مع حلول الذكرى العاشرة لاحتلال العراق، عقد المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات يومي 10 و11 نيسان/ أبريل 2013، مؤتمرًا علميًّا دوليًّا حضرته نخبةٌ رفيعة المستوى من الأكاديميّين والباحثين، تحت عنوان "عشر سنوات على احتلال العراق: التداعيات والتأثيرات".

توزّعت أوراق المؤتمر على رصد التحوّلات الحقيقيّة التي أحدثها الغزو وترويج معادلات التفتيت الطائفيّ والإثنيّ نتيجةً له، وتداعيات هذا الغزو على معادلات التوازن الدوليّة والإقليميّة وعلى الصعد السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، مع استشراف المستقبل في سعي لرصد التغيّرات المقبلة.


اليوم الأول:​

أكّد الدكتور عزمي بشارة المدير العامّ للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في افتتاح المؤتمرٍ ​ أنّ العدوان الأنجلو - أميركي على العراق في عام 2003 حدثٌ مفصليّ غيَّر مجرى تاريخ المنطقة، وأثّر في فهمنا للسياسة العالميّة ككلّ. ورأى أنّ ما من حدثٍ أعاق تطوّر الديمقراطية في المشرق العربيّ كما أعاقها احتلال العراق. فقد نفّر الشعوب من التغيير ومن الاحتراب الطائفي الذي يتبعه، ومن فساد النخب المتحالفة مع المستعمرين، إلى درجةٍ جعلت فئات واسعة في المشرق تنفر من التغيير وتخشاه.

وأشار بشارة إلى المقاربة التي يتّخذها المؤتمر الذي يعقده المركز العربي في الذكرى العاشرة لاحتلال العراق، معتبرًا أنّ المثقّف الأميركي والأوروبي قد يهتمّ بدراسة الخطاب السياسي والإعلامي الذي نشر الكذب لتعبئة الرّأي العامّ لدعم التدخّل العسكري، بحججٍ هي افتراءات كاذبة، وهو الإعلام نفسه الذي أصبح بإمكانه أيضًا بعد أعوام أن ينشر كذب الكذب، أي أن يفنّد بنفسه الادّعاءات التي سبق أن نشرها؛ ولكن المثقّف والباحث العربيّ من حقّه أن يطرح سؤالين مع بعض الحدّة. أوّلًا: هل كان الكذب يهمّ أحدًا لو لم يقاوم الشعب العراقيّ الاحتلال، ولو نجحت المخطّطات التي أوهم صنّاع القرار الناس أو أوهموا أنفسهم بأنّها ستنجح؟ ثانيًا: هل الجريمة الحقيقيّة هي الكذب على الرّأي العامّ في أميركا وأوروبا، أم الجريمة هي تدمير بلدٍ والعبث بمكوّناته الاجتماعيّة وبكيانه الوطني ونسيجه الاجتماعي وتنصيب قيّمين للحفاظ على الدمار، وفرض دستور يؤطّر الخراب بصورةٍ تصعّب استعادة لحمة الوطن في المستقبل القريب؟

وطرح تساؤلًا ثالثًا، وهو: كيف لنا أن نطرح على الآخرين مسألة محاسبة المجرمين بحقّ بلدٍ عربيٍّ شقيق هو العراق، ولا نسأل أنفسنا كيف يصول هؤلاء المجرمون أنفسهم في بلداننا ويجولون، ويُستقبلون كما تُستقبل الشخصيات المرموقة، بل وتُدفع لهم مبالغ مقابل أن يلقوا محاضراتٍ أمام من يعدّون أنفسهم نخبًا اقتصاديّة واجتماعيّة، مثل توني بلير وجورج بوش ودونالد رامسفيلد ودنيس روس وتشيني وغيرهم. وقال إنه من سخرية التاريخ أن يعدّ بعض مجرمي الحرب هؤلاء وسطاء سلام بيننا وبين من يحتلّ أرضنا في فلسطين، وأن يعيّن بلير مستشارًا لدى بعض الحكومات العربيّة، ومنها حكومة ليبيا السّابقة، وهو الذي اقترح على بوش أن تكون الحرب بعد أفغانستان على ليبيا وليس العراق.

وبعودته إلى الحرب على العراق واحتلاله، قال الدكتور عزمي بشارة إنّ الولايات المتحدة حاولت أن تخرجَ من متلازمة فيتنام باحتلال العراق، وأن تحصد نتائج انهيار نظام القطبين ونشوء نظام القطب الواحد، وذلك بضربةٍ واحدةٍ تلتقي فيها مع الأجندات الإسرائيليّة وتجرّب فيها تكنولوجيّات عسكريّة جديدة بتقليل عدد الجنود المساهمين مباشرةً في الحرب وبالقدرة على نقلهم بسرعة من مكانٍ إلى آخر، وقدرة تدميريّة هائلة عن بعد تسمح بتقليل عدد ضحايا الدّولة المعتدية، وإن كان ذلك بثمن زيادة عدد ضحايا الشعب المعتدى عليه.

لكن مقاومة الشعب العراقي بأساليب غير معروفة سابقًا تجاوزت الفجوة التكنولوجيّة بواسطة العمل الغزير بالتضحيات الذي يسمّيه البعض انتحاريًّا والبعض الآخر استشهاديًّا بحسب وجهة النظر، أدّت إلى نشوء متلازمة العراق بدل متلازمة فيتنام.

ولخّص الدكتور عزمي تداعيات احتلال العراق بحسب وجهة نظره في ثلاث نقاط: أوّلًا، إعادة اكتشاف وهو زيف فكرة التضامن العربيّ عند الأنظمة العربيّة التي كانت قائمة عندما بدأ التحضير للعدوان على العراق، وأنّ هذه الأنظمة تتآمر مع الولايات المتحدة مباشرة، وتتواطأ حتّى مع إسرائيل إذا لزم الأمر، ضدّ دولةٍ عربيّةٍ شقيقة. ثانيًا، أنّ الشعوب العربيّة ترفض الاحتلال الأجنبي لبلداننا، ومهما اشتدّ الخلاف في المواقف السياسيّة فإنّ الشعوب تختلف عن الأنظمة في مسألة الحساسيّة تجاه الاحتلال الأجنبي وقضيّة فلسطين. ثالثًا، أنّ استهداف الهويّة العربيّة لشعوبنا في المشرق العربي يُقصَد به ضرب التماسك الاجتماعي لمجتمعاتنا ذات البنية الطائفيّة والإثنيّة المعقّدة، والقائمة في وعاء الثّقافة واللغة العربيتين. وأوضح بشأن هذه النقطة الثالثة أنّ الاعتراف بحقوق غير العرب في المنطقة لم يعد القضية التي تشغل من يريدون السوء بها، وإنّما أصبحت المشكلة هي عدم الاعتراف بوجود عرب منذ أن قرّر المستشرقون أن يروا المنطقة من زاوية نظر إسرائيليّة واستعمارية تفضّل أن لا يكون العرب موجودين، وأن توجد في مقابل إسرائيل مجموعات من الطوائف والمذاهب والعشائر والإثنيات والجماعات غير المنظّمة.

بعد كلمة الافتتاح للدكتور عزمي بشارة، خُصّصت أولى الجلسات لتقديم شهادات من واقع الحرب على العراق، على لسان شخصيات كانت في قلب الحدث. وتحدّث فيها ناجي صبري الحديثي، وزير خارجية العراق من 2001 إلى 2003، وممثّل العراق الدائم في الوكالة الدولية للطاقة الذرّية. وتطرّق في ورقته المعنونة "ما الذي فعله العراق لدرء خطر الحرب؟" إلى المسار الذي أخذه حشد الحجج الواهية لاحتلال العراق، مؤكّدًا أنّ الحملة الأميركية كان مخطّطًا لها منذ عشرين عامًا، وتحديدًا بعد حرب الخليج الثانية 1990. 

وقال الحديثي إنّ العراق بذل جهده في إفشال المساعي الأميركية، لكن لجان التفتيش التي أرسلتها الأمم المتحدة قامت بدورٍ تجسسي وتآمريّ على العراق الذي قرّر وقف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة النووية في عام 1998. وعلى الرغم من محاولات العراق إعادة عمل المفتّشين، عملت الولايات المتحدة وبمساعٍ حثيثة لاستصدار قرار من مجلس الأمن عام 2002 يجيز شنّ العدوان. وبعد فشلها قامت وبريطانيا بخطوة منفردة بالغزو العسكري في انتهاكٍ للمواثيق الدولية.

وقدّم هانس فون سبونيك شهادته عن الفترة التي كان فيها منسّق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق (1989- 2000). وقال إنّ القرارات الدولية التي اتُّخذت بحقّ العراق كانت وسيلة للتصعيد ضدّ الشعب العراقي، لأنّها كانت مفتوحة وغير واضحة وتحتمل التأويل بحسب تفسير كلّ دولة. وذكر أنّ أكثر من خمسة مليارات دولار جرى حجبها عن العراق والشعب العراقي مع أنها كانت للأغراض الإنسانية.

وتحدّث سبونيك عن محاولاتٍ جادّة جرت لمنع الحرب وفشلت جميعها. ورأى أنّ فشل هذه المحاولات يعود إلى عدم فهم الغرب طبيعة المجتمعات، فعلى سبيل المثال كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك، والمستشار الألماني شرودر يشترطان لزيارة بغداد تقديم النظام العراقي ضمانات للأكراد أو الشيعة، ما جعل مساعيهما تأتي ضمن شروطٍ مسبقة، وهو ما كان يثير تحفّظ الحكومة العراقيّة، وأدّى إلى فشل المساعي الدولية لمنع الحرب.

وتلاه في جدول المتدخّلين مؤيّد الونداوي الذي عمل باحثًا ومستشارًا سياسيًّا في بعثة الأمم المتّحدة العاملة في العراق في الفترة من 2005 إلى 2011، ورأى أنّ العدوان قضى على الدولة العراقيّة ومؤسّساتها وهو ما يدفعه إلى التشاؤم بشأن مستقبل العراق ولا سيّما في ظلّ العملية السياسية الحاليّة التي قامت على قرارات بريمر الذي وضع تفتيت العراق وتقسيمه غايته الرئيسة.

وقدّم الفريق الركن والقائد السابق للحرس الجمهوري العراقيّ الثاني رعد الحمداني شهادته متحدّثًا عن ضعف القوى العسكرية العراقيّة قبيل الغزو نتيجة حرب الخليج الثانية واستمرار الهجمات الجوّية الأميركية منذ عام 1990، والحصار الاقتصادي الذي أعاق تطوير منظومة الأسلحة العراقيّة، والصناعة العسكرية العراقيّة.

وتحدّثت أيضًا كلير شورت الوزيرة السابقة للتنمية الدولية في بريطانيا خلال الفترة من 1997 إلى 2003 في جلسة الشهادات. وقالت في البداية إنّ أكثر من نصف الشعب البريطاني وبعد عقدٍ على الغزو يرى أنّ الغزو كان خاطئًا ويجب أن يحاكم توني بلير بوصفه مجرم حرب. وتحدّثت عن خداعٍ وتضليلٍ كبيرين حدثا للرأي العامّ البريطاني ولأعضاء الحكومة أيضًا قبل الغزو. وذكرت شورت أنّ وزارة الخارجية البريطانية وقبل الغزو بأسابيع أخبرت الوزراء في الحكومة أنّه في حال الإطاحة بالنظام العراقي سيحتفظ أعضاء الحكومة العراقيّة بمواقعهم للمحافظة على الاستقرار، وأنّ عملية إعادة الإعمار ستكون سريعة وبجهد مؤسسات الدولة العراقيّة، وهذا لم يحصل برمّته.

وانتهت هذه الجلسة بمداخلة قدّمها جوناثان ستيل تحدّث فيها عن التداعيات السلبية التي خلّفها الغزو الأنجلو- أميركي على العراق، خاصّةً بعد حلّ الجيش العراقيّ، وهو ما خلق فوضى واسعة في العراق، وسمح بأن تكون القاعدة والمنظمات المتطرفة فاعلًا رئيسًا.

​​تواصلت أعمال اليوم الأوّل بعقد ثلاث جلسات تلت الجلسة الافتتاحية التي تحدّث فيها الدكتور عزمي بشارة المدير العامّ للمركز العربي، وجلسة الشهادات من واقع الحرب التي تحدّثت فيها شخصيّات عايشت سنوات احتلال العراق وكان بعضها في مناصب مسؤولية مرتبطة بالأزمة وتبعاتها.​

وفي الجلسة الأولى من القسم الثاني للمؤتمر المخصّص للأوراق الأكاديميّة، حمّل الباحث العراقيّ عبد الوهّاب القصاب الرئيس الأميركي السابق جورج والكر بوش وموظّفي إدارته، وعلى رأسهم دونالد رامسفيلد، وكونداليزا رايس، وصقور المحافظين الجدد: بيرل، وفولفو فيتس، ودوغلاس فيث، وسكوتر ليبي، وغيرهم، مسؤولية ما حصل للعراق من كوارثَ على الصعد كافّة. وأضاف القصّاب في ورقته المعنونة بـ"الغزو وأطروحات المحافظين الجدد لتفتيت العراق" أنّ الوثائق المسرّبة أثبتت أنّ "السفير الأميركيّ في العراق نيغرو بونتي شكّل قوّة للمهمّات القذرة استهدفت المكوّنات العراقيّة من دون تمييز بهدف تأليب بعضها على الأخرى".

ومن جهته قال عضو "المنظّمة الدوليّة من أجل مجتمع مشارك" ديرك أدريانسنز في ورقته التي جاءت تحت عنوان: "التدمير المتعمّد للدولة في العراق"، إنّ هدف الحرب على العراق كان تدمير الدولة وتفكيكها وإقصاء النخبة العلميّة والثقافيّة العراقيّة. وأضاف أدريانسنز، والذي كان منسّق حملة "أس أو أس عراق" (SOS IRAQ) التي عملت على مناهضة الحصار المفروض على العراق في الفترة من 1990 إلى 2003، أنّ القوّات الأميركية تعمّدت تشجيع اقتحام مؤسّسات الدولة الحكوميّة، واتّخذت إجراءات تهدف إلى مسح الذاكرة الجماعيّة العراقيّة وتجريدها من الإرث المشترك.

وفي ورقته المعنونة بـ"الطائفية السياسية أداة للتدخّلات الإقليمية"، أكّد الباحث العراقيّ عبد الحسين شعبان أنّ كارثة تدمير الدولة في العراق لم تؤدِّ إلى تغذية الطائفية في العراق فحسب، بل إلى تسرّب الحالة الطائفيّة إلى سورية ومصر ولبنان أيضًا، وساهمت في تسهيل تدخّل الدول الإقليميّة والاستعماريّة في المنطقة.

واختتم أستاذ علم الاجتماع العراقيّ حميد الهاشمي الجلسة بتقديمه ورقة جاءت تحت عنوان: "ميكانيزمات العيش المشترك وأزمة الهويّة في العراق". وقال إنّ سياسة إعادة "بناء الأمّة" في العراق والتي رفعتها الإدارة الأميركيّة تبريرًا لغزو البلاد قد نُفِّذت بطريقة مشوّهة، وذلك من خلال إيجاد نظام للمحاصصة الطائفية، موضّحًا أنّ "طبيعة الديمقراطية الجديدة المزعومة قامت على أساس حماية الأقلّية من هيمنة الأغلبية، ولكنّها في الحقيقة كانت محاولة لتأليب أطراف على أطراف أخرى".

في الجلسة الثانية، قدّم أستاذ علم اجتماع التنمية العراقي عدنان ياسين مصطفى ورقة عنوانها "تحوّلات المجتمع العراقي بعد الاحتلال"، وقال إنّ المشهد الاجتماعي في العراق شهد ازديادًا في ظواهر التهجير القسري، واليتم والترمّل والتشرّد والتفكّك الأسري، والفساد المالي والإداري، وارتفاع معدّلات البطالة، والإعاقة البدنيّة والعقليّة، وارتفاع شديد في ظاهرة العشوائيات الحضريّة.

من جهته قال رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة صلاح الدين عبد الحكيم خسرو في ورقة قدّمها إلى المؤتمر بعنوان "الغزو الأميركي والقضيّة الكرديّة في العراق" إنّ إحدى السياسات التي برزت وترسّخت خلال عشر سنوات منذ احتلال العراق هي محاولات تأجيج صراع عربيّ - كرديّ ولأوّل مرّة منذ تأسيس الدولة العراقيّة عام 1921 وهي طريقة لإدارة النزاعات وتسهيل السيطرة.

وفي ورقته التي جاءت تحت عنوان "العمليّة السياسية العراقيّة - معالم أزمة عصيّة على الحلّ"، قال رئيس حزب الوسط الديمقراطي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة بغداد حسن البزاز، إنّ أبرز نتائج حرب العراق كانت شيوع روح العنف والإقصاء والإيغال في العداء حتّى وصلت إلى التصفية والإبعاد السياسي المتواصل وبناء أجهزة الدولة على أسسٍ طائفيّة. 

وتناول رئيس جمعية المحامين العرب في بريطانيا صباح المختار أزمة المؤسّسة القضائية في العراق بعد غزوه عام 2003، وذلك في ورقة جاءت تحت عنوان: "القضاء العراقيّ - عشر سنوات بعد الاحتلال". وقال إنّ أزمة المؤسّسة القضائية العراقيّة تنبع من عدم شرعية التشريعات والقرارات الأميركيّة عقب الاحتلال، وتعمّد قوّات الاحتلال السماح بتدمير الهيكلية القضائية، وعزل القضاة العراقيّين وإعادة هيئات المحاكم بالمعايير الطائفية. 

وفي الجلسة الثالثة، تحدّث جوزيه ديلبرادو، الدبلوماسي الدولي المختصّ في مجال النزاعات المسلّحة وحقوق الإنسان، والذي سبق أن شغل منصب رئيس مجموعة العمل حول المرتزقة التابعة لمجلس الأمن، عن "دور الشركات الأمنيّة العالمية في الإخلال بالأمن العراقي" بعد الاحتلال. وقدّمت هيفاء زنكنة ورقة عنوانها "معتقلات العراق الجديد: سيرورة تجريد العنف من مفهومه الجنسوي"، فيما تناول ناجي حرج موضوع "الحقّ في طلب التعويضات"، وقدّم حسن أبو هنية ورقة بعنوان "المنظّمات والفاعلون الخارجيّون: القاعدة والميليشيات المسندة من الخارج".

اليوم الثاني:

​في الورقة الأولى من الجلسة الأولى في اليوم الثاني من المؤتمر والتي كان عنوانها: "المقاومة العراقية ودورها في إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب"، قال الباحث يحيى الكبيسي إنّ المقاومة أسست إستراتيجيتها على استهداف العسكريين، ممّا قلّص حجم الخسائر بين المدنيين. وسلّط الضوء على طبيعة المقاومة العراقية منذ الأسبوع الأول للاحتلال الأميركي، وحلل أهم البيانات والأرقام المرتبطة بأعمال المقاومة وعملياتها الميدانية. وأشار إلى دور الفكرة الإسلامية في المقاومة، إذ أنّ مظلّة المقاومة كانت إسلامية حتى عام 2007، ثمّ تراجع الطابع الإسلامي للمقاومة بعد ذلك عندما انفض عنها الكثير من الأتباع غير المؤدلجين.

وعدّ الباحث زهير حامدي، في الورقة الثانية المعنونة: "النفط والطاقة دوافع ما قبل الغزو وما بعده"، النفط سببًا أساسيًا لاحتلال العراق، من دون أن يكون السبب الوحيد. وتحدث عن دور الاحتلال الأميركي في توجيه سياسة صناعة النفط في العراق، والتي تولّت الحكومة العراقية الجديدة تنسيقها داخليًا، مشيرًا إلى معارضة المجتمع المدني العراقي لكل محاولات الهيمنة الغربية على النفط.

من جهته، أشار الباحث منقذ محمد الداغر في الورقة الثالثة المعنونة: "الرأي العام العراقي: عشر سنوات بعد الاحتلال"، إلى أنّ نتائج استطلاع للرأي أجراه في بداية الاحتلال أكدت أنّ أكثر من 80% من العراقيين كانوا مقتنعين بكون قوات التحالف هي قوات محتلة وليست محرِّرة. كما أكدت نتائج استطلاع آخر أجراه بعد عشر سنوات أنّ الموقف العراقي المجتمعي يرى أنّ ما حصل هو احتلال، وكذلك استهداف للإسلام.

واختتم الباحث لقاء مكي الجلسة بورقة معنونة بـ: "من تداعيات الغزو: صورة العرب عند الغرب"، فأشار إلى الصورة النمطية السلبية السائدة في الغرب عن العرب، وكيف جرى تعميم هذه الصورة من خلال وسائل الإعلام الغربية، وكيف سُحبت هذه الصورة على الإسلام، ثم تطوّرت أخيرًا إلى الربط المباشر بين الإسلام والإرهاب.

أما الجلسة الثانية لليوم الثاني، فقد استهلها الدكتور محمد المسفر بورقته عن: "تداعيات الاحتلال على الوطن العربي"، فأشار إلى التداعيات العسكرية والسياسية والاقتصادية للحرب على العراق، وتوصل إلى نتيجة مفادها اتساع دائرة النفوذ الأميركي في المنطقة من خلال وجود عسكري مخيف؛ فاحتلال العراق لم يكن فاتحة خير على الأمة العربية، وأحدثت فراغًا إستراتيجيًا زاد فيه الوزن النسبي لإيران على حساب دول المنطقة، وأصبحت تركيا مستعدة لاستعادة دورها التاريخي في الإقليم، ما أدى  إلى تعزيز الوجود الغربي في المنطقة بطلب من النخب السياسية الحاكمة فيها. 

 وفي الورقة الثانية المعنونة: "الخيارات الإستراتيجية لدول مجلس التعاون الخليجي بعد احتلال العراق"، رأى محمد السعيد إدريس أنّ من أهمّ التداعيات التي نتجت عن غزو العراق واحتلاله فرض معادلة المحاصصة السياسية على مكونات العراق، وتمكين القوى المعارضة الموالية للغزو من السيطرة على النظام الجديد، وهي نتائج شديدة الخطورة - في نظره - على هيكلية الدولة والمجتمع في العراق، وامتدت إلى جوار العراق الإقليمي والخليجي على وجه الخصوص.

أما الباحث أنطوان شلحت، فقد أشار في ورقته "انعكاسات غزو العراق على القضية الفلسطينية" إلى أنّ الغزو الأميركي للعراق كان  بالنسبة إلى إسرائيل، ذروة أخرى في "عهد جديد" يتعلق بتاريخ هذا البلد. وبموجب قراءته التاريخية، سلّط شلحت مزيدًا من الضوء على التحليلات التاريخية والأمنية الإسرائيلية التي ترى أنّ العراق دولة مواجهة مع إسرائيل، وأنّ العراق أرسل المرة تلو الأخرى - وفي ظل حكومات متعددة - جيوشًا لمحاربة إسرائيل.

وكانت الورقة الأولى في الجلسة الثالثة من اليوم الثاني تحت عنوان "الأسرلة: الغزو والاحتلال الأميركيّ للعراق"، للباحث مروان بشارة الذي حاول من خلالها استعراض أهمّ العناصر الموجّهة للذهنية الأميركيّة في قرار احتلالها العراق، وهي العناصر نفسها التي تحكم رؤية إسرائيل للعالم والمنطقة، وهي الحالة التي انتهت بالأميركيّين إلى تقمّص الشخصية الإسرائيليّة. ودعم بشارة عرضه بمقدّمة تاريخية أبرزَ من خلالها تجذّر هذه العناصر في التاريخ السياسيّ الأميركيّ.

وقدّم أسامة أبو ارشيد الورقة الثانية بعنوان: "تأثير الانسحاب الأميركيّ من العراق في أولويّات الاهتمام الأميركيّ في العالم"، التي تناول فيها التقدير الأميركيّ للانسحاب من العراق، وهو تقدير لم يأخذ في حسبانه العامل الأخلاقي، بل اعتمد على الخسائر والتحدّيات التي تطرحها المنافسة الصينيّة، وعدم ارتداع إيران وكوريا الشماليّة.

أمّا الورقة الثالثة، فكانت للباحثة اليابانية كيكو ساكاي، وهي بعنوان: "تدخّل القوى الدوليّة غير الغربيّة في غزو العراق - اليابان نموذجًا". اهتمّت الباحثة في ورقتها بمقاربة المشاركة اليابانيّة في الغزو الأميركيّ للعراق، إذ استعرضت في البداية العلاقات التاريخيّة التي ربطت بين اليابان والعراق. وبعد ذلك أشارت ساكاي إلى الدور اليابانيّ الجديد في العراق بعد الغزو، والذي زاوجت فيه بين الحرص على المصالح الأمنيّة والمصالح الاقتصاديّة. وأشارت الباحثة في ختام ورقتها إلى أنّ احتلال العراق كان فرصةً لحدوث تحوّلٍ في العلاقات اليابانيّة الأميركيّة.

ثمّ اختُتمت المداخلات بكلمة للباحث مثنّى حارث الضاري، والتي ركّز فيها على دور المقاومة العراقيّة في مواجهة الاحتلال الأميركيّ، متناولًا طبيعة المكوّنات الأساسية لهذه المقاومة وتوجّهاتها. كما أشار الضاري إلى أهمّ المراحل التي مرّت بها المقاومة.

في الجلسة الأخيرة من المؤتمر، قدّم سلام مسافر قراءته للمحدّدات الداخليّة والخارجيّة للموقف الروسيّ من غزو العراق في عام 2003، مشيرًا إلى أنّ الكرملين سعى للحفاظ على موقفٍ مستقلّ وُصف حينها بأنّه غيرُ مريحٍ، لكنّه - وبعد سنواتٍ من احتلال العراق- بدا منسجما مع النهج البراغماتي لرجل روسيا القوي فلاديمير بوتين.

من جهته رأى حميد دباشي أستاذ كرسي "هاكوب كفوركيان" للدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، أنّ الغزو الأميركيّ لأفغانستان في عام 2001 ثم للعراق في عام 2003 جاءا ليصبا كليًّا في مصلحة الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة ويحقّقا لها فائدةً إستراتيجية كبيرة، عبر إزاحة اثنين من أبرز أعدائها: صدام حسين في الغرب وطالبان في الشرق.

أما سرهاد إيركمان، وفي ورقته "نتائج غزو العراق في الشرق الأوسط: الحالة التركيّة"، فيرى أنّ غزو العراق تسبب بحالة أمنيّة جديدة بالنسبة إلى تركيا. وشخّص ايركمان آثار الغزو على العراق وتداعياته على أمن تركيا، مشيرًا إلى تنامي نشاط حزب العمال الكردستاني في أعقاب الغزو الأميركي للعراق، وأصبح يستخدم الأراضي العراقيّة قاعدةً لانطلاق هجماته ضد تركيا.