تونيز: الجماعة والمجتمع المدني

صدر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في سلسلة ترجمان، كتاب تونيز: الجماعة والمجتمع المدني، هو ترجمة نائل الحريري لكتاب فرديناند تونيز Tönnies: Community and Civil Society الذي حررته جوزيه هاريس وصدر في سلسلة كامبريدج في تاريخ الفكر السياسي.

يعدّ هذا الكتاب (424 صفحة بالقطع الوسط) أحد كلاسيكيات النظرية الاجتماعية والسياسية مابعد الحداثة. ألّفه تونيز ونشره أول مرة في عام 1887، ويركز فيه على الصراع المزمن بين الجماعات الصغيرة المبنية على أسس القرابة والتجاور والمجتمعات الكبيرة القائمة على السوق التنافسية، باحثًا في أثر هذا الصدام في البنى السياسية والاقتصادية والقانونية والعائلية، والفن والدين والثقافة، وبنى الذاتية والشخصانية، وأنماط الإدراك واللغة والفهم البشري.

جماعة ومجتمع

يتألف الكتاب من ثلاثة أقسام. يضم القسم الأول، تصنيف عام للأفكار المفتاحية، فصلين. في الفصل الأول، نظرية الجماعة، يقول تونيز إن نظرية الجماعة مبنية على فكرة مفادها أن في الحالة الطبيعية أو الأصلية ثمة وحدة كاملة للإرادات البشرية، ويستمر الحفاظ على هذا المعنى من الوحدة حتى عند تفرق البشر.

تتخذ هذه الوحدة صيغًا مختلفة اعتمادًا على مدى التحديد المسبق للعلاقات بين الأفراد المختلفين في أوضاعهم، ومدى إجباريته. والجذر المشترك لهذه العلاقات هو الطبيعة التي تضم الجميع، وهي الحياة اللاواعية الإنباتية التي تنشأ منذ الولادة: فالإرادات البشرية مرتبطة في ما بينها بصلات النسب والقرابة، وهي تبقى متحدة أو تصبح متحدة نتيجة الحاجة. والالتزام المباشر المشترك في صيغته الأكثر تطرفًا موجود في العلاقة بين الأم وطفلها، وفي العلاقة بين رجل وامرأة بوصفهما زوجين، وفي العلاقة بين أولئك الذين يتعرّف بعضهم إلى بعض كإخوة وأخوات، أي سلالة هي في الأقل من الأم نفسها.

في الفصل الثاني، نظرية المجتمع، يرى تونيز أن هذه النظرية تتخذ نقطة انطلاق لها هي مجموعة من الناس يعيش بسلام، بعضهم مع بعض، كما في الجماعة، لكن من دون أن يكونوا متحدين أساسًا، بل على العكس من ذلك، فهم منفصلون في الأساس.

وفي حين يبقى أفراد الجماعة متحدين، على الرغم من كل ما يفرقهم، يبقى أفراد المجتمع متفرقين على الرغم من كل ما يجمعهم. ونتيجة ذلك، ليس هناك نشاط يُستقى من وحدة بدهية محددة مسبقًا يعبّر عن إرادة هذه الوحدة وروحها من خلال أي فرد يقوم بها. ويقول في مكان آخر إن المجتمع ينتج نسخة مجردة من نفسه في صورة عملة نقدية يجري تداولها بمنحها سعرًا للصرف، "وهذا يعني أن القيمة هي المنتوج الموروث عن إرادة المجتمع؛ إذ إن المجتمع هو ببساطة تجسيد للعقل المجرد، يشارك كل كائن عقلاني فيه من خلال فكره الخاص".

بين الإرادتين

يتألف القسم الثاني، الإرادة الطبيعية والإرادة العقلانية، من ثلاثة فصول. في الفصل الأول، أشكال الإرادة البشرية، يميز تونيز بين إرادة تتضمن بعض عناصر الفكر وإرادة هي محض جزء من عملية التفكير، وتمثل كل منها وحدة متماسكة تدمج في طياتها أنواعًا مختلفة من المشاعر والغرائز والشهوات. في الحالة الأولى، بحسبه، لا بد من اعتبار التكامل طبيعيًا وعفويًا، إنما في الثانية مجردًا ومصطنعًا. النوع الأول من الإرادة البشرية هو ما يسميه الإرادة الطبيعية أو العضوية أو الأساسية، بينما يقول إن النوع الثاني ينطوي على الحساب والحرية الاختيارية والخيار العقلاني. ويتكلم تونيز على نوع ثالث من الإرادة البشرية الطبيعية يسميه "الذاكرة"، ويدلل عليها أنها الجوهر الأساس للحياة العقلية.

في الفصل الثاني، تفسير الافتراق الثنائي، يرى تونيز أن من الأسهل دراسة الظواهر المقارنة "إذا فكرنا بها بوصفها أغراض مرئية، ويمكن فهم التباين بين المفاهيم السيكولوجية المقدمة هنا من خلال رؤيتها بهذه الطريقة. تشترك القطعة الميكانيكية والعضو البيولوجي في حقيقة أنهما يحتويان ويمثلان تراكمًا لقوة الدفع أو الطاقة التي تجسد وتزيد من الطاقة الإجمالية للأجهزة التي ينتميان إليها. لكنهما في كلتا الحالتين لا يمتلكان قوة خاصة بهما إلا في ما يتعلق بهذه الطاقة عمومًا واعتمادهما عليها". كما يقول إن مادة النفس البشرية التي تتنامى منها أشكال الإرادة البشرية الطبيعية هي جوهر إرادة الإنسان، أو ما يمكن أن نسميه الحرية.

في الفصل الثالث، اقتراحات علمية، يقول تونيز إن الإرادة الطبيعية تحوي الشروط المسبقة لوجود الجماعة، "في حين أن الإرادة العقلانية الاختيارية تقود إلى مجتمع السوق. وبالتالي، فإن مجال الحياة والعمل في الجماعة المتماسكة ملائم للمرأة خصوصًا، بل وضروري بالنسبة إليها. إن المكان الطبيعي لنشاطها هو المنزل لا السوق، في غرفة المعيشة الخاصة بها أو بصديقتها لا في الشارع. إن الأسر في القرية مستقلة وقوية، وكذا البلدة تستمر فيها الأسرة المقيمة وتنمّي جاذبيتها المميزة. لكنها في المدينة تغدو عقيمة وضيقة وفارغة وتُختزل إلى مجرد منزل للإقامة".

سوسيولوجيا الطبيعي

في القسم الثالث، الأساس السوسيولوجي للقانون الطبيعي، ثلاثة فصول أيضًا. في الفصل الأول، تعاريف وافتراضات، يعرّف تونيز الذات البشرية أو الذات الفاعلة في الإرادة الطبيعية البشرية، مثل نظام الإرادة الطبيعية نفسه، بأنها عبارة عن وحدة، بمعنى أنها ضمن  وحدة أكبر، "كما تحتوي على وحدات أخرى أصغر في داخلها. لكنها – مثل الكائن الحي والأجزاء المكوّنة له - وحدة بسبب اكتفائها الذاتي الداخلي". ويرى الكيانات العضوية تدخل في المفهوم العام للحياة العضوية. يمكن النظر إلى هذا المفهوم نفسه على أنه مجرد وجه من وجوه الطاقة اللانهائية أو الإرادة الشاملة تطور منها ضمن ظروف معينة".

في الفصل الثاني، العنصر الطبيعي في القانون، يقول تونيز إن فلسفة القانون القديمة تُعنى بمسألة ما إذا كان القانون نتاج طبيعة أم اصطناعي، فيما تردّ النظرية الحديثة بالقول إن كل ما ينشأ من العقل البشري أو يتشكل بوساطته هو طبيعي واصطناعي في آنٍ. يتفوق الاصطناعي على الطبيعي في مسار النماء، ويكتسب ما هو أكثر إنسانية أهمية كبرى، حتى يصل في النهاية إلى استقلالية نسبية عن قاعدته الطبيعية، بل وربما في صراع معها. وهكذا، لا بدّ من فهم كل قانون ذي شكل جماعي بوصفه إبداعًا لروح الإنسان التفكريّة.

في الفصل الثالث، الأشكال المتداخلة للإرادة (الكومنولث والدولة)، يكتب تونيز عن إمكانية العثور على جذر الإرادة الطبيعية الفردية في الحياة الإنباتية شبه الواعية، "في حين أن الإرادة العقلانية الفردية تنبع من إمكان الجمع بين فكرتين واعيتين متماثلتين أو متنافستين في فائدتيهما. فجذر إرادة الجماعة يبقى كامنًا في الحياة الإنباتية؛ إذ إن علاقات الأسرة والقرابة شؤون إنباتية بالمعنى السوسيولوجي، من حيث إنها تشكل معًا الأساس الجوهري لحياة الإنسان. وعلى العكس، فإن جذر الإرادة العقلانية هو اجتماع عقلين فرديين وتقاطعها في نقطة تبادل تكون عقلانية أو صحيحة بالنسبة إلى كليهما". أما الجوهر الحقيقي لإرادة الجماعة فيكمن في افتراضاتها الأخلاقية، ويسمح الوئام الاجتماعي بوجود نظام يتطور بوصفه شكلًا ومضمونًا للحياة الجماعية، "حيث يفعل كل عضو ما هو صحيح بالنسبة إليه، ما يجب عليه أو ما هو ملزم به، كل منهم يتمتع بما هو له، وما يعتبر التمتع به أمرًا صحيحًا وسليمًا".

اقــرأ أيضًــا

 

صدر حديثاً

فعاليات