيين

بحسب زيادة، يقدم المرصفي في الكتاب تحليلًا للواقع المصري ينطبق على مجتمعات أخرى مشابهة من عربية وإسلامية، "وهذا التحليل الذي يقدمه ينطلق من حقائق الأمور: الفقر الشديد، والإرهاق الذي لحق بأوسع الفئات، وتسلط المتنفذين، وجهل ونفاق رجال الدين، فيعرض لنا تقريرًا عن واقع الحال دون تمويه أو تزيين".

يكتب زيادة: "تتميز رسالة الكلم الثمان إذًا بواقعية صارمة ناتجة من تخلف أحوال البلاد والأعمال والأخلاق، ونابعة أيضًا من كونه ينظر بعدم الرضى إلى التطورات خلال حقب طويلة، ما اقتضى القبول بالأمر الواقع والحاكم الظالم والجباة العتاة وانحسار أرض الإسلام والابتعاد عن المعروف ومزاولة المنكر، لذلك يصف الشيخ هذا الواقع ويبرره تبريرًا منطقيًا، ويقبل بهذه السيرورة التي أملاها تعاقب الظروف، فيأمل بإصلاح الأحوال إصلاحًا لا يخرج عن النظام ولا يقود إلى الفتنة، فيقبل بعدم التكافؤ والتناصف، ويرفض الظلم الذي يؤدي إلى تعطيل الناس عن أعمالها وفشو الفساد والابتعاد عن الأخلاق".

نقد للإصلاح

يوجه المرصفي سهام نقده إلى جميع فئات المجتمع وطبقاته وطوائفه، وكل مجالات الأعمال والصنائع، وأشكال العلاقات السائدة بين الناس، من التسلط وغياب الإنسانية والجهل بالمصالح والجهل بالأخلاق. لكنه لا يرضى بالنقد من دون تحديد كيفية الإصلاح.

يكتب زيادة: "لا بد بحسب المرصفي، من تحديد، بطريقة يسهل فهمها على الجميع، الطرائق والسبل التي من خلالها يمكن إصلاح الأمة. وبهذا الخصوص يمكن أن نميز لديه خطين يتقاطعان في مناسبات متعددة: الأول، يتوجه إلى الناس عامة في أمورهم وكيفية تصريفها وإصلاحها، والثاني يتجه إلى أهل الرأي والمعرفة والمربين؛ إذ يرى أن مهمته هي إصلاح مرافق الحياة جميعها، ولهذا نجده في انتقال مستمر ومتصاعد من الخاص إلى العام، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن الأمة إلى الفرد. فهو حين يتحدث عن الوطن مثلًا، يجعله خاصًا وعامًا، ويسهب في شرح وتحديد كيفية إصلاح كل من الخاصة والعامة".


اقــرأ أيضًــا

 

فعاليات