​​​​محاضرة: الخليج العربي فضاءً واحدًا ذا قدرة كامنة على التكاملاستضافت وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مساء الإثنين 14 أيلول/ سبتمبر 2026، الأستاذة المساعدة المتخصصة في دراسات الخليج بجامعة قطر آمنة عبد الله صادق؛ وذلك في إطار المحاضرة الأولى للوحدة، ضِمن برنامج محاضراتها الشهرية للعام الأكاديمي 2026-2027.

كان عنوان المحاضرة هو "الخليج العربي فضاءً واحدًا: آليات التشكل التاريخي: من الدول المتجاورة إلى ’مجلس التعاون‘"، وقد أدارتها الباحثة في الوحدة العنود آل خليفة.

الاندماج الخليجي الإقليمي

عرضت الباحثة، في مستهل محاضرتها، موقع الدراسات الإقليمية في حقل دراسات الخليج، مقترحةً الانتقال من النظر إلى الخليج بوصفه إطارًا جغرافيًا ثابتًا إلى فهمه من حيث هو مسارٌ إقليميٌّ حيٌّ ومتجدد، وأوضحت أنّ انصهار الهويات الوطنية في هوية خليجية هو عملية ديناميكية ومتغيرة، لا تسير دائمًا في اتجاه الاندماج، بل قد تتجه أحيانًا إلى التفكك في بعض المجالات السياسية والاقتصادية. 

وانطلقت الباحثة من ملاحظة حالة عدم الرضا تجاه مسار الاندماج المؤسسي الخليجي، ممثلًا بـ "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، الذي أُنشئ في عام 1981، والذي توصف تجربته، في كثير من الأحيان، بالجمود وعدم الفاعلية. ووصفت هذه الحالة بأنّها ركود ممتد في المؤسسة، يقابله شعور عام بوجود إمكانية كامنة في جوهر المنطقة مفادها أنه يمكنها، في ظروف معينة، أن تتحول إلى مسار إقليمي مستقل وفاعل. 

وفي هذا السياق، طرحت الباحثة ثلاثة أسئلة رئيسة، هي: ما الذي يجعل هذه الإمكانية الكامنة قائمة على الرغم من مرور عقود على تأسيس مجلس التعاون؟ وما الذي يمنعها من التحول إلى واقع إقليمي؟ وفيم تتمثّل محركات القدرة الكامنة بالنسبة إلى المجلس؟ وقد اعتمدت الباحثة في مقاربة هذه الأسئلة على مجموعة متنوعة من المصادر، شملت الصحف، والمنشورات المحلية، والدراسات، فضلًا عن الأرشيفَين الأهلي والحكومي. 

عرّفت الباحثة "الاندماج الإقليمي" استنادًا إلى المفهوم الذي وضعه عالم السياسة الأميركي جوزيف ناي، في عام 1968، لوصف العمل الإقليمي بوصفه مسارًا يهدف إلى دمج أجزاء مختلفة في إطار واحد، أو إيجاد حالة من الاعتماد المتبادل بينها. وينقسم هذا المسار، وفقًا لهذا التعريف، إلى ثلاثة أشكال رئيسة، هي: التكامل الاقتصادي المتمثل في نشاط اقتصادي عابر للحدود، والتكامل الاجتماعي القائم على وجود مجتمع عابر للحدود، والتكامل السياسي الذي يُبنى على تشابك علاقات الاعتماد المتبادل عبر تلك الحدود. 

وبيّنت الباحثة أنّ عملية التكامل الإقليمي تتضمن عنصرَين مترابطَين: أوّلهما ذوبان بعض الأجزاء في وحدة كبرى. أمّا ثانيهما، فيتمثل الآخر في وجود شكل التبادل والتعاون والاعتمادية بين الأجزاء المكوّنة لهذه الوحدة. وأشارت إلى أنّ البحث في هذه العملية يكتسب أهميته من القول إن جذور مجلس التعاون تعود، في جانب منها، إلى شعور أبناء المنطقة بانتمائهم إلى الخليج بوصفه مسطحًا مائيًّا وفضاءً مشتركًا. 

المسارات التاريخية لتشكّل "الخليج العربي"

تتبّعت الباحثة المسارات التاريخية التي أسهمت في تشكّل هذا الفضاء، موضحةً وجود مسارٍ اجتماعي - اقتصادي سبق نشأة الدولة الحديثة، فضلًا عن مسار تجسّد في شبكات التجارة والغوص على اللؤلؤ، بما انطوت عليه من تقسيم دقيق للعمل وتبادل للمنافع، وإن شهدت بعض صور الاستغلال أيضًا. وأوضحت الباحثة أنّ التجارة واللؤلؤ نشأت بينهما "عملية تغذية متبادلة" في كِلا الاتجاهَين، أسهمت في بناء روابط اقتصادية واجتماعية عابرة للحدود، وأنّ هذه الشبكات قد تعرّضت للانهيار بعد الحرب العالمية الثانية وظهور اللؤلؤ الصناعي؛ ما أدى إلى توقف الاقتصاد التقليدي في الخليج وجفاف منابع الاعتماد المتبادل. وبعد اكتشاف النفط، أعادت العلاقات العابرة للحدود تنظيم نفسها بما يتوافق مع نشوء الدولة الوطنية، وبدأت تظهر مشاريع إقليمية غير حكومية هدفت إلى إعادة بناء الاقتصاد العابر للحدود. ومن أبرز هذه المشاريع، بحسب الباحثة، اتحاد الغرف الخليجية الذي مثّل أولَ إطارٍ يجمع تجار المنطقة. وقد ظهرت نواته بصفة شبه رسمية في عام 1969، بدعوة من البحرين ومشاركة عدد من إمارات الخليج، ثم تطور عام 1976 إلى مؤتمر للتنمية الاقتصادية، بمشاركة غرفتَي الكويت والسعودية. وفي عام 1979، أُعلن رسميًّا تأسيس اتحاد الغرف الخليجية. وفي عام 1990، خرج العراق من هذا الاتحاد. وينطبق المسار نفسه، من منظور الباحثة، على البنوك والشركات المشتركة، التي ظهرت في المنطقة قبل تأسيس مجلس التعاون، والتي سعت جميعها إلى إعادة بناء أنماط الاقتصاد العابر للحدود. 

وتناولت الباحثة شكلًا آخر من أشكال الاعتماد المتبادل، تمثّل في النظام الإداري العابر للحدود، الذي أنشأته بريطانيا وفقًا لنمط إمبريالي كولونيالي كلاسيكي. ومن ثم، أسهمت في رسم إقليم إداري خليجي يعكس تصورًا لفضاءٍ إقليميٍّ عام، ثم بدأت، في مراحل متأخرة، تَفْرض تصورًا محددًا لشكل المنطقة. 

وأشارت الباحثة إلى أنّ الصحف، ولا سيما العربية منها، بدأت منذ منتصف عام 1939، تتحدث عن مشروع فدرالي بريطاني في الخليج يجمع الكويت والبحرين وقطر وأبوظبي ودبي. وتحول هذا التصور لاحقًا، بالتزامن مع إعلان الانسحاب البريطاني، إلى مشروع الاتحاد الاتساعي عام 1968. إلا أن هذا التنظيم كانت تغلب عليه خدمة المصالح البريطانية على نحو أكثر من خدمة بُعده الوحدوي. وبعد الانسحاب، استمر تشكيل المنطقة من خلال عملية إقليمية موجهة من الخارج، سواء كان ذلك ضمن العلاقات الدولية والنظام الدولي الأوسع، أو عبر مراكز بحثية خارجية نظرت إلى الخليج بوصفه إطارًا إداريًّا أو استراتيجيًّا يمكن التحكم فيه. 

وضمن هذا المسار أيضًا، تناولت الباحثة الاهتمام العراقي بإمارات الخليج في سبعينيات القرن العشرين؛ إذ كان العراق ينظر إليها بوصفها "جدار صدّ" في مواجهة التوسع الإيراني ومحاولات فرض الهوية الإيرانية على الخليج آنذاك. 

أمّا البعد الثالث في تشكّل الخليج إقليميًا، فيتمثل في دور النخب الثقافية التي صاغت تصورًا مبكرًا للخليج بوصفه مجتمعًا متماسكًا وفضاءً مشتركًا. ومن خلال هذا التصور، بدأ الحديث عن وجود قوة كامنة في الخليج وعن المنطقة بوصفها مصدرًا لهوية وروابط تتجاوز حدود الدول. 

وقد أسهمت حركات التحرر، أيضًا، في صناعة مجتمع عابر للحدود، سواء منها الحركات التي سعت إلى التخلص من الوجود البريطاني، أو التي كانت لديها مطالب سياسية واجتماعية أخرى. وقد حافظت هذه الحركات على التواصل بين أبناء المنطقة، وإن ارتبطت بأبعاد أيديولوجية في أغلب الأحيان. وبعد اكتشاف النفط، أعادت النخب الثقافية تموضعها حول فكرة "المجتمع الخليجي"، من خلال مراكز البحوث في الجامعات ودور النشر ومؤسسات المجتمع المدني. 

المسار المؤسسي لتشكيل "مجلس التعاون"

آمنة عبد الله صادقفي مقابل هذه المسارات، التي أسهمت في تشكيل الخليج من أسفل إلى أعلى، برز مسار مؤسسي واضح شكّل اللبنة الأولى في اتجاه تأسيس مجلس التعاون. وقد لفتت الباحثة الانتباه إلى أنّ الأفكار المبكرة بشأن الوحدة الخليجية انطلقت من تجربة منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، التي منحت دول المنطقة قوة تفاوضية في أسواق النفط. وقد أسهم ذلك في ظهور مبادرة كويتية مبنيّة على السؤال الآتي: إذا كانت دول الخليج تمتلك قوة تفاوضية في أسواق النفط، فلماذا لا تتحول أيضًا إلى قوة تفاوضية في أسواق الاستيراد؛ ومن ثمّ تُنشئ منطقة للتجارة الحرة لا تتحكم فيها قيود العملة الصعبة؟ وتطورت هذه المبادرة في وقت لاحق لتصبح أقرب إلى فكرة الاتحاد الأوروبي، وقد حظيت بدعمٍ من النخب الثقافية في المنطقة. 

وفي سياق المبادرة الكويتية، بيّنت الباحثة أن المصادر تشير إلى مبادرة عُمانية تمثلت في اجتماعٍ لوزراء خارجية دول الخليج، عام 1976، كان قد دعا إليه السلطان قابوس بن سعيد. وعلى الرغم من أنّ المبادرة لم تتقدم كثيرًا في ذلك الوقت، فإن اجتماعات خليجية لاحقة على مستوى وزراء الخارجية انتهت إلى الإعلان عن تأسيس مجلس التعاون. 

وأظهرت الباحثة أنّ النقاشات التي سبقت عملية التأسيس قد شُغلت بتحديد المسار الأنسب المتمثل في السؤال التالي: أَيَقود التكامل الاقتصادي إلى تكامل سياسي أم ينبغي أن يبدأ التكامل من المجال السياسي؟ وقد تبنَّت الكويت تصورًا يمنح الاقتصادَ الأولويةَ، في حين ركزت عُمان على إنشاء منظومة أمنيّة. أمّا السعودية، فاستندت في هذا الشأن إلى فكرة "كل شيء لكل شخص"، ولم تربط تصوّرها بهدف محدّد؛ ما جعله تصورًا أقرب إلى تطلعات عدد من الحكومات في تلك المرحلة. وفسّرت الباحثة ذلك بأن دول الخليج كانت تعيش آنذاك مرحلة طفرة، وبأن المشاريع التنموية والمؤسسات الحكومية كانت في طور البناء، إضافةً إلى أن كل دولة كانت تعمل على بلورة تصورها الخاص بها، وفقًا لما ينبغي أن تكون عليه، في وقت لم تكن فيه علاقتها بالمجتمع قد استقرت على نحو نهائي. ولذلك، احتاجت هذه الدول إلى إطار "فضفاض" للتعاون، بدلًا من إطار مؤسسي يفرض عليها قيودًا صارمة. ومع ذلك، نجح التصور الكويتي نسبيًّا، وكانت الاتفاقية الاقتصادية أوّلَ اتفاقية يوقعها المجلس. 

وبعد تأسيس مجلس التعاون، ظهرت منشورات تشرح للمثقفين والجمهور أسباب تأسيسه. وقد جرى التركيز في تقديم المجلس على أنه تطوّر طبيعي لتاريخ المنطقة، وأنه الشكل الأقرب إلى تطلعات أبنائها، والمتوقع من دولها في تلك المرحلة. غير أنّ مراجعة الصحف والتقارير والمقابلات التي تناولت ردود الفعل على تأسيس المجلس تكشف، وفقًا لما عرضته الباحثة، عن وجود توجس لدى قطاعات من النخب الثقافية، وعدم حماستها لظهور التنظيم الخليجي الجديد.

خلصت المحاضرة إلى وجود مفارقة تتمث​ل في الانفصال بين مسارَين إقليميَّين لا يزالان قائمَين من دون أن يلتقيا: مسار مجتمعي واقتصادي وثقافي تشكّل من أسفل إلى أعلى، ومسار مؤسسي رسمي تشكّل من أعلى إلى أسفل. وفي كثير من الحالات، لم تُصمَّم السياسات من أجل أن تكون متوافقة مع الواقع الإقليمي القائم، بل إنها صيغت وفقًا لتصورات مثالية؛ ما أدى إلى استمرار هذين المسارَين المتوازيَين اللذين لا يلتقيان على نحو كامل في عملية التعاون والتوافق الإقليمي. 

أكدت الباحثة آمنة صادق، في إجابتها عن السؤال الرئيس للمحاضرة، أنّ الخليج يمتلك فعلًا قدرة إقليمية كامنة، تحركها عوامل مجتمعية واقتصادية وإدارية متجذرة تاريخيًّا. لكنّ هذه القدرة ما زالت عاجزة عن التطور إلى عمل إقليمي رسمي وفاعل، وهو ما يفسر استمرار الفجوة بين الإمكانات المتوافرة في المنطقة من جهة، وواقع الاندماج المؤسسي الخليجي من جهة أخرى. 

وقد شهدت المحاضرة إقبالًا وتفاعلًا واسعَين، وطرح عددٌ من الحضور أسئلةً ذات صلة بعدّة محاور ممّا تناولته الباحثة؛ من قبيل كون الخليج العربي مجالًا جغرافيًا واحدًا، وتردُّد النخبة الخليجية بشأن التعاون الخليجي، والاتحاد الكونفدرالي، ودور العامل الاقتصادي في تأسيس الخليج، والتعامل مع الخليج بوصفه مسألة أيديولوجية من جانب جمهوريات المشرق القومية، والتعدد الهوياتي في ظل التعاون الخليجي.