تحليل سياسات 21 يونيو ، 2015

المسألة السورية: التطورات الميدانية وعودة الاهتمام السياسي

الكلمات المفتاحية

حازم نهّار

يعمل الدكتور حازم نهّار باحثًا في وحدة الدراسات السورية المعاصرة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهو طبيب، حائز على شهادة اختصاص في الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل من جامعة دمشق عام 2001، وله عدد من المؤلفات الطبية، منها المخدرات وأثرها الطبي والنفسي على صحة الفرد والمجتمع (2006).  وهو كاتب في الشؤون السياسية والثقافية، وينشر في العديد من الصحف والمجلات العربية، ورئيس تحرير مجلة المشكاة التي تعنى بدراسات حقوق الإنسان.
من مؤلفاته الفكرية السياسية: مسارات السلطة والمعارضة في سورية (2009)، وله أيضاً أكثر من عشرة كتب مترجمة، منها: سورية: الاقتراع أم الرصاص، سورية: ثورة من فوق، بدايات العالم، الاقتصاد السياسي تحت حكم حافظ الأسد، بناء سنغافورة.

مدخل

كانت الأشهر الأربعة الماضية حافلةً بالمتغيرات الميدانية والسياسية في سوريّة، فقد حقّقت فصائل المعارضة العسكرية سلسلةً من المكاسب والإنجازات الميدانية في شمال البلاد وجنوبها، والتي جاءت في سياق البيئة الإقليمية الجديدة بعد عملية "عاصفة الحزم"؛ ما أدى إلى إطلاق سلسلةٍ من التحركات السياسية المتنوعة في موسكو والقاهرة وجنيف وغيرها، ودفع نحو إعادة القضية السوريّة إلى الواجهة في لقاءات المسؤولين العرب والأجانب واجتماعاتهم.


أولًا: إنجازات المعارضة المسلحة وتأثيراتها


1. الواقع الميداني الجديد

قبل نحو أربعة أشهر كانت هناك صورة للواقع السوري مغايرة تمامًا لصورته اليوم؛ فقد توقع المحلّلون استمرار النظام السوري، وتحوّل الحرب لتكون باتجاه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، لكنّ عجلة الحوادث دارت، وتغيّرت معها أوضاع النظام والمعارضة وموازين القوى. ومع ذلك، تعود العلامات الأولى لتراجع قوات النظام إلى 15 كانون الأول/ ديسمبر 2014؛ ففي هذا اليوم، استولت جبهة النصرة وحركة أحرار الشام – وهما التنظيمان اللذان شكّلا جيش الفتح في ما بعد - على القاعدة العسكرية في وادي الضيف، إحدى النقاط الرئيسة للنظام في شمال البلاد.

وفي 28 آذار/ مارس 2015 أعلنت عدّة فصائل سوريّة تنسِّق مع بعضها باسم "جيش الفتح" عن طرد قوات النظام السوري من مدينة إدلب، وتبع ذلك في 25 نيسان/ أبريل إعلان تلك الفصائل عن إحكام قبضتها على مدينة جسر الشغور القريبة من مدينة إدلب، والواقعة على الخط الفاصل مع المناطق الساحلية، كما سيطر "جيش الفتح" على حاجز الفنار في محافظة إدلب، أكبر حواجز النظام في جبل الأربعين المطل على مدينة أريحا جنوب مدينة إدلب، وعلى قرية مصيبين، ومعسكر المسطومة، أكبر ثكنات النظام العسكرية في المحافظة، ثم سيطر على مستشفى جسر الشغور الذي كان يتحصن فيه أكثر من 250 ضابطًا وجنديًا من قوات النظام. وفي يوم 28 أيار/ مايو أطبق جيش الفتح سيطرته على مدينة أريحا، ولم يبق للنظام في محافظة إدلب سوى بعض النقاط العسكريّة، مثل مطار أبو الضهور في الريف الشرقي المحاصر من جانب "جبهة النصرة"، والموضوع خارج الخدمة منذ أشهر، وبلدتي الفوعة وكفريا المواليتين اللتين تحولتا إلى ثكنتين عسكريتين، وهما محاصرتان من جميع الجهات من جانب فصائل المعارضة المسلحة.

ومن المرجح، في المدى المنظور، بعد سيطرة المعارضة على محافظة إدلب بأكملها أن تتوقف المعارك عند حدود الساحل، فيما تستمر المعارك ضدّ قوات النظام في سهل الغاب في الوسط السوري.

أما مدينة حلب، فيبدو أنها تتجهّز لمعارك جديدة، ولا سيّما أنّ عدوى التجربة الناجحة لـ "جيش الفتح" قد انتقلت للفصائل العاملة هناك؛ إذ أُعلن عن تأسيس غرفة عمليات جديدة في محاولةٍ لتكرار تجربة إدلب عندما تسنح الأوضاع الإقليمية (مثل انتظار ما ستسفر عنه انعكاسات الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة). لكنّ معركة حلب ستكون أكثر صعوبة بحكم اتساع المدينة والثقل السكاني الموجود فيها، إضافة إلى إمكان دخول تنظيم "داعش" على خط المعارك العسكرية، الأمر الذي قد يرغم قوات المعارضة المسلحة على القتال على جبهتين؛ جبهة "داعش" وجبهة قوات النظام.

ولم تكن الجبهة الجنوبية أقل سخونة من الجبهة الشمالية؛ فقد خسر النظام هضبة الجولان في وقت سابق، وفي أواخر شباط/ فبراير - أوائل آذار/ مارس، أرسلت إيران قواتٍ إلى جنوب سورية لاستعادة المناطق الواقعة بيد فصائل المعارضة في درعا، ولكنّ قادتها العسكريين اضطروا للتخلّي عن هذا المشروع الذي انتهى بخسائر كبيرة لحزب الله وبما سُمي بـ "مجزرة الأفغان" الذين وُضعوا في الخط الأمامي للهجوم[1]، كما أفشلت فصائل المعارضة المسلحة حول مدينة درعا في 20 نيسان / أبريل هجومًا واسعًا لقوات النظام وحلفائه في حزب الله والحرس الثوري الإيراني، وفي 23 آذار/ مارس سيطرت على بصرى الشام، ثم معبر نصيبين، ليبدأ النظام مؤخرًا إخلاء المنشآت الحكومية في درعا.

وفي 9 حزيران / يونيو سيطرت فصائل المعارضة المسلحة، بعد إطلاقها لمعركة "القصاص"، على "اللواء 52" الذي يُعد خط الدفاع الأول عن القطعات العسكرية في مدينة إزرع الموجودة على الطريق الواصل بين درعا ودمشق، ويبعد عن مطار الثعلة العسكري نحو خمسة كيلومترات في الاتجاه الشمالي الغربي، وهو ثاني أكبر لواء في الجيش النظامي من حيث مساحته التي تصل إلى مئات الهكتارات، ولذا فهو من أهم القطع العسكرية في المنطقة الجنوبية.

وسيطر تنظيم "داعش" على مدينة تدمر الأثرية من جهة ريف حمص الشرقي في 21 أيار/ مايو، مستغلًا انهيار معنويات الجيش النظامي وتراجعه في مناطق عديدة من سورية، ما أدى إلى قطع خطوط إمداد قوات النظام عن محافظة دير الزور، ومحاصرة ريفي حمص وحماة من جهة الشرق والشمال الشرقي. وبعد ذلك مباشرة، سَقط آخر معبَر سوري مع العراق في أيدي "داعش" (التنف-الوليد)، ليفقد النظام القدرة على استيراد وتصدير البضائع الأساسية عبر الحدود، وليصبح ميناءا طرطوس واللاذقية المنفذين الوحيدين تحت سيطرة النظام لاستقبال حاجاته الأساسية، إضافة إلى المعابر مع لبنان.

ويخوض النظام أيضًا معارك شديدة في مدينتي حمص وحماة، وفي الأحياء الشمالية والشرقية لدمشق، إذ لا تزال غوطتا دمشق تشكلان طوقًا حولها على الرغم من الحصار والتجويع وإلقاء البراميل المتفجّرة والقصف المتواصل. أما في القلمون، فقد أعلن زعيم حزب الله، حسن نصر الله، عن معركة جديدة بهدف استعادة السيطرة على سلسلة الجبال الإستراتيجية على الحدود السورية - اللبنانية، وبحسب ما قاله صبحي الطفيلي، الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني: "إنّ إصرار الحزب على خوض معارك القلمون سببه خوف قيادة الحزب من انهيار نظام بشار الأسد في دمشق، فأرادت بالتالي أن تحصّن مواقعها في القلمون لقربه من قرى البقاع الشيعية"[2]. لكنّ "جيش الفتح في القلمون" - الذي يضم كلًا من "جبهة النصرة"، و"تجمع واعتصموا" (المؤلف من لواء الغرباء، ولواء نسور دمشق، وكتائب السيف العمري، وكتيبة رجال القلمون) وجيش القلمون (المؤلف من مجموعات الجيش الحر في المنطقة)، إضافة إلى حركة "أحرار الشام" الإسلامية - قام بصدّ الهجوم، وإلحاق خسائر كبيرة بقوات الحزب. ومع ذلك، يتوقع أن تشتد المعارك في جبهة القلمون خلال الفترة المقبلة في ظل إصرار حزب الله على السيطرة على جباله وتلاله.

على العموم، أصبحت الخريطة السورية موزّعة تقريبًا كالآتي: 50 في المئة من الأراضي يسيطر عليها "داعش" أو ساقطة عسكريًا في يده، وهي المناطق الداخلية الشمالية والشرقية، و20 في المئة تقع تحت سيطرة الفصائل السورية المعارضة والأكراد "قوات الحماية الكردية"، في الشمال والجنوب، فيما لا تزال 30 في المئة تحت سيطرة النظام، من حدود تركيا عند الساحل وصولًا إلى طرطوس، وامتدادًا إلى أجزاء من محافظات حلب وحماه وحمص حتى دمشق[3].



[1] عبد الوهاب بدرخان، "هل تخلت أميركا عن الأسد... وهل أوقفت إيران الحرب من أجله؟"، جريدة الحياة، 7 أيار/ مايو 2015، على الرابط: http://bit.ly/1EZhcen

[2] "الطفيلي: الحزب يخشى انهيار الأسد.. وحماية القرى الشيعية بالانسحاب من سوريا"، جريدة زمان الوصل الإلكترونية، 12 أيار/ مايو 2015، على الرابط: https://zamanalwsl.net/news/60660.html

[3] طوني عيسى، "الأسد باشر تنفيذ الخطة ب: المقايضة الكبرى بدأت"، جريدة الجمهورية اللبنانية، 25 أيار/ مايو 2015، على الرابط: http://www.aljoumhouria.com/news/index/234457