استضافت وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالشراكة مع برنامج التاريخ في معهد الدوحة للدراسات العليا، مساء الثلاثاء 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، أحمد المصري، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر والمدرب في برنامج التأهيل السياسي بمؤسسة الاتحاد الدولي في ألمانيا، الذي قدّم محاضرة بعنوان "الشيخ أحمد اليمني الشرواني: فقيه لغوي في أروقة الاستشراق البريطاني (1810–1840)"، أدارها فهد بشارة، الأستاذ المشارك في برنامج التاريخ بالمعهد والباحث في الوحدة.
تناول المحاضر تجربة أحمد اليمني الشرواني بوصفها نموذجًا لمشاركة العلماء العرب في تعليم اللغة العربية ونشر تراثها من خلال المؤسسات الاستشراقية في الهند، متتبِّعًا الظروف التي أتاحت له الانتقال من التجارة في مدينة الحديدة إلى العمل في شركة الهند الشرقية البريطانية، منذ مطلع القرن التاسع عشر، وما أنجزه في مجالات التدريس والتأليف والتحرير والطباعة خلال العقود الثلاثة التي تلت ذلك، والتي قضاها في الهند، وخُتِمت بوفاته فيها عام 1840. وبيّن أنّ دراسة هذه التجربة تكشف جانبًا من أدوار العلماء اليمنيين في الحياتَين الفكرية والأدبية في الهند، وتُظهِر اهتمام الإدارة الاستعمارية البريطانية باللغة العربية وإدراجها ضمن المواد الدراسية في مؤسساتها التعليمية.
واستعرض نشأة الشرواني وتعليمه في اليمن، وعمله في التجارة، وشبكة علاقاته ورحلاته إلى الهند، متناولًا رحلته إلى مسقط عام 1809 وما ارتبط بها من حادثة قرصنة فرنسية، ثم وصوله إلى كلكتا في العام نفسه. وأوضح أنّ إقامته التي بدأت مؤقتةً في المدينة تحوّلت إلى فرصةٍ للعمل أستاذًا للّغة العربية في كلية فورت وليم. ورأى أن كلكتا كانت نقطة تحوّل في مسيرته العلمية والأدبية.
وأدرج المصري هذا التحوّل في سياق اهتمام شركة الهند الشرقية بدراسة اللغات والتاريخ والثقافة في الهند، وتأسيس مؤسسات تعليمية لهذا الغرض، من بينها كلية فورت وليم، التي أُنشئت عام 1800. وأشار إلى أنّ الشرواني عمل في قسم اللغة العربية بالكلية، من تشرين الأول/ أكتوبر 1810 حتى عام 1818، وجمع خلال هذه المرحلة بين إعداد الكتب التعليمية ومراجعة مؤلفات التراث العربي وتحريرها للنشر.
وتناول إسهام الشرواني في مجال الطباعة العربية، مستعرِضًا عمله في مراجعة "رسالة الحيوان" من "رسائل إخوان الصفا"، ونشرها في كلكتا عام 1812، وهو عمل عدّه أوّل أعماله في التحرير والنشر. وتطرّق إلى إشرافه على نشر أول مئتَي ليلة من كتاب "ألف ليلة وليلة" في مجلدَين صدرا عامَي 1814 و1818، في الطبعة التي عُرِفت باسم "طبعة الشرواني" أو "نسخة كلكتا". وعدّ الباحث هذه الأعمال شاهدًا على موقعه في البدايات المبكرة لطباعة التراث الأدبي العربي في الهند.
وفي السياق نفسه، عرض المحاضر مساهمته في طباعة "القاموس المحيط" لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت. 817هـ/ 1415م)، بالتعاون مع تلميذه أوحد الدين البلجرامي. وذكر أنه نشر ديوان المتنبي، وصحّح كتاب "عجائب المقدور" وراجعه، وكان هذا الكتاب مدرَجًا ضمن المناهج الدراسية في الكلية.
وأبرز تداخل العمل التعليمي مع أعمال التحرير والنشر في تجربة الشرواني؛ وذلك من خلال توفير النصوص العربية وإعدادها للاستخدام في بيئة التدريس.
وتتبّع المصري انتقال الشرواني إلى مدن هندية أخرى، وعمله في مطبعة لكناو، التي أسسها غازي الدين حيدر عام 1818، حيث ألّف "المناقب الحيدرية" في سيرته، ثم تناول إقامته في بنارس، التي وصل إليها عام 1825، حيث أمضى قرابة اثنَي عشر عامًا في تعليم العربية والتأليف، ثم انتقل إلى بهوبال وعمل في بلاط الأمير جهانكير محمد خان، وألّف كتاب "شمس الإقبال في تاريخ بهوبال". ورأى أنّ هذه التجربة أسهمت في تعزيز مكانة اللغة العربية في بلاط بعض الأمراء الهنود.
وأحصى مؤلفات الشرواني، فذكر أن عددها تسعة مؤلفات، توزّعت بين مجالات التعليم والأدب والتاريخ، من بينها "نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن"، و"العجب العُجاب فيما يفيد الكتاب"، الذي أُعِدّ لتطوير مهارات الكتابة وصياغة الرسائل وعلم الإنشاء، و"حديقة الأفراح لإزالة الأتراح"، الذي يجمع تراجمَ وقصصًا وموضوعات أدبية متنوعة. وأشار إلى أن كتاب "نفحة اليمن" لا يزال كتابًا دراسيًا في بعض المدارس الإسلامية الهندية، بما يعكس، في نظره، امتداد تأثير الشرواني التعليمي.
وتطرّق المحاضر إلى حضور الهوية اليمنية في كتابات الشرواني واعتزازه بانتمائه، واتخاذه اسم "سهيل اليماني" في بعض الأحيان، إلى جانب المكانة التي حظي بها لدى معاصريه من العلماء والأدباء في الهند. ودعا إلى توسيع نطاق البحث في العلاقات الحضارية اليمنية - الهندية، ودراسة أدوار علماء اليمن، ولا سيما علماء تهامة، في الحياة الفكرية في الهند، والمدارس التي تأثّرت بأفكارهم، ومنها التيارات المرتبطة بمدرسة الإمام محمد الشوكاني.