نظّمت وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالشراكة مع مركز دراسات الخليج في جامعة قطر، يوم الأحد 6 أيلول/ سبتمبر 2026، ندوة بحثية بعنوان "دراسات الخليج: بين التحديد العلمي والتحديدات السياسية"، هي الأولى من ثلاث ندوات اتفق الطرفان على تنظيمها في عامي 2026 و2027، وتتناول في مجملها، بالتقييم والنقد، حقل دراسات الخليج، في نشأته وتطوره وتوجهاته، والمناهج التي غلبت عليه، والموضوعات التي ركّز عليها، والإشكاليات التي سعى إلى مقاربتها، والمراكز الأكاديمية التي تتبناه، والتحديات المعرفية التي تواجهه وتواجه دراسة المنطقة، على نحو عام، من جوانبها المجتمعية والتاريخية والسياسية.
أكد حيدر سعيد، رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية، في افتتاح الندوة، أهمية التعاون بين المركزين، مشيرًا إلى أن هذه الندوة تسعى لدراسة حقل دراسات الخليج والتأريخ له بعيدًا عن "السرديات" التي لا ترى إلا ما قدّمته الأكاديميات الغربية في هذا المجال. وأوضحت مريم الكواري، مديرة مركز دراسات الخليج في جامعة قطر، أنّ المشروع يسعى كذلك لمناقشة مفهوم "دراسات الخليج" وحدوده وتحدياته التنظيمية والفكرية والمنهجية.
ناقشت الجلسة الأولى المحور المجتمعي في دراسات الخليج، وأدارها هشام رائق، الأستاذ المساعد في قسم علم الاجتماع في جامعة قطر، وشارك فيها، إلى جانب مريم الكواري، محمد بن صنيتان، رئيس مركز ساس الوطني لاستطلاع الرأي العام والبحوث في السعودية، الذي تناول قضايا الهوية الوطنية وتعدد الهويات في المجتمعات الخليجية وأفكار التكامل في ما بينها، ورأى أن من التحديات المنهجية الأساسية التي تواجه الأبعاد السوسيولوجية في حقل دراسات الخليج هو النظر إلى المجتمع الخليجي بوصفه مقتصرًا على مواطنات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومواطنيه، ولا يشمل الفضاءات الاجتماعية الأوسع، وهي الفضاءات الفعلية التي تمثّل التجربة المجتمعية في الخليج، والتي شكّلتها عوامل النفط والهجرة والتدفقات البشرية. وجادل بأن المقاربة السوسيولوجية للمجتمعات الخليجية يجب أن تكون مركّبة، فتأخذ في الاعتبار هذا التعدد، وتراعي، في الوقت نفسه، الهويات الفرعية، من قبيل القبيلة والعائلة والمنطقة والمذهب، فضلًا عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
أما الكواري فطرحت سؤالًا عن إمكان التعامل مع "المجتمع الخليجي" بوصفه مفهومًا معرفيًا متماسكًا، لتحاجّ بأنّه مفهوم متغير تشكّل عبر الزمن. ودعت إلى إعادة التفكير فيه انطلاقًا من البحر والحدود البرية، ومن خلال التساؤل عن أثر مجلس التعاون والنفط في تشكيله. ودافعت عن أنّ التشابه الظاهري بين المجتمعات الخليجية لا يلغي تنوعها الداخلي، في اللغة والدين والتاريخ والبنى الاجتماعية.
وأثارت مداخلات الحضور، في هذه الجلسة، العديد من الأسئلة والنقاشات، عن أثر العولمة والرقمنة والهجرة والعمل والطبقة في تشكيل الهوية، وحدود الاعتماد على كتابات الرحالة والمستشرقين في فهم الواقع المتغير باستمرار للمجتمعات الخليجية، وتطرقت إلى التنشئة الاجتماعية ودور العمالة المنزلية، وقضايا المرأة والأسرة، وتكوين الباحثين الناشئين في العلوم الاجتماعية، وناقشت كذلك حدود المجال الخليجي، وعلاقته بإيران واليمن والعراق، وتأثير النفط في العلاقة بين المواطنين والمقيمين، وقيود الوصول إلى البيانات والحرية الأكاديمية، ودور السلطة في صناعة الذاكرة الجمعية.
تناولت الجلسة الثانية المحور التاريخي، وأدارها عبد الرحمن الإبراهيم، الأستاذ المساعد في برنامج التاريخ في معهد الدوحة للدراسات العليا. وشارك فيها إبراهيم شهداد، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة قطر، وفهد بشارة، الأستاذ المشارك في برنامج التاريخ في معهد الدوحة للدراسات العليا، وصالح الخليفي، الأستاذ المساعد في التاريخ في جامعة قطر.
ناقش شهداد أوجه القصور في تدريس تاريخ الخليج في جامعات المنطقة، مشيرًا إلى هيمنة المقاربات التقليدية والتركيز على الاستعمار والحكام، في مقابل تهميش أدوار السكان والقوى الاجتماعية والسياسية، ولافتًا الانتباه إلى غياب الاهتمام بموضوعات مثل الأبعاد الاجتماعية والسياسية للغوص على اللؤلؤ، وتجارة الأسلحة والعبيد، والحركات الشعبية، داعيًا إلى بناء المقررات الدراسية وفقًا لرؤية أكثر شمولًا.
أما بشارة فرأى أنّ التأريخ للخليج لا يزال أقل نضجًا من الدراسات التأريخية عن بلدان ومناطق أخرى من العالم. وعزا ذلك إلى ضعف الدعم المؤسسي، واعتماد الدولة الوطنية إطارًا أوحد للكتابة التأريخية عن الخليج. وأضاف أنه يقترح، منذ سنوات، عالم المحيط الهندي إطارًا بديلًا يكشف حركة الأفكار والسلع والأفراد، والروابط التي تصل الخليج بالهند وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا، فضلًا عن مناطق أخرى من العالم. ويفتح هذا الإطار، بحسب بشارة، المجال أمام دراسة الشبكات التجارية، ونشوء الرأسمالية، والاستهلاك قبل النفط، وتاريخ العلوم، والعبودية، ويضع المراسلات التجارية، ودفاتر الحسابات، والروزنامات البحرية، والوثائق القانونية والعقارية، ضمن سياق أوسع، بما يتيح قراءتها قراءة مختلفة عن السائد.
وتناول الخليفي هيمنة المفاهيم الأوروبية وكتابات المستشرقين على إنتاج المعرفة عن الخليج، داعيًا إلى العودة إلى المصادر العربية والنظر إلى المنطقة بعيون علمائها. واستعرض، في هذا السياق، تجربة العالم والشاعر عبد الجليل بن ياسين الطبطبائي، الذي تنقّل بين البصرة وقطر والبحرين والكويت، موضحًا أنّ كتاباته، ومنها أرجوزة "رحلة نزهة الجليس"، تقدّم تصورًا للخليج بوصفه فضاءً مترابطًا يتجاوز الحدود الوطنية الراهنة.
وقد شهدت الجلسة الثانية أسئلة ونقاشات عدة، تناولت إتاحة الأرشيف، وندرة المصادر المحلية، والفروق بين الكتابات العربية والإنكليزية، وكيفية تصنيف المصادر الغربية وتقييمها، وإشكالية نسبة الشخصيات التاريخية العابرة للمنطقة إلى دول وطنية معاصرة، وأهمية الشعر مصدرًا لكتابة التاريخ الاجتماعي والمكاني للخليج.
ناقشت الجلسة الثالثة المحور السياسي، وأدارتها عائشة الراشدي، العميد المساعد لقطاع العلوم الإنسانية والاجتماعية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة قطر، وشارك فيها، إلى جانب حيدر سعيد، محمد الهاشمي، المدير التنفيذي لمعهد رؤى الشرق الأوسط، الذي حاجّ بضرورة عدم اختزال حقل "دراسات الخليج" في دول محددة أو مجالات اجتماعية بعينها. وركّز على إرهاصات تحولات تعيشها المجتمعات الخليجية في إثر الحرب الأميركية - الإيرانية، وانتقد اختزال الإنسان الخليجي بوصفه مستهلكًا فحسب، وهو ما تفضي إليه نظرية الدولة الريعية، ورأى أنّ الحرب كشفت هشاشة افتراضات أنّ الازدهار يحمي نفسه، وأن الترابط الاقتصادي يمنع الاعتداء، وأنّ البنية التحتية تعمل بمعزل عن السياسة الدولية.
وتناول سعيد نشأة "دراسات الخليج" بوصفها حقلًا أكاديميًا متمايزًا في سبعينيات القرن العشرين، وربطه بصعود "الخليج" بوصفه رابطة سياسية، منذ الستينيات؛ أي قبل تشكيل مجلس التعاون في مطلع الثمانينيات، الذي تربط كثير من المقاربات تشكيل الرابطة الخليجية به. ونوّه بالإسهامات العربية المبكرة في هذا المجال (كمركز دراسات الخليج العربي في جامعة البصرة، الذي تأسس في عام 1974، ومجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية في جامعة الكويت، التي صدرت في عام 1975)، التي رأى أنها تسبق الإسهامات الغربية، وأنها قدّمت إسهامًا معرفيًا مميزًا، وإن انطلق بعضها من دوافع أيديولوجية.
وشهدت الجلسة الثالثة مناقشات وأسئلة، تناولت توظيف الثروة الخليجية في بناء القوة، وطبيعة مجلس التعاون السياسية والأيديولوجية، ودور النفط في صياغة الهوية، والحاجة إلى تجاوز نظريات الدولة الريعية والاستثنائية الخليجية، وما تفرضه من فهوم وتفسيرات، وفحص علاقة الدولة بالمؤسسات البحثية والسرديات الوطنية.