العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة (الجزء الأول)

مقاربات سوسيولوجية وحالات

أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الجزء الأول من كتاب العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة (496 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا)، ويضم 14 فصلًا من أصل 27 بحثًا قُدّمت في المؤتمر الرابع لقضايا التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي المنعقد في تونس يومي 12 و13 أيلول/ سبتمبر 2015، بعنوان "العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة". تناولت هذه البحوث العنف في الدولة الحديثة والمجتمعات المتحوّلة والمجال السياسي العربي والحراك الديمقراطي، وعالجت بعض الحالات العربية: المغرب العربي، ومصر، وسورية، واليمن، محاولةً الإجابة عن بعض التساؤلات في شأن ظاهرة العنف وارتباطها بالسياسة والمجتمع. ويتبع جزء ثانٍ يتضمن 13 فصلًا، يُعنى بثنائية الثقافة والخطاب، يصدر قريبًا.

أبعاد سوسيولوجية ووظيفية

وُزعت فصول الجزء الأول في قسمين: الأول بعنوان الأبعاد السوسيولوجية للعنف في المجتمعات العربية، ويضم سبعة فصول. يهتمّ الباحث التونسي منير الكشو في الفصل الأول، العنف والدولة الحديثة والمجتمعات المتحولة، بطرائق التحّكم في العنف في ظل الدولة الحديثة أثناء مراحل الانتقال الديمقراطي. وبحسب رأيه، لا ينسجم العنف السياسي مع مقتضيات الديمقراطية والحكم التمثيلي؛ مستندًا إلى مقاربة إمبريقية وأخرى معيارية، لينتهي إلى ملاحظات عدة في شأن التحكم في مظهرَي العنف، المجتمعي والسياسي، في مجتمع متحوّل نحو الديمقراطية مثل المجتمع التونسي.

في الفصل الثاني، السياسة بين التواصل والعنف في المجال السياسي العربي: محاولة للفهم في ضوء نظرية الفعل التواصلي لهبرماس، يحاول الباحث المغربي محمد المساوي تطبيق البراديغم الهبرماسي لمعرفة سبب طغيان العنف على السياسة في العالم العربي، مركّزًا على الصراع الدائم بين العلمانيين والإسلاميين، واستثمار نظرية الفعل التواصلي لهبرماس في دراسة حوارات جرت بين الطرفين في مصر وتونس والمغرب لم تصل إلى التوافق بسبب عدم توافر مقومات الفعل التواصلي وغياب الديمقراطية وحرية التعبير، وفقدان الاستقلالية عن الأيديولوجيات المهيمنة.

في الفصل الثالث، الوظيفة التوزيعية للأنظمة السياسية العربية: مدخل إلى فهم أسباب العنف السياسي ونتائجه، يرى الباحث المغربي عبد العالي حور أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية ركيزة أساسية في تحقيق الاستقرار في العالم العربي، وتجنّب آفة العنف السياسي، وتقتضي هذه التنمية اعتماد نموذج اقتصادي قوامه تحقيق العدالة الاجتماعية أفقيًا وعموديًا، وتحمّل الدولة مسؤوليتها في النهوض بالأوضاع الاقتصادية للإنسان العربي بغية تحقيق تطلعاته وآماله وإحقاق المواطنة الحقيقية والكاملة.

صيرورتا العنف والحراك

في الفصل الرابع، العنف البنيوي الماكر للأبوية السياسية: محاولة لفهم صيرورة الحراك الديمقراطي ومآلاته، يتناول الباحث المغربي محمد سعدي الحراك الديمقراطي العربي الذي شكّل تمردًا ومساسًا بهيبة السلطة الأبوية السياسية التي تتماهى مع فكرة تقديس الأب وتمجيد الحاكم الملهم وصناعة الزعيم المنقذ والمخلص، ويرى أن الحراك الثوري ساهم في انتشار ظاهرة التمرد اللاشعوري على السلطة السياسية الأبوية الذكورية.

في الفصل الخامس، الخطاب العربي المعاصر وصيرورة العنف والسياسة في المجتمعات العربية: بحث في التجليات الفكرية للتحول السياسي الراهن، يعالج الباحث المغربي محمد فاوبار فكرة الخطاب العربي وارتباطه بالعنف، منطلقًا من أن الأعمال الفكرية البارزة في الخطاب العربي المعاصر التي كُتبت إبان الثورات وما بعدها أحدثت انفصالًا عن الكتابات السياسية السابقة، بتناولها الواقع الموضوعي تناولًا نقديًا، وارتباطها بالحاضر والمستقبل، ومحاولتها التخلص النسبي من معوقات البنى التقليدية التربوية والاجتماعية والفكرية المؤثرة في الفكر السياسي العربي.

يبحث الباحث المغربي محمد العابدة في الفصل السادس، العنف والسياسة في مجتمعات دول المغرب العربي: دراسة تحليلية، ظاهرة العنف وأشكالها وأنواعها في المجتمعات المغربية، فيجد أن ظاهرة العنف في مرحلة الدولة ما بعد الاستعمارية حتى تسعينيات القرن الماضي، كانت بسيطة ومضبوطة، تمارسها أنظمة وقوى معارضة بأساليب متباينة ومختلفة، انتقلت من ظاهرة عنف بسيطة إلى ظاهرة عنف مركَّبة.

العنف السياسي الرسمي

في الفصل السابع، العنف السياسي في الجزائر المعاصرة: من الأيديولوجيا الشعبوية إلى اليوتوبيا الإسلاموية، عناصر تحليلية في سياقات تاريخية غير معلمنة، يكتب الباحث الجزائري نوري دريس أن الدين والقبيلة والطائفة عناصر أولية لم يجرِ تحييدها سياسيًا، وهي تمثّل مواردَ غنية لإنتاج العنف السياسي، "فالشحنة السياسية التي تحملها هذه البنى لا تزال حاضرة، بل تزداد قوتها في حالة الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتشكل موردًا كامنًا بين أيدي الجماعات الاجتماعية الأكثر أصولية".

في القسم الثاني، العنف السياسي في السياقات العربية المعاصرة: نماذج وحالات، سبعة فصول أخرى. تحاول الباحثة المصرية مروة يوسف محمد عرابي في الفصل الثامن، أثر عنف الدولة في المجتمع المصري بعد الثالث من يوليو 2013: جماعة "أجناد مصر" أنموذجًا، البحث في عنف الدولة المصرية بعد 3 تموز/ يوليو 2013، مركزةً على دراسة حركة أجناد مصر التي هدفها المعلن تطهير البلاد من الأجهزة القمعية، "وبتر الطغمة الفاسدة من مجتمعنا وتحرير شعبنا من كل عبودية لغير الله تعالى". وبحسب رأيها، صنع نظام ما بعد 3 تموز/ يوليو 2013 عدوًا داخليًا تمثل في الإخوان المسلمين ثم شمل المعارضين كلهم ليبرر عنفه الهائل الذي كان هدفه الأساسي الحفاظ على النظام، ما أدى إلى تراجع الحراك المجتمعي المطالب بالتحول الديمقراطي.

في الفصل التاسع، مدخل قانوني عام إلى النزاع المسلح في سورية: التدخل الدولي الإنساني ومساءلة مرتكبي الجرائم الأشد خطورة، يقول الفلسطيني نزار أيوب إن ظاهرة العنف السلطوي في سورية تفاقمت إبّان نظام الاستبداد والفساد الذي استحدثه حافظ الأسد ورعاه ثلاثة عقود تميزت باضطهاد المعارضين قتلًا واعتقالًا وتعذيبًا واختفاءً قسريًا. وتفاقم العنف والاضطهاد في عهد بشار الأسد، ووصلا إلى مستويات غير مسبوقة مع انطلاق الثورة السورية في آذار/ مارس 2011 التي قمعها النظام بعنف شديد.

وفي النهاية ... اغتيال

يعالج الباحث الجزائري زين الدين خرشي في الفصل العاشر، عنف الريع في المجتمعات العربية المعاصرة: التأسيس على الحالة الجزائرية، مسألة العنف الناتج من البنى الاجتماعية، والمتولد من البنية الريعية للاقتصاد والدولة في الجزائر وليبيا والعراق، فيجد أن مركزية المعطى الريعي ضمن منظومة السياسات والممارسات الاقتصادية والسياسية في الجزائر تتعاظم منذ سبعينيات القرن الماضي، "إلى أن هيمن هذا المعطى على المؤشرات الاقتصادية الكبرى للبلد. ويبرز منها المصادر الريعية على حساب تضاؤل النشاط الإنتاجي غير النفطي، ليشكل الريع أساسًا لتمويل الرباط الاجتماعي ومصدرًا للنهب والاستغلال من خلال حيازة التصرف بتوزيعه، وفق ديناميات وضعية الزبون/ الزبونية، بوصفها العلاقة السياسية المهيمنة".

تقرأ الباحثة التونسية رحمة بن سليمان في الفصل الحادي عشر، القيمي والرمزي في عمليات تعذيب المساجين السياسيين داخل السجون التونسية: قراءة سوسيولوجية في شهادات بعض الضحايا، شهادات بعض المعتقلين السياسيين التونسيين قراءة سوسيولوجية، فتحلل آليات التعذيب التي سادت في نظام ما قبل الثورة، والتي اتّضح أنه لا يمكن فصلها عن القيم والمعايير والرموز الثقافية المشتركة بين الجلاد والضحية، لتتوصل إلى فهم نسبي لكيفية التعامل مع المساجين السياسيين في السجون التونسية استنادًا إلى عمليات التعذيب، وفهم المراجع القيمية والثقافية التي يعتمدها الجلاد في السيطرة على الضحية وتحليلها.

في الفصل الثاني عشر، دور الاغتيالات السياسية في إعادة تنظيم السلطة في تونس، يحاول الباحث التونسي سالم لبيض تفسير ديناميات السلطة وتحوّلاتها وإعادة تنظيمها من خلال ظاهرة الاغتيالات السياسية، ولا سيما أن دراسة ظاهرة الاغتيالات تمكّن من الكشف عمّا هو مخفيّ فيها، وتشكّل مدخلًا لمعرفة رهانات وارتباطات ومصالح سياسية وولاءات وتحالفات تُسوّق باسم النيات الحسنة، ما يجعل من الاغتيالات ظواهر مبهمةً وغامضة.

للعنف ضحايا

في الفصل الثالث عشر، دوافع العنف المعاصر في اليمن: الظاهرة الحوثية أنموذجًا، يدرس الباحث اليمني عبد الرحمن المعمري ظاهرة العنف السياسي الذي يمارسه الحوثيون في اليمن، مركزًا على العنف الطائفي لجماعة الحوثيين أو أنصار الله، بوصفها أنموذجًا متطرفًا يمثّل امتدادًا لقوى إقليمية ولأفكار مستوردة غريبة عن الواقع اليمني، "خصوصًا أن الحوثيين انتشروا في شمال اليمن واستطاعوا التمدد إلى العاصمة صنعاء وما بعدها من محافظات يمنية، وكانت محاربة الدواعش والقاعدة مبررًا للتجييش داخليًا، وحشد التعاطف خارجيًا".

أما في الفصل الرابع عشر والأخير، ضحايا العنف السياسي في الجزائر: ماذا بعد العشرية السوداء؟ فتسلط الباحثة الجزائرية فوزية هباشي الضوء على مسألة ضحايا العنف السياسي في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي من زاوية سوسيوسياسية، لما لهذه المسألة من طبيعة معقدة في ظل التداخل بين السياسي والاجتماعي، في نسق متشبع بالعنف وأنواعه، وغاية هباشي من ذلك هي فهم آليات العنف السياسي في الجزائر؛ بدراسة وضعية من وقعوا ضحايا للصراع السياسي المسلح بين السلطة والجماعات الإسلاموية. وتشير الباحثة إلى أن قضية ضحايا العنف السياسي في الجزائر تخضع لحتمية سياسية مؤسسة لواقع مجرد من صور المواطنة. فملف هذه الفئة يُستخدم في عمليات التجاذب السياسي بين الأطراف والجماعات السياسية، والحالة التي يمثّلها هؤلاء الضحايا ما زالت تُستعمل أداةً سياسية في عملية الصراع حول المصالح.

اقــرأ أيضًــا

 

فعاليات