استضافت وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مساء الإثنين 19 كانون الثاني/ يناير 2026، الأستاذ المساعد في الأدب المقارن بجامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا في الكويت، طارق الربعي، في المحاضرة الثانية ضمن برنامج محاضراتها الشهرية للعام الأكاديمي 2025-2026، وكان عنوانها "من أبناء ابن ماجد إلى أبناء السندباد: عن المعرفة البحرية المحلية في الخليج وسياقاتها الأيديولوجية". وقد أدار المحاضرة الباحث المتعاون في الوحدة عبد الرحمن الباكر.
استهلّ المحاضر حديثه بتوضيح أنّ مشروعه البحثي هذا يؤسَّس على مستويين أساسيين: أولهما "المعرفة المحلية"، وهي تشمل كل ما يتعلق بالحياة البحرية من وثائق وقصائد وممارسات، والآخر هو "الخطاب القومي" وعمليات نقل المعرفة المحلية إلى المجال القومي وتذويبها فيه.
قسّم الباحث محاضرته إلى ثلاثة أجزاء، تحدث في الأول منها عن مساعي الكويت – منذ نهاية خمسينيات القرن العشرين - لأنْ تضع قدمًا لها في المعرفة العربية. وقد اتضحت هذه المساعي من خلال عدّة أشكال في المجال الثقافي، غير أنّ المفارقة أنّها كانت تتزامن مع أفول الحياة البحرية، إذ كسدت أسواق اللؤلؤ، وسُجِّلَت آخر رحلة شراعية في تلك اللحظة نفسها، أواخر الخمسينيات، والتفتَت الكويت التفاتة حادة من الشرق إلى الغرب. وذكر الربعي أنّ أحد الأسئلة المركزية في مشروعه البحثي هو: كيف تعامل الفكر القومي مع المعرفة المحلية التي تمثلت في الحياة البحرية، وجادل بأنّ المشروع القومي العربي أحدث قطيعة كاملة مع المعرفة البحرية المحلية، التي لم تُستدعَ إلّا عند تقاطعها مع السردية القومية الكبرى. وقدّم أدلة على ذلك من بعض المنشورات الكويتية ذات الطابع القومي في تلك المرحلة، التي لم تولِ الممارسات المعمارية والثقافية القديمة اهتمامًا كافيًا، بقدر اهتمامها بصور التقدم والعمران الحديث والنفط، وغير ذلك من أوجه الحداثة التي سعت لإبراز "وجه الكويت الحضاري". وبحسب المحاضر، كانت ثمة قطيعة معرفية، استبدلت بالبحر النفط، إذ لم يكن البحر – بحسب مدركات الفكر القومي - مهيَّأً للدخول في المرحلة القومية.
وفي الجزء الثاني من المحاضرة، تطرّق الباحث إلى المعرفة المحلية البحرية، ولا سيما "الدلائل البحرية" و"الرحمانيات"، و"الروزنامات"، وهي وثائق يسجل فيها النوخذة كل ما يتعلق بفن الملاحة البحرية. ولم تعتمد الرحمانيات على تجارب النواخذ الشخصية وحدها، بل أيضًا على نصوص ملاحية عربية قديمة تعود إلى القرن الخامس عشر، وأنجزها بحّارة عرب بارزون، من قبيل أحمد بن ماجد (ت. 906هـ/ 1501م) وسليمان المهري (ت. 961هـ/ 1554م) وسواهما. ويمكن وصف لغة الرحمانيات بأنّها تجسد لغة البحر بشكلٍ أمثل، فلا هي الفصيح السليم ولا العامية الصرفة، بل تنتقل بينهما، وتجاهد لأن تكون فصيحة.
وقد ركّز الربعي على الروزنامات، وهي دفاتر يومية يقيد فيها النوخذة مسار السفر وتفاصيل الرحلة من البداية إلى النهاية. وتعد الروزنامات من أبرز المصادر التي تتجسد فيها لغة أهل البحر، وتعين على فهم المعرفة البحرية، إذ تمثل مستودعًا ضخمًا للمعجم البحري من حالة الطقس وحركة السفينة وغير ذلك. وأشار إلى جهود بحثية عدة، أنتجت كثيرًا من المعاجم التي جمعت لغة أهل البحر، من قبيل معجم المصطلحات البحرية في الكويت لأحمد البشر الرومي، ومعجم مصطلحات الغوص على اللؤلؤ والحياة البحرية في الخليج لربيعة بن صباح بن سعيد جامع الكواري، ومعجم الغوص واللؤلؤ في الخليج العربي لـفالح حنظل.
وتحدّث الربعي عن بروز مصطلح "المحلية" أو "العامية" في مجال دراسات المحيط الهندي بوصفه تصنيفًا لمستوى تحليلي معرفي خاص، يُحيل إلى أنّ أيّ محاولة لفهم التطور التاريخي والفكري للمحيط الهندي يجب أن ينطلق من السرديات المحلية في المنطقة بدلًا من الاعتماد على الوثائق الاستعمارية، كما أشار إلى أنّ دراسات ما بعد الاستعمار حاججت بأنّ المستوى البحري المعرفي مُهمل.
وشدّد المحاضر على المخاطر التي تواجه البحث في المعرفة المحلية، من قبيل النزعة الأيديولوجية التي قد يبطنها بعض من يتصدون لمثل هذه البحوث، والحنين المفرط والرثاء للحياة القديمة، الذي يفضي إلى الخلط في المفاهيم.
وفي الجزء الثالث والأخير من المحاضرة، ركّز الربعي على الكيفية التي ترجم بها الخطاب القومي البحر، معتمدًا حالة للتحليل، وهو الشاعر الكويتي محمد الفايز (1938-1991)، الذي يعد من أبرز شعراء الحداثة في منطقة الخليج. وحاجج المحاضر بأنّ الفايز استطاع أن يترجم البحر بوعي قومي حديث ويطوّع المعرفة المحلية، وإن كان لم يركب البحر قط، بل عاش حياة بيروقراطية، وكان متأثرًا بالفكر الحداثي القومي، بحسب المحاضر، غير أنّه استطاع أن يحوّل "أبناء ابن ماجد" إلى أن يكونوا "أبناء السندباد"، من جهة أنّه تعامل مع شخصية السندباد بوصفها الرمز الثقافي الأبرز للملاحة الخليجية وللبحار الخليجي.
تتبَّع الربعي مسار استعادة رمز السندباد في الأدبيات الحديثة عبر إطارين خطابيّين متقاطعين، هما: الاستشراق والحداثة الأدبية العربية، مركزًا على نصوصٍ رئيسة من هذين الإطارين: أبناء السندباد (1940) للرحالة الأسترالي آلان فيليرز، من إطار الاستشراق، ومن إطار كتب الرحلة والأدب العربي سندباد معاصر: رحلات في المحيط الهندي (1938) وحديث السندباد القديم (1943)، للكاتب والرحالة المصري حسين فوزي، فضلًا عن كتاب مذكرات بحار (1964) للفايز.
وفي الختام، أكّد الربعي أنّ محاضرته تندرج ضمن مشروع بحثي أوسع عن محاولات إعادة إنتاج المعرفة البحرية المحلية وكيفية إخضاعها وتطويعها لصالح سرديات ثقافية كبرى كالقومية العربية، ودراسات المحيط الهندي، والاستشراق، والنظرية ما بعد الاستعمارية. وتعكس التمثيلات المتنازَع عليها لتاريخ البحر في الخليج توترات أعمق ترتبط بالذاكرة التاريخية والثقافية للمنطقة لا تزال آثارها قائمة.
شهدت المحاضرة إقبالًا وتفاعلًا واسعَين، وقد طرح عددٌ من الحضور أسئلة ذات صلة بمحاور عدّة مما تناوله المحاضر، من قبيل شخصية ابن ماجد وتاريخه، والربط بين القصائد التي كتبت بالعامية والقصائد الحداثية، وتأريخ الحداثة في الكويت، والتراث البحري في المحيط الهندي، والثنائية المحلية والقومية، وسؤال وجود الدولة في مرحلة التشكل، والخطاب القومي العربي والدول التي ظهر فيها.