استضافت وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مساء الثلاثاء 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، الباحث أحمد إدريس، الزميل غير المقيم ومنسق برنامج الأبحاث في معهد السودان للأفلام، في محاضرة عنوانها "من الحجاز إلى سنار: مخيال التخوم وبواكير تشكل حداثة محمد علي باشا الغازية". وقد عُقدت هذه المحاضرة في مقر المركز العربي، ضمن برنامج محاضرات الوحدة الشهرية، وأدارها الباحث في الوحدة سعيد سلطان الهاشمي.
انطلق الباحث من السؤال عن الصورة التي يتخذها مشروع محمد علي حين يُقرأ من الحجاز وسنار، ومن خبرة المجتمعات التي وصل إليها عبر الغزو. وأوضح أنّ الربط بين هذين المجالين يستند إلى صلات تاريخية عبر الحج والتجارة والبحر الأحمر، ويُتيح فحص موقعهما في تشكّل المشروع خلال مطلع القرن التاسع عشر. وطرح، في هذا السياق، سؤالًا عن أثر التوسع العسكري في صياغة أجهزة الحكم وتصوراتها للسكان والأرض والموارد، مستندًا إلى مشروع بحثي ما زال قيد التطوير.
استهل الباحث محاضرته بالإشارة إلى لقاء جمع محمد علي بالرحالة جون لويس بوركهارت في الطائف عام 1814، خلال حملات الحجاز، وتوقف عند أسئلة الوالي عن الطرق المؤدية إلى سنار، والقوات اللازمة لإخضاعها، وما يمكن الحصول عليه من ذهب ورقيق وموارد أخرى. وبيّن أنّ هذا الحوار يكشف حضور السودان مشروعًا مؤجلًا للغزو في أثناء الانشغال بالحجاز، ويُظهر تداخل المعرفة التي جمعها الرحالة مع تصورات الحكم والتوسع.
وفي تناوله الأدبيات التاريخية، ناقش الباحث أعمال ألبرت حوراني ووجيه كوثراني وخالد فهمي، مميزًا بين مقاربات درست مشروع محمد علي في سياق علاقة ولاة الأطراف بالمركز العثماني، وأخرى فحصت بناء أجهزته الحديثة داخل مصر، ولا سيما الجيش والطب والقانون. ورأى أنّ قراءة المشروع من تخومه تتيح استكشاف جوانب تُغفلها المقاربات المتمركزة حول مصر أو المنشغلة بمشروعية الحكم داخل النظام العثماني، ولا سيما ما يتعلق باختلاف خبرات المناطق التي امتد إليها.
وعرّف الباحث "التخوم" بأنها مفهوم يجمع بين تصورات تراتبية للمجتمعات والنظر إلى أراضيها من حيث هي مجال للاستحواذ على الموارد، وأوضح أنّ خطاب التوسع يضع سكان هذه المناطق في مرتبة حضارية أدنى، ويقدّم إخضاعهم بوصفه سبيلًا لإلحاقهم بالمدنية، في حين يصوّر الأرض مخزونًا للثروات المتاحة للامتلاك.
اعتمد الباحث، في تتبّع هذه التصورات، على تحليل مكاتبات محمد علي ووثائقه المتعلقة بالحجاز والسودان، وقراءة نقدية لعيِّنة من أدب الرحلات في الحجاز ووادي النيل. وتوقف عند موقع حملات الحجاز في إعادة تشكيل علاقة محمد علي بالسلطنة العثمانية، موضحًا أنّ تكليفه بالحملة أتاح له إدراك اختلال موازين القوة مع المركز، ورأى أنّ مكانة الحرمين الشريفين بوصفها مصدرًا للمشروعية، وما حققه من انتصارات وقدّمه من خدمات للسلطان، من بين العوامل التي أسهمت في تعزيز قدرته على التفاوض. وربط ذلك بإعداد شروط التوسع من الناحية المادية؛ من خلال تطوير الأسطول، والسيطرة على الموانئ والمسارات البحرية، وإعادة تنظيم الجمارك، وتثبيت مصر مركزًا للمشروع.
وفي قراءة الباحث المراسلاتِ الرسميةَ، تناول بناء صورة سكان الحجاز ضِمن مسمَّى "العربان"، ومقابلتهم بالجيش المنظم، وتصوير مقاومتهم بوصفها تشتتًا وتمردًا. وأشار إلى أنّ الوقائع الواردة في الوثائق نفسها تكشف أشكالًا من التنظيم، مثل قطع خطوط الإمداد وفرض الحصار. وتتبَّع، في مقابل ذلك، اختلاف التصنيفات الاجتماعية في سنار وجنوبها، واشتداد حضور الاسترقاق في المكاتبات، مفترضًا أنّ توجيهات جلب الرقيق والبحث عن الذهب تُظهر المنطق الاستخراجي بشأن التوسع، بما يشمله من استيلاءٍ على البشر والموارد في خدمة المشروع.
وتناول الباحث، أيضًا، دور الرحلات في إنتاج معرفة تمهّد للسيطرة، من خلال وصف الأراضي وتصنيف سكانها ورسم الخرائط وإعادة تسمية المواقع. وتوقف عند حضور النموذج الأميركي في تصورات محمد علي وبعض نخب مشروعه، وتصوير أجزاء من أفريقيا بوصفها أراضي خصبة وخالية قابلة للاستثمار والامتلاك. وبيّن أنّ أهمية هذه الصور تتضح من خلال أثرها في توجيه التوسع، وصلتها بإلحاق المناطق الخاضعة للحكم بالاقتصاد السياسي الرأسمالي العالمي.
وشدّد الباحث على أنّ العلاقة بين حملات الحجاز وغزو سنار تتشكل عبر لحظات مترابطة ومتفاوتة، تتداخل مع بناء أجهزة السلطة في مصر، ولا تتّبع مسارًا خطيًّا واحدًا. وأشار إلى ما تُتيحه هذه القراءة من إمكانات لدراسة التاريخ من خلال خبرات السكان الذين تعرضوا للغزو، وفحص تنظيماتهم ومقاومتهم، ومراجعة الصور المتجانسة التي رسمها لهم الخطاب الرسمي.
في إثر المحاضرة، جرى نقاش تناول مفهوم الحداثة، ومعايير التمييز بين الغزو الحديث والتوسعات الإمبراطورية السابقة، ومصادر مخيال التوسع، ودور طموحات محمد علي الشخصية، وعلاقات سنار السابقة بمصر والدولة العثمانية. وأوضح الباحث أنّه يربط خصوصية الغزو الحديث بإنتاج التصنيفات عبر أجهزة الحكم، وبالتوافق مع التوسع الرأسمالي، وأن المخيال الذي يدرسه تشترك في إنتاجه جماعة الحكم، وقادة الجيوش، والقناصل الرحالة. وأكد أن تتبع انتقال هذه التصورات إلى الممارسات اليومية لأجهزة السلطة، واختلاف تطبيقها بين المناطق، من بين المسائل التي تحتاج إلى توسيع المادة البحثية.