بدون عنوان

انطلقت، يوم الاثنين 22 ديسمبر 2025، في الدوحة، أعمال مؤتمر "الذكاء الاصطناعي وخصائص اللغة العربية"، الذي ينظّمه معجم الدوحة التاريخي للغة العربية بالتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وذلك عقب اختتام حفل اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية. وبدأت الجلسات العلمية عند الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا، بمشاركة نخبة من الباحثين واللسانيين والمتخصصين في الذكاء الاصطناعي والمعالجة الآلية للغة العربية من جامعات ومراكز بحثية عربية ودولية، وتواصلت أعمال المؤتمر على امتداد اليوم عبر جلسات علمية متتابعة ومتوازية، قبل أن تُختتم أعمال اليوم الأول في الساعة السادسة مساءً.

ويأتي هذا المؤتمر في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها مجال الذكاء الاصطناعي، وما يثيره من أسئلة علمية ومنهجية تتعلّق بمكانة اللغة العربية في النماذج اللغوية المعاصرة، وبمدى قدرة هذه النماذج على تمثيل خصائصها اللسانية والدلالية والثقافية تمثيلًا دقيقًا.

استُهلّت أعمال اليوم الأول بجلسة افتتاحية ترأسها عبد المنعم حرفان، خُصّصت لتأطير الإشكاليات الكبرى التي يتناولها المؤتمر، وتسليط الضوء على أهمية الربط بين البحث اللساني العربي وتطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في ظل الحاجة المتزايدة إلى موارد لغوية موثوقة تُسهم في تطوير النماذج اللغوية العربية.

أعقب الجلسة الافتتاحية جلسة خاصة بمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، ترأسها عبد العلي الودغيري، وركّزت مداخلاتها على الأسس اللسانية والمعرفية التي يقوم عليها المعجم، وعلى إسهاماته في إعادة بناء الفهم التاريخي للمعنى واللفظ في العربية.

وقدّم عبد الكريم جبل مداخلة تناول فيها فقه الدلالة وتحولات المعنى، مبرزًا دور الشاهد التاريخي في نقض عدد من الأوهام الشائعة في الفهم اللغوي. كما ناقش محمد الخطيب بنية الشاهد ومنهج التوثيق، مسلطًا الضوء على المعايير المعتمدة في صيانة النصوص داخل المعجم. وتناول رشيد بلحبيب قضايا الإحياء والتفصيح في ضوء معطيات المعجم، في حين قدّم حسن حمزة قراءة مقارنة بين معجم الدوحة والمعجم الفرنسي التاريخي من حيث منهج تأريخ اللغة.

وشهد اليوم الأول انعقاد الجلسة الأولى بعنوان "بيانات معجم الدوحة التاريخي للغة العربية في خدمة الذكاء الاصطناعي"، برئاسة محمد محمود أحمد محجوب، حيث ناقشت الجلسة إمكانات توظيف البيانات المعجمية التاريخية في تطوير التطبيقات الذكية والنماذج اللغوية العربية.

وتناول عزّ الدين البوشيخي، ومحمد بباه، ويحيى الحاج، ومحمد رقاس دور بيانات المعجم موردًا لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي العربي. كما قدّم محمد العبيدي مداخلة حول تعزيز المحتوى الرقمي العربي بالموارد المعجمية في عصر الذكاء الاصطناعي، متخذًا من معجم الدوحة نموذجًا. وناقش سامر الرشواني مع سمية الطنبولي تطوير خادم للذكاء الاصطناعي معزّز ببيانات المعجم لفهم أدق للنصوص القرآنية والحديث النبوي. في حين عرض أمين بن نجي وحسن كيسان دراسة تقييمية للمعرفة المعجمية في النماذج اللغوية العربية في ضوء بيانات المعجم.

وفي الفترة المسائية، عُقدت جلسات موازية، من بينها الجلسة الثانية بعنوان "الخصائص اللسانية للعربية وعلاقتها بالنمذجة الآلية"، برئاسة مهدي عرار. وتناولت مداخلاتها العلاقة بين البنية اللغوية العربية والنماذج الحاسوبية، حيث ناقش محمد غاليم الإطار المعرفي للذكاء الاصطناعي وخصائص العربية، وتطرّق محمد أمين إلى الخصائص التركيبية ومعالجتها آليًا. كما تناول محمد ابن سفاج أثر العدول عن الرتبة الأصلية للكلمة في عمليات التشكيل الآلي.

بالتوازي، انعقدت الجلسة الثالثةبعنوان "تطبيقات عربية في أداء نماذج الذكاء الاصطناعي"، برئاسة محمد رقاس، حيث ركّزت أوراقها على تقييم أداء النماذج اللغوية في معالجة العربية بمستوياتها المختلفة.

وقدّمت لمياء هدريش بلغيث دراسة حول تحليل الآراء في العربية الدارجة، بينما تناول سليمان بن سالم الشهري أداء النماذج التوليدية في تمثيل الأمثال الشعبية الخليجية. كما ناقش نصر الدين مزاري أثر الثنائية اللغوية (الفصحى والعامية) في فهم العربية لدى النماذج الذكية، وقدّم عبد الحميد صبار دراسة تجريبية في تحليل المشاعر للهجات العربية.

تميّزت جلسات اليوم الأول بنقاشات علمية معمّقة، عكست تنوّع المقاربات بين اللسانيات النظرية واللسانيات الحاسوبية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وأبرزت الحاجة إلى تعزيز التكامل بين الباحثين في اللغة العربية ومطوّري النماذج الذكية، بما يضمن تمثيلًا أدق لخصائص العربية في النظم الحاسوبية المعاصرة.

وقد عكست المداخلات والأسئلة المطروحة اهتمامًا واضحًا بتعزيز التكامل بين البحث اللساني العربي والتطوير الحاسوبي، والتأكيد على أن بناء ذكاء اصطناعي عربي فعّال يقتضي توفير موارد لغوية تاريخية موثوقة، وفهمًا عميقًا للبنية اللسانية العربية، واستثمار البحث العلمي في صياغة مقاربات تراعي الخصوصيات اللغوية والثقافية، وتسهم في توسيع حضور العربية في مجالات البحث والتطوير المعاصر.

ومن المقرّر أن تتواصل أعمال المؤتمر في يومه الثاني، بمناقشة المحاولات العربية في بناء النماذج اللغوية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم والترجمة، والسياقات الثقافية والمعرفية للنماذج الذكية.