مقالات رأي 09 يوليو ، 2015

الولايات المتحدة وقرار المحكمة الدستورية العليا بتقنين زواج المثليين الجنسيين

الكلمات المفتاحية

عمرو عثمان

​يعمل د. عمرو عثمان أستاذًا مساعدًا بقسم العلوم الإنسانية بجامعة قطر. درس العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في القاهرة، ثم حصل على درجة الماجستير من جامعة سانت أندروز بإسكتلندا، ودرجة الدكتوراه من جامعة برنستون الأمريكية في التاريخ الإسلامي. تشمل اهتمامات الدكتور عثمان البحثية الدراسات الإسلامية بفروعها المختلفة والفكر العربي الحديث والمعاصر.

على الرغم من أنّ قرار المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة الأميركية الأخير المتعلق بإلزام جميع الولايات الأميركية الاعتراف بزواج المثليين الجنسيين قد مهّدت له سلسلة من الأحداث في العقود القليلة الماضية، فإنه شكل "زلزالًا" حقيقيًا في الولايات المتحدة، ليس في ما يتعلق بمضمونه فحسب، وإنما أيضًا بملابسات اتخاذ القرار ذاته داخل تلك المحكمة.

ففي 26 حزيران/ يونيو 2015، أصدرت المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة قرارًا يلزم جميع الولايات الأميركية الاعتراف بحق المثليين الجنسيين في الارتباط الزوجي بصورة قانونية، وبكل ما يستتبعه ذلك من التمتّع بجميع حقوق المتزوجين زواجًا "تقليديًا"؛ أي ذلك الرباط الدائم الذي يشكّل الرجل والمرأة طرفيه، واللذان يهدفان من خلال العلاقة الجنسية إلى إنشاء أسرة تنجب أطفالًا تستمر بهم الحياة. وكانت بعض الولايات الأميركية قد قنّنت بالفعل زواج المثليين قبل صدور القرار، بينما أصرّت ولايات أخرى على التمسّك بالتعريف "التقليدي" للزواج وعدم الاعتراف بزواج المثليين أو بحقهم في التمتّع بمزايا الأسر المكونة من رجل وامرأة.

ويتوّج قرار المحكمة مجموعةً من الإجراءات بدأت منذ نحو عشرين عامًا؛ ففي عام 1996، رُفعت دعوى في ولاية هاواي الأميركية لإجبار حكومة الولاية على الاعتراف بزواج المثليين. وإثر ذلك، تقدَّم عضوان جمهوريان (من ولايتي جورجيا وأوكلاهوما بوسط الولايات المتحدة) بمشروع قانون لـ "الدفاع عن الأسرة" من خلال إلزام الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات عدم الاعتراف بزواج المثليين حتى لو كان معترفًا به في الولايات التي ينتمي هؤلاء المثليون إليها. حظي المشروع بدعم كبير من النواب الجمهوريين والديمقراطيين على السواء في مجلسي النواب والشيوخ، ومن ثمّ قام الرئيس الأميركي بيل كلينتون المنتمي للحزب الديمقراطي بتوقيع مشروع القرار ليصبح قانونًا يشار إليه اختصارًا بـ "دوما" (DOMA: Defense Of Marriage Act).

وفي عام 2009، رُفعت دعوى ضد هذا القانون في ولاية ماساشوستس، وهي الولاية التي اعترفت بزواج المثليين عام 2004، ووصل الأمر إلى قيام الولاية نفسها برفع دعوى ضد وزارة الصحة الأميركية بوصف قانون "دوما" يجبر الولاية على انتهاك حقوق مواطنيها. وقد حدث الأمر نفسه في ولاية كاليفورنيا في عام 2010؛ إذ لم تتمكن الولاية بسبب القانون من منح التأمين الصحي لـ "زوجة" موظفة عامة. وفي العام نفسه، حكم قاضٍ بانتهاك قانون "دوما" للتعديل الخامس من الدستور الأميركي، لتتوالى الدعاوى ضد القانون في الوقت الذي ازدادت فيه الولايات الأميركية التي قنّنت زواج المثليين. وعندما أصبح باراك أوباما، المنتمي للحزب الديمقراطي أيضًا، رئيسًا، أعلنت إدارته عام 2011 أنها لن تستمر في الدفاع عن دستورية القانون، ليبدأ هنا الانقسام بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول القانون الذي سانده الحزب الأول وتخلى عنه الحزب الثاني.

في عام 2011، حكم قاضٍ فيدرالي آخر بعدم دستورية قانون "دوما"، لتدعم بعد ذلك محكمة الاستئناف هذا الرأي، وهو ما تكرر في حالات أخرى، ليصل الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا في عام 2012 بطلب من المدَّعين ووزارة العدل الأميركية على السواء. وتوالت على المحكمة الدستورية عشرات الرسائل التي تدعم المدعين، في الوقت الذي فجّر فيه الرئيس كلينتون نفسه مفاجأةً عندما أعلن ندمه على إقرار قانون "دوما" الذي اعتبره غير متوافق مع الدستور الأميركي. وفي 26 حزيران/ يونيو 2013، أعلنت المحكمة الدستورية العليا عدم دستورية القانون؛ ما يعني إلزام الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات الاعتراف بزواج المثليين أيًا كانت الولاية التي تم الزواج فيها، وبتمكين المتزوجين المثليين من التمتع بجميع حقوق المتزوجين الآخرين.

مهّدت كل هذه الأمور بوضوح لقرار المحكمة الدستورية الأخير بإلزام جميع الولايات الاعتراف بزواج المثليين الجنسيين في دعوى دعمت فيها إدارة أوباما المدّعين، ومن ثم سارع أوباما إلى تهنئة صاحب الدعوى. وعلى المستوى الثقافي الاجتماعي، يرى بعضهم أنّ القرار محصلة تغييرات كبيرة في نظرة الأميركيين إلى العلاقة بين الزواج والجنس والإنجاب، وهي العلاقة التي تقوم عليها مؤسسة الزواج التقليدية. فبحدوث "الثورة الجنسية" في ستينيات القرن العشرين، تم الفصل بين الجنس من ناحية والزواج والإنجاب من ناحية أخرى، إذ أصبح الإنجاب شيئًا اختياريًا يمكن التحكم فيه بفضل أقراص منع الحمل التي بدأ تدوالها عام 1960. أدى ذلك إلى زيادة مذهلة في حالات إقامة المرتبطين عاطفيًا في مسكنٍ واحد، بعد ما كان ذلك مقتصرًا تقريبًا على المتزوجين. كما كان لتسهيل إجراءات الطلاق بحيث لا يحتاج طالب الطلاق إلى إثبات خطأ الطرف الآخر أثر كبير في إضعاف مؤسسة الزواج في الولايات المتحدة التي بات يفضل عدد أكبر من سكانها العيش معًا على الزواج الرسمي.

لم يعد الزواج إذًا وسيلة لتقنين العلاقات الجنسية بهدف إنجاب أطفال بقدر ما أصبح مجرد تقنين لعاطفة تربط طرفين بهدف الحصول على مزايا من الدولة من خلال ذلك التقنين. في الوقت نفسه، كانت الجماعات المدافعة عن حقوق المثليين تسعى بشتى الطرق لـ "تطبيع" نظرة المجتمع للمثليين بحيث يمكن بعد ذلك تصوّر قبول المجتمع لفكرة أنّ الزواج قد يكون بين شخصين ينتميان للجنس نفسه. وقد ظهرت محاولات هذا التطبيع في كل وسائل الإعلام الأميركية، وتظهر بوضوح في كثير من الأفلام والمسلسلات التي أنتجت في الولايات المتحدة في العقود القليلة الماضية. كما سمحت كثير من الجامعات الأميركية لطلابها المثليين بإنشاء أندية طلابية خاصة بهم. وقد أصبح الجيش الأميركي أكثر تسامحًا مع المثليين الجنسيين منذ عام 1994 حين اتبعت إدارة كلينتون سياسة "لا تسأل، لا تبح" (don’t ask, don’t tell)، أي الامتناع عن سؤال المتقدمين للجيش عن ميولهم الجنسية والامتناع عن البوح بتلك الميول. ونتيجة لذلك كله، أظهرت بعض استطلاعات الرأي الأخيرة دعم ثلثي الشعب الأميركي لزواج المثليين.

تتكون المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة حاليًا من تسعة قضاة (وهو العدد الذي يملك الكونجرس سلطة تغييره)، يقوم بترشيحهم رئيس الولايات المتحدة، ثم ينضمون للمحكمة بعد موافقة الكونجرس في تداخلٍ واضحٍ بين السلطات الثلاث، يهدف، ربما، إلى خلق نوع من التوازن بينها. وليس من قبيل المبالغة القول بأنّ هذه المحكمة هي أخطر مؤسسات الدولة في الولايات المتحدة، إذ إنها، ببساطة، المؤسسة التي تحتكر حق تفسير الدستور الأميركي، ومن ثمّ تقرر مدى دستورية القوانين التي يصدرها الكونجرس نفسه والرئيس المنتخبيْن. تصدر قرارت المحكمة بأغلبية الآراء، ما يعني أنّ بعض القرارات قد تصدر بأغلبية صوت واحد حين يكون التصويت خمسة مقابل أربعة، وهو ما حدث في حالة القرار موضوع هذا المقال. فبينما أيد القرار خمسة قضاة، عارضه أربعة منهم بينهم كبير قضاة المحكمة نفسه.

عند تحليل القرارات التي تصدرها تلك المحكمة والتصويت عليها، يُنظر دائمًا إلى أمرين شخصيين خاصيْن بقضاتها. الأمر الأول هو التوجه الحزبي للرئيس الذي قام بتسمية كل قاضٍ ليكون عضوًا في المحكمة. الأمر الثاني هو الولاية التي ولد فيها كل قاضٍ منهم ونشأ. الافتراض هنا هو أنّ الرؤساء الجمهوريين يختارون قضاة يعكسون نظرة الحزب المحافظة اجتماعيًا وربما دينيًا، بينما يختار الرؤساء الديمقراطيون قضاة ليبراليين وتحرريين نسبيًا. وبالمنطق نفسه، يفترض أن تميل آراء القضاة القادمين من الولايات الشمالية الشرقية في الولايات المتحدة (مثل نيويورك وماساشوستس وغيرهما)، وهي الولايات المعروفة بتحررها النسبي ودعمها للحزب الديمقراطي، إلى توسيع مفهوم الحرية بقدر الإمكان. أما القضاة المنتمون إلى ولايات الوسط الأميركي المحافظة دينيًا واجتماعيًا والداعمة تقليديًا للحزب الجمهوري، فإنهم ينزعون إلى الحفاظ على قيم المجتمع الأميركي الاجتماعية والسعي للحد من إضعافها بدعاوى الحريات الشخصية والعامة.

والواقع أننا لا نلحظ تأثيرًا كبيرًا لمسقط رأس قضاة المحكمة الحاليين على قراراتهم، إذ إنّ أغلبيتهم يأتون من الولايات الشمالية الشرقية (لا سيما نيويورك ونيوجيرسي)، أو من كاليفورنيا، وهي ولاية غربية ولكنها شرقية الهوى والتوجه الحزبي. ولا يوجد سوى قاضٍ واحدٍ فقط من ولايات الوسط الأميركي (جورجيا)، كما يتضح من العرض التالي لأعضاء المحكمة الحاليين:

القاضي جون ج. روبرتس (مواليد 1955 في ولاية نيويورك): كبير قضاة المحكمة منذ عام 2005، حين سماه الرئيس جورج بوش الابن (جمهوري) للمنصب. (رافض للقرار).أنطونين سكاليا (مواليد 1936 في ولاية نيوجيرسي): أحد أكثر قضاة المحكمة إثارة للجدل لتوجهه النصوصي الصارم[1]. رشحه الرئيس رونالد ريغان (جمهوري) للمحكمة عام 1986. (رافض للقرار).أنطوني كينيدي (مواليد 1936 في كاليفورنيا): رشحه ريغان أيضًا عام 1988، وهو، على العكس من سكاليا، من أنصار فكرة "الدستور الحي" الذي يتطور تفسيره باستمرار ليلائم المتغيرات الثقافية والمجتمعية (مؤيد للقرار وكاتب مسودته).كلارنس طوماس (مواليد 1948 في ولاية جورجيا): رشحه جورج بوش الأب (جمهوري) عام 1991. (رافض للقرار). روث بادر جنسبرج (مواليد 1933 في نيويورك): رشحها الرئيس بيل كلينتون (ديمقراطي) عام 1993. (مؤيد للقرار).ستيفن ج. براير (مواليد 1938 في كاليفورنيا): رشحه كلينتون أيضًا عام 1994. (مؤيد للقرار).صاميويل أنتوني أليتو (مواليد 1950 في نيوجيرسي): رشحه الرئيس بوش الابن (جمهوري) عام 2006. (رافض للقرار).سونيا سوتومايور (مواليد 1954 في نيويورك): رشحها الرئيس باراك أوباما (ديمقراطي) للمنصب عام 2009. (مؤيدة للقرار).إلينا كاجان (مواليد 1960 في نيويورك): رشحها أوباما عام 2010. (مؤيدة للقرار).

بالإضافة إلى هؤلاء، ما زال ثلاثة من أعضاء المحكمة المتقاعدين أحياءً، ورشّح هؤلاء الثلاثة للمحكمة ثلاثةُ رؤساء جمهوريون، هم جيرالد فورد وريغان وبوش الأب.

ما نلاحظه جليًا في حالة التصويت لمصلحة قرار المحكمة أو ضده في ما يخص الاعتراف بزواج المثليين هو أثر الانتماء الحزبي للرئيس الذي رشح كل قاضٍ في قرار القاضي. فالقضاة الأربعة الذين عارضوا القرار رشحهم رؤساء جمهوريون (ريغان وبوش الأب وبوش الابن)، بينما أيد القضاة الأربعة الذين رشحهم رؤساء ديمقراطيون (كلينتون وأوباما) القرار، وإن كان كاتب مسودته (القاضي كينيدي) قد رشحه رئيس جمهوري (ريغان). وعلى الأرجح، لم يكن القرار ليمر لو لم يتقاعد القضاة الثلاثة الذين رشحهم رؤساء جمهوريون ليحل محل اثنين منهما قاضيان رشحهما الرئيس الديمقراطي أوباما. بعبارة أخرى، ارتبط القرار بتركيبة المحكمة الحالية، وهي التركيبة التي كان من الممكن أن تكون مختلفة. وقد يكون أكبر دليل على ذلك هو رفض المحكمة نفسها عام 1986 لدعوى أقامها مثليٌ جنسيٌ ضد ولاية جورجيا التي عاقبته لقيامه بفعل "اللواط" المُجرَّم حسب قوانين الولاية، وقد كان هذا الوضع في ولايات أميركية أخرى كثيرة. كما قضت المحكمة نفسها عام 2000 بحق فرق الكشافة في فصل أعضائها الذين يجاهرون بمثليتهم الجنسية. ولكن في عام 2003، تغير الوضع، لتحكم المحكمة نفسها لمصلحة مثليٍّ أقام دعوى ضد ولاية تكساس لمعاقبتها له على "اللواط". وقد كان القاضي كينيدي ممثل الأغلبية في قرار المحكمة آنذاك، كما كان ممثلها في حالات أخرى شبيهة.

على أية حال، استند المصوتون لمصلحة القرار (الذي تقع مسودته في تسع وعشرين صفحة) إلى تأكيد الدستور الأميركي، ولا سيما التعديل الرابع عشر منه، على المساواة بين الأفراد في الحقوق وعدم حرمان أي شخص من حق أو تقييد حريته من دون إجراءات قانونية. كما استند هؤلاء إلى قيمٍ أخرى يعليها الدستور الأميركي، مثل الحق في الحرية المشتملة على الكرامة (dignity). الافتراض هنا هو أنّ عدم الاعتراف بزواج المثليين قد لا يمنعهم من الارتباط العاطفي، ولكنه يشكل تمييزًا ضدهم في منعهم من تقنين تلك العلاقة كما يحدث في حالة الارتباط بين رجل وامرأة، كما أنه ينتهك كرامتهم من حيث رفضه الضمني لشرعية و"طبيعية" ممارساتهم بما يجعلهم طائفة منبوذة تعيش في الظلام. والواقع أنّ الشعب الأميركي يحب النظر إلى تاريخه على أنه يسعى للحرية. فالولايات المتحدة هي البلد الذي يَعِد سكانه بتوفير أكبر قدر من الحرية في تقرير توجهاتهم في مناحي الحياة المختلفة.

قد يدفعنا ما سبق إلى النظر إلى قرار المحكمة الأميركية العليا على أنه يتسق تمامًا مع نظرة الأميركيين لتاريخهم وللفلسفة التي تقوم عليها بلادهم. بيد أنّ ذلك لا يتسق بالضرورة مع حقيقة أنّ هذه الفلسفة لم تمنع الولايات المتحدة من أن تصبح واحدة من أكثر دول العالم الغربي محافظة. تظهر تلك المحافظة في زيادة نسبة الزواج والتردد على الكنائس، على سبيل المثال، في الولايات المتحدة "البروتستانتية" عنها في أغلب أو كل دول أوروبا الغربية، بما فيها الدول الكاثوليكية التي يُفترض أن يكون فيها قدر أكبر من التزام تعليمات الكنيسة الكاثوليكية المحافظة. وليست مفاجأةً أنّ الولايات المتحدة هي الدولة الحادية والعشرون التي تقنّن زواج المثليين، إذ سبقتها في ذلك عشرون دولة أغلبها تنتمي إلى أوروبا الغربية (تأتي ست دول فقط من خارج أوروبا، هي كندا والأرجنتين والبرازيل وأوروجواي وجنوب أفريقيا ونيوزيلندا).

يأتي رفض بعض قضاة المحكمة للقرار (نشر كل منهم حيثيات رفضه بلهجة نقد قاسية) ربما اتساقًا مع هذه الخلفية التي لم يسمح فيها الأميركيون للحرية بالقضاء على بعض القيم والمؤسسات الأساسية، ومنها الزواج الذي يُنشئ الأسرة؛ وهي نواة المجتمع وضامنة ديمومته. أكد على هذه النقطة القاضي روبرتس؛ إذ أشار إلى أنّ الأسرة القائمة على الزواج بين رجل وامرأة شكلت نواة كل المجتمعات البشرية لآلاف السنين، مشيرًا في ذلك إلى حضارات قديمة أفريقية وآسيوية وأميركية. وأشار روبرتس أيضًا إلى أنّ القرار يمثل انتهاكًا للحرية الدينية لمن يرفضون العلاقات المثلية أو يعرِّفون الزواج من منظور عقيدتهم الدينية. كما أشار قضاة آخرون رافضون للقرار إلى أنّ للزواج تعريفًا محددًا متعارفًا عليه، ولا يحق للمحكمة أن تطلق لفظ الزواج على أي علاقة أخرى لا يشملها التعريف المستقر، وهو التعريف الذي كان في ذهن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة ومؤلفي دستورها. يعني قرار المحكمة، كما يقول سكاليا، أنّ الولايات المتحدة كلها لم تفهم التعديل الرابع عشر على الدستور الأميركي منذ إقراره قبل مئة وخمسة وثلاثين عامًا.

قد يكون أهم ما قاله القضاة الرافضون للقرار هو أنه، على عكس ما قد نعتقد، ضربة للديمقراطية في الولايات المتحدة؛ تلك الديمقراطية التي سمحت بحوار مجتمعي جاد حول العلاقات المثلية استمر لعقود وكان يجب أن ينتهي عبر صناديق الاقتراع. من وجهة نظر القاضي سكاليا، استطاع خمسة فقط غير منتخبين من أفراد المجتمع الأميركي (وهم قضاة المحكمة التي ينتمي إليها سكاليا نفسه) من إنهاء ذلك الحوار من خلال إصدار قرار يكون ملزمًا حتى لتلك الولايات التي رفض نوابها المنتخبون تقنين ارتباط المثليين. قد يفسر هذا صرخة القاضي روبرتس في حيثيات رفضه القرار حين يقول: "ماذا، فحسب، نعتقد أننا نكون؟" (Just who do we think we are?). وقد هدّد أحد المحافظين (مايك هوكابي، الحاكم السابق لولاية أركنساس، وهي من ولايات الوسط) بالعمل ضد "الاستبداد القضائي" للمحكمة "الإمبريالية" بعزيمة الكفاح نفسها ضد الإمبريالية البريطانية، وذلك من أجل تعديل الدستور الأميركي بحيث ينص صراحة على عدم جواز زواج المثليين. يأمل الجمهوريون الآن أن يكون الرئيس الأميركي القادم جمهوريًا حتى يكون هو من يرشح قضاة جددًا للمحكمة ليحلوا محل بعض قضاتها الحاليين كبيري السن.

لن تصبح الولايات المتحدة الأميركية بعد قرار المحكمة الدستورية الخاص بزواج المثليين جنسيًا كالولايات المتحدة قبلها، سواء على المستوى الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي. فالقرار إما سيعني بداية هزيمة التيار المحافط في الولايات المتحدة، أو سيدشن فصلًا جديدًا من الصراع بين المحافظين والليبراليين لن تكون مؤسسات الدولة التشريعية والقضائية والتنفيذية بمنأى عنه. بيد أنّ السؤال الذي قد يؤرقنا هنا أساسًا يتعلق بالمنطق ذاته الذي شكّل أساس اعتراض بعض قضاة المحكمة الدستورية الأميركية على القرار، وهو طبيعة مؤسسات الدولة الحديثة ومدى اتساقها أو تعارضها مع فكرة الديمقراطية التي تفترض أنها تحكم عملية تأسيس تلك المؤسسات نفسها وعملها. فإذا كان يعدّ من الديمقراطية أن يستطيع أفراد إحداث زلزالٍ على المستوى الاجتماعي والقيمي لمجتمعٍ كامل، فماذا يقول لنا هذا عن الديمقراطية نفسها؟[2] كما تثير القضية إشكالية حدود حرية الأغلبية، ومتى يمكن للأقلية أن ترفض طغيان الأغلبية بآرائها وقيمها عليها إذا رأت تلك القيم "غير أخلاقية ومدمرة"؟[3] وما هي حدود اجتهاد مؤسسات الدولة المختلفة وحياديتها، وكيف يمكن للمجتمع كبح جماحها أو تحيزاتها؟ هذه كلها قضايا تعيشها المجتمعات الغربية وتتعامل معها بروح نقدية جادة، بينما تصادر في مجتمعات أخرى تحت شعارات براقة مثل "حكم الأغلبية" و"حكم القانون" و"الحرية" و"المساواة" وغيرها. تناقش المجتمعات الأولى وتجرب وتخطأ وتصوّب وتتعلم، بينما تنقسم المجتمعات الثانية دائمًا إلى مؤمنين بالحقيقة المطلقة، على اختلاف أسس تلك الحقيقة وعناصرها عند كل جماعة داخل المجتمع.


[1] لعل سكاليا بمذهبه النصي (textualism) الرافض لما يطلق عليه "روح القانون" والداعي إلى الفصل الكامل بين المشرِّع والقاضي، شديد الشبه بابن حزم الأندلسي ومذهبه الظاهري، ليس في المنطلقات الفلسفية واللغوية ومنهاجية تفسير النصوص فحسب، وإنما أيضًا في علاقته مع المذاهب الأخرى ونقده اللاذع لها وهجومه الحاد عليها. لتفصيل أكبر، انظر الفصل الخامس من:

Amr Osman, The Zahiri Madhhab (3rd/9th–10th/16th Century): A Textualist Theory of Islamic Law (Leiden: Brill, 2014).

[2] يجب أن يأخذ في الاعتبار هنا أنّ قرار المحكمة الأميركية لم يستند إلى دعم أغلبية الأميركيين لزواج المثليين حسب بعض استطلاعات الرأي، وإنما استند إلى تفسير معين للدستور الأميركي.

[3] هذه ألفاظ سكاليا في معرض رفضه لقرار سابق للمحكمة الدستورية لمصلحة زواج المثليين عام 2003.