استضافت وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مساء الإثنين 8 أيلول/ سبتمبر 2025، الأكاديمي والباحث نادر كاظم، في المحاضرة الأولى ضمن برنامج محاضراتها الشهرية للعام الأكاديمي 2025-2026، والتي كانت بعنوان "سيرة البانيان: تاريخ الخليج من خلال جماعة تجارية هندية". وقد أدار المحاضرة رئيس الوحدة حيدر سعيد.

عرّف المحاضر، في مستهل حديثه، بـ "البانيان"، وهم جم​اعة هندية هندوسية سيطرت على تجارة الموانئ في الخليج قرونًا طويلة، من القرن العاشر الميلادي حتى منتصف القرن العشرين، حيث تراجعت إلى أن أصبحت جماعة صغيرة لا يتجاوز عددها المئات، ولكنها ما زالت مستقرة في مدن خليجية مثل المنامة ودبي وأبوظبي ومسقط ومطرح وسواها. وأوضح كاظم أنّ سيرة البانيان تعكس تقلبات التاريخ وتحوّل الأدوار في منطقة حوض الخليج بصورة درامية وتراجيدية.

وناقش صورة المهاجرين الهنود، والهند على نحو عام، في المخيال الخليجي، مبيّنًا أنّ هذه الصورة كانت راقية في الماضي، غير أنها بدأت تتغيّر بعد اكتشاف النفط وصعود العمالة الهندية الجديدة، وعمادها الطبقة العاملة من ذوي الدخل المحدود وليس من البانيان.

ومرّ كاظم على جذور العلاقات التجارية بين الخليج والهند، مشيرًا إلى أنّها تعود إلى الألفَين الثالث والرابع قبل الميلاد، واستمرت قوية خلال العصور الإسلامية الأولى. وكان تأثير الهند كبيرًا في اللغة العربية، كما في الثقافة وعناصرها، من ملبس ومأكل وطرز معمارية، وسوى ذلك. وبيّن أنّ تسمية "البانيان" مشتقة من أصول كجراتية وسنسكريتية، وتعني "تاجر"، وهي تخص جماعتين أساسيتين تعودان إلى جماعة الباتيا، استقرتا في مسقط والبحرين.

وينقسم البانيان، من حيث أصل المكان الذي جاؤوا منه، إلى جماعتين: الجماعة الأولى تأتي من منطقة كوتش بولاية كجرات، ولا تزال موجودة في مسقط إلى اليوم وتسيطر على تجارتها. أمّا الجماعة الأخرى فترجع إلى بلدة تاتا في باكستان، وقد استقرت في البحرين، ومنهم من انتقل إلى دبي في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته.

ثم استعرض المحاضر التحولات الجغرافية لتجارة الخليج عبر القرون، بدءًا من البصرة، مرورًا بسيراف وكيش وهرمز وبندر عباس، وصولًا إلى مسقط التي أصبحت المركز الرئيس بنهاية الدولة الصفوية. وأوضح أنّ عام 1863 كان محطة مفصلية في تاريخ البانيان في مسقط، حيث تعرضوا لمضايقات دفعت كثيرًا منهم إلى الهجرة، ليتحوّل المركز بعد ذلك إلى المنامة.

وفي حين لم يتعرّض بانيان مسقط لأزمات كثيرة بعد عام 1868، أوضح كاظم أنّ بانيان البحرين شهدوا منعطفًا تراجيديًا بعد تقسيم الهند عام 1947، إذ هاجر عدد كبير منهم إلى البحرين بحثًا عن وطن بديل، ما أدى إلى تضاعف عددهم. أما دورُهم في الخليج، على نحو عام، فقد تراجع مع ازدياد المنافسة التجارية، وانهيار تجارة اللؤلؤ، وتنامي تفضيل العنصر المحلي العربي، ثم جاء استقلال الهند ليشكّل منعطفًا حاسمًا جعلهم يفقدون الدعم البريطاني ويتحوّلون إلى أقلية تجارية ضمن مشهدٍ أوسع.

وفي الختام، أكّد كاظم أنّ السؤال الجوهري يتمثل في اللحظة التي بدأت فيها قوة هذه الجماعة في التراجع بعد ذلك النفوذ التجاري، موضحًا أنّ العوامل متشابهة بين البحرين ومسقط، وإن اختلف السياق. ومع ذلك، فإنّ حضور البانيان يبقى شاهدًا على عمق التنوّع في مدن الخليج الساحلية.

شهدت المحاضرة إقبالًا وتفاعلًا واسعَين، وقد طرح عددٌ من الحضور أسئلة ذات صلة بمحاور عدّة مما تناوله المحاضر، من قبيل طبيعة تفاعل الجماعة مع المجتمع المحلي، ومع التطورات السياسية في المنطقة، وفي صدارتها التمدد الاستعماري، وتشكّل المشيخات والسلطة في مناطق الخليج المختلفة، وارتباط صعود هذه الجماعة وتراجعها بالحماية والغطاء البريطانيَين، ووعيهم السياسي، واستعمال البانيان بوصفهم جماعات وظيفية، ودورهم في قطر في عهد الشيخ المؤسس جاسم بن محمد آل ثاني (1826-1913)، وابنه الشيخ عبد الله (1913-1957)، ومنافسة تجار طائفة البهرة في البحرين للبانيان، ونشاط البانيان في الوقت الحالي، وما إلى ذلك من أسئلة.