عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، يوم الإثنين 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، ندوة لإطلاق كتاب يوسف العظمة في زمانيه العثماني والعربي، بمشاركة عزيز العظمة، المشرف على الكتاب ومحرره ومقدّمه، وغولسوم بولاط الأستاذة المشاركة في قسم التاريخ بكلية الآداب في جامعة أنقرة حاجي بيرم ولي في تركيا، ونوف الخشمان مديرة مكتبة معهد الدوحة للدراسات العليا. وترأس الجلسة محمد جمال باروت، الباحث في المركز العربي وأحد المساهمين في الكتاب. وتناولت الندوة نتائج المشروع البحثي الذي أُنجز الكتاب في إطاره، ودور المصادر الأرشيفية في إعادة بناء سيرة يوسف العظمة، وعلاقة تجربته العسكرية والسياسية بتحولات أواخر العهد العثماني وقيام المملكة العربية بدمشق.
استهلّ باروت الندوة بوضع المشروع في سياق اهتمام المركز بالدراسات السورية منذ تأسيسه، مستعرضًا عددًا من مبادراته البحثية والتوثيقية، وفي مقدمتها مشروع توثيق يوميات الثورة والحرب في سورية. وأوضح أن اللقاء يتجاوز مناسبة إطلاق الكتاب إلى استئناف أسئلة كتابة التاريخ السوري، التي ناقشتها ندوة "كيف يُكتب تاريخ سورية؟"، التي نظمها المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة في كانون الثاني/ يناير 2026. وربط الاهتمام بهذه الأسئلة بالحاجة إلى معرفة تاريخية علمية تتحرر من المسبقات الأيديولوجية والاستقطابات السياسية، وتعيد النظر في مصادر دراسة الشخصيات والأحداث المؤسِّسة للذاكرة الجمعية السورية.
وتوقف باروت عند المفارقة بين مكانة يوسف العظمة في الوجدان الوطني السوري ومحدودية المعرفة التفصيلية بحياته؛ إذ حظي بإجماع واسع باعتباره رمزًا للتضحية والدفاع عن البلاد، في حين بقيت جوانب من تكوينه ومسيرته وعلاقاته غير مدروسة بما يكفي. وأشار إلى أن المشروع عمل على إعادة بناء مصادر دراسته، وجمع الوثائق والصور والمراسلات والمواد الصحافية المتفرقة في أرشيفات متعددة. ومن بين المواد التي لفت إلى أهميتها البرقيات المتبادلة بين العظمة والأمير زيد خلال عمله معتمدًا عربيًا في بيروت، لما تتيحه من إضاءة على مرحلة دقيقة من التاريخ السوري الحديث.
وفي مداخلته عرض عزيز العظمة دوافع المبادرة إلى المشروع، موضحًا أن شهرة يوسف العظمة لم تقترن بمعرفة قريبة بشخصيته وتجربته. وأشار إلى تضافر صلته العائلية به واهتمامه بدمشق مع أسئلة البحث التاريخي، وإلى الحاجة إلى تجاوز المعارف المتداولة والكتابات المحدودة نحو تقصّي المادة الأرشيفية. واستعرض إسهامات الباحثين في جمع المصادر العثمانية والبريطانية والفرنسية والألمانية، إلى جانب الصحافة العربية والمذكرات والشهادات، مبيّنًا أن هذا العمل الجماعي أتاح تأسيس معرفة أكثر توثيقًا بالشخصية والسياقات التي تحركت فيها.
وربط العظمة أهمية الكتاب بالنقاش حول كتابة التاريخ السوري وموقع الرموز الوطنية فيه، معتبرًا أن استعادة تجربة يوسف العظمة تفتح باب التفكير في مشروع الدولة والوطن وقيم الخدمة العامة والانضباط والمسؤولية. ورأى أن دلالة تجربته تتصل بما حمله هو ورفاقه من الضباط المتعلمين من تصورات عن التنظيم والإدارة وبناء مؤسسات الدولة. وأكد أن البحث التاريخي يقتضي تقصّي الوقائع وفهم مقاصد الفاعلين ضمن ظروفهم، بما يساعد على الحدّ من التأويلات التي تُخضع الماضي لمقتضيات الصراع الأيديولوجي في الحاضر.
وتناول العظمة كذلك ضرورة مراجعة السرديات القومية العربية والتركية التي صاغت العلاقة بين العرب والأتراك على أساس التنابذ. وأوضح أن دراسة مسيرة يوسف العظمة تتيح النظر في محاولات الربط بين مقاومة الاستعمار في الأناضول ومقاومته في المشرق العربي، في مرحلة اتسمت بهشاشة الأوضاع السورية وتبدّل الأطر السياسية بعد انهيار الدولة العثمانية. وبيّن أن فهم انتقاله إلى العمل في الدولة العربية يستلزم دراسة هذه التحولات، وما أتاحته أو فرضته من خيارات، وعلاقته بالضباط الذين شاركوه التكوين والخدمة العسكرية.
وقدّمت بولاط عرضًا لعملها على سيرة العظمة في ضوء المصادر العثمانية والبريطانية، متوقفةً عند التحديات المنهجية التي واجهت تتبّع حياته بين السجلات العسكرية ووثائق وزارة الدفاع وغيرها من المواد الأرشيفية. وأوضحت أن تفاوت المعلومات وتوزعها استلزما المقارنة بين مصادر متعددة لإعادة تركيب مساره. وتتبّعت محطات من تعليمه العسكري وتدريبه في ألمانيا وخدمته خلال الحرب العالمية الأولى، وصولًا إلى مغادرته إسطنبول إلى دمشق، مشيرةً إلى أهمية السجلات في تحديد مواقع خدمته ومهماته وأدواره. وتطرقت بولاط إلى ما تكشفه الوثائق عن كفاءته المهنية ومهاراته اللغوية، وعن مشاركته في أعمال الاتصال والترجمة والوفود التفاوضية. وأشارت إلى وجود مؤشرات على صلته بحركة الكفاح الوطني التركية، مع التنبيه إلى محدودية الأدلة المتاحة في بعض جوانب هذه العلاقة. وقد عرضت ما تضمنته المصادر البريطانية من توصيف لمواقفه المناهضة للبريطانيين والفرنسيين، معتبرةً أن دراسة تجربته تضيء الروابط بين المجالين السوري والتركي في تلك المرحلة.
وقدّمت الخشمان عرضًا بعنوان "أرشيف يوسف العظمة الرقمي: صون الماضي وصياغة المستقبل"، تناولت فيه تحويل المواد التي جمعها الباحثون إلى مجموعة منظمة قابلة للبحث والاسترجاع. وأوضحت أن التحدي الأساسي تمثّل في تشتت الوثائق بين بلدان ومؤسسات وأرشيفات ولغات متعددة، الأمر الذي استدعى جمعها وربطها ضمن فضاء رقمي واحد. وأشارت إلى تنوع المجموعة، التي تشمل كتبًا وصحفًا وصورًا ومراسلات وخرائط ومواد أخرى، وإلى إسهام المصادر الشخصية التي أتاحها عزيز العظمة في إغنائها.
واستعرضت الخشمان مراحل تنظيم المجموعة وإعداد بياناتها الوصفية، بالتعاون مع إسلام زهران، موضحةً أهمية تحديد العناوين والتواريخ والأشخاص والأماكن والموضوعات والكلمات المفتاحية، لتمكين الباحثين من اكتشاف الوثائق وربطها بسياقاتها. وتناولت تحديات قراءة الخطوط التاريخية، وتفاوت جودة الصور، والتعرف الضوئي إلى الحروف، والحصول على أذونات الاستخدام. وأكدت أن دور المكتبة يمتد إلى صون الذاكرة وإعادة اكتشافها وإتاحتها للبحث، وأن قيمة الأرشيف تتحقق بتحويل الوثيقة المحفوظة إلى مصدر معرفي يمكن الإفادة منه. وبيّنت أن الوصول إلى الأرشيف متاح من داخل المركز والمعهد، مع العمل على تطوير إمكان وصول الباحثين إليه من خارجهما.
وأعقبت المداخلات مناقشات ركزت على تشكّل الهوية لدى يوسف العظمة، وحدود قراءة مسيرته بوصفها انتقالًا خطيًا من العثمانية إلى العروبة، والأدوات التي تتيح للمؤرخ دراسة هذه التحولات. وتناولت الأسئلة استعمال اللغتين العربية والتركية في محيطه العائلي ومراسلاته، وعلاقة ذلك بالبيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها، فضلًا عن حدود المعرفة المتاحة عن حياته الخاصة. وطرحت المناقشات مسألة التمييز بين الصورة الوطنية التي استقرت في الذاكرة الجمعية وتعقّد التجربة التاريخية للفرد وتعدد الخيارات التي أحاطت به.
وقد أوضح عزيز العظمة أن الكتاب يوفر عناصر لدراسة تلتقي فيها سيرة الفرد بظروف عصره، مشددًا على أن انتقال يوسف العظمة من إسطنبول إلى دمشق لا يكفي وحده لإثبات تحول هوياتي خطي. ورأى أن فهم تجربته يقتضي الانتباه إلى تكوينه باعتباره ضابطًا ارتبط بخدمة الدولة ومؤسساتها، وإلى أن التصورات القومية والهويات السياسية كانت لا تزال في طور التشكل. ودعا إلى قراءة استعمال التركية ضمن سياقه الاجتماعي والتاريخي، وتجنّب إسقاط التصنيفات اللاحقة على واقع لم تكن حدوده قد استقرت بعد.
لمشاهدة الندوة كاملة: https://www.youtube.com/watch?v=q_J-GlGaATw