استضافت وحدة الدراسات الإيرانية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوم الإثنين 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، روزبه بارسي، المحاضر الأول المساعد في جامعة لوند في السويد، الذي ألقى محاضرة بعنوان "هل تبخّر كل ما كان صلبًا؟ الجمهورية الإسلامية في مأزق"، تناولت المسار السياسي الراهن للجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال مفاهيم الشرعية والسلطة والمصلحة، وتأملت المأزق الذي تواجهه ضمن السياق الأوسع لتعاملها مع الحداثة على مدى أكثر من قرن.

انطلق بارسي من الإشارة إلى أطروحة كارل ماركس وفريدريك إنجلز التي ترى أن الحداثة تذيب الروابط القديمة الصلبة، مؤكدًا أن الدولة الإيرانية دارت تاريخيًا حول ثلاث ركائز، هي الله والدولة والشعب، في حين حاولت الجمهورية الإسلامية التوفيق بين منطق السلطة الإلهية والشرعية الشعبية، مضيفًا أنها "تحاول الجمع بين الشرعية الدينية والفكرة الحديثة عن الشرعية الجمهورية؛ أي بين التصويت الشعبي، والادعاء في الوقت ذاته بوجود شرعية إلهية تدعم النظام بأكمله. وقد صمدت تجربة هذا النظام أطول مما توقّعه معظم الناس". وتابع أن هذا الدمج أدى إلى ما وصفه بـ "بطء الاستجابة"؛ أي تفضيل التوافق والسيطرة على حساب التكيّف والمرونة، ما ينعكس في النهاية على تخبّط القرار السياسي للجمهورية. وأوضح أن "الدولة الإيرانية بطيئة جدًا في استيعاب قراراتها ومراجعتها، لأن هناك مجموعات عديدة يجب إرضاؤها عند أيّ تغيير في الاتجاه، حيث تتحوّل البراغماتية إلى نمط من ’التخبط‘ يعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة". ومع مرور الوقت، أضعف هذا النهج المكانة الاجتماعية للدين وثقة الجمهور بتوجهات الدول.

عقد بارسي مقارنة بين نهج قيادة مؤسس الثورة الإسلامية، آية الله روح الله الخميني، الحاسمة، ونهج خلفه، آية الله علي خامنئي، الأكثر حذرًا. فقد اتخذ الخميني قرارات حاسمة، مثل تأكيد سلطة الدولة على التعددية الفقهية عام 1987، وقبول وقف إطلاق النار في الحرب الإيرانية - العراقية عام 1988، وإصدار أوامر بإعدامات جماعية ساهمت في ترسيخ سلطته، لكنها عمّقت الانقسامات الأخلاقية والسياسية. في حين حكم خامنئي من خلال السيطرة من دون رؤية واضحة، مع تمكين التيارات المحافظة الأكثر تشددًا، مشيرًا إلى أن قراره قمع الحراك الداخلي، خاصة أحداث الثورة الخضراء عام 2009، عمّق الفجوة بين مجتمع ما بعد الثورة ودولة لا تقدّم سوى تنازلات تكتيكية، باعتبار أن الإيرانيين اليوم يتطلعون إلى حلول مستدامة واستراتيجية، وليس قرارات تكتيكية مؤقتة، مثل تلك المتعلقة بارتداء الحجاب للنساء.

في الختام أكّد بارسي أن شلل القرار السياسي في الجمهورية الإسلامية ينبع من إحجام متجذر عن خوض المخاطر السياسية، لا سيما في مجالات الإصلاح والتسوية وتمكين الشعب والثقة به.