العنوان هنا
دراسات 05 أكتوبر ، 2016

التأثير الإقليمي والدولي في القضية الكردية في العراق (دراسة حالة 1972-1975)

عماد قدورة

مدير قسم التحرير في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.حاصل على شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط من جامعة سكاريا التركية، وعلى شهادة الماجستير في الدراسات الاستراتيجية من جامعة بونا في الهند. عمل باحثًا ومحررًا أول في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (1998-2012)، وباحثًا في مركز دراسات الشرق الأوسط، والمركز العلمي للدراسات السياسية (1994-1997). نُشر له أربعة كتب، آخرها "تركيا: إستراتيجية طموحة وسياسة مقيدة: مقاربة جيوبولتيكية" (2015). كما نشرت له اثنتا عشرة دراسة محكمة في الدوريات الأكاديمية. تتركز اهتماماته البحثية حول الجيوبولتكس، والعلاقات الدولية، والدراسات التركية.


مقدمة

تعدّ القضية الكردية من القضايا التي حازت اهتمامًا إقليميًا ودوليًا كبيرًا في سياق تنافس القوى منذ بدايات القرن العشرين وحتى الآن. وعلى الرغم من أنّ العلاقات بين الحكومات العراقية المتعاقبة والأكراد قد اتسمت بالتوتر منذ نشأة العراق الحديث في عام 1921، ومرّت بثورات كردية عديدة، فإنّ هذا التوتر قد ظهر فيه تأثير الصراع الإقليمي والدولي بصورة جليّة خلال الفترة 1972-1975 بسبب متغيرات إستراتيجية جوهرية عديدة جرت في المنطقة.

في الواقع، شكّل سياق القضية الكردية منذ نشأتها وحتى الآن علاقةَ تفاعلٍ واستخدامٍ متبادلة بين الأكراد والقوى الإقليمية والدولية؛ أي أنّ هذه القوى لم تستخدم قضية الأكراد كورقة ضغط ومساومة انطلاقًا من مصالحها فحسب، وإنّما أيضًا كانت هناك رغبة لدى القادة الأكراد لاستخدام ورقتهم؛ أملًا في الاستفادة من ظروف تنافس القوى الإقليمية والدولية في المنطقة، وللحصول على الدعم الملائم الذي يمكن أن يعظّم المكاسب الكردية، ولتحقيق المطامح التاريخية بتأسيس كيانٍ كرديٍ يتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلالية أو حتى مستقلٍ تمامًا إن سمحت الظروف بذلك.

ولعل الفترة 1972-1975 تُقدّم نموذجًا من هذا الاستخدام المتبادل، كما أنها قد تعبّر في الوقت نفسه عن النتائج المتكررة التي آلت إليها العديد من الثورات الكردية. فهذه الفترة تُمثّل ذروة ظهور تأثير القوى الدولية والإقليمية في القضية الكردية بسبب دخول الولايات المتحدة منذ عام 1972 في تنافسٍ شديد على العراق مع الاتحاد السوفياتي، وبدئها فعليًا باستخدام القضية الكردية أداةً في هذا الصراع. فبعد أن كان الاتحاد السوفياتي الأكثر انخراطًا ونفوذًا في علاقاته بالحكومات العراقية والأكراد على حدٍ سواء منذ انقلاب عبد الكريم قاسم على الحكم الملكي عام 1958 وطوال الثورة الكردية في الفترة 1961-1970، كانت الولايات المتحدة قليلة الاهتمام بالطرفين بسبب تركيزها على تعزيز علاقاتها الإستراتيجية بحلفائها الإقليميين إيران والسعودية وتركيا وإسرائيل، فضلًا عن انشغالها بحرب فيتنام. ولكنّ، انسحاب بريطانيا من الخليج في نهاية عام 1971، ومحاولة العراق، ومن ورائه الاتحاد السوفياتي، ملء الفراغ في المنطقة وموازنة قوة إيران الإقليمية الموالية للغرب، ثم توقيع معاهدة التعاون والصداقة السوفياتية - العراقية في نيسان/ أبريل 1972، التي كرست النفوذ السوفياتي في العراق وزادت من احتمالات تمدّده في المنطقة، أدى كل ذلك إلى إعادة الولايات المتحدة النظر في سياستها تجاه العراق والأكراد.

وقد مثلت "محادثات طهران" بين شاه إيران والرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في نهاية أيار/ مايو 1972، مرحلةً جديدةً في السياسة الأميركية تجاه العراق في سياق الحرب الباردة، تمثلت بالتمهيد لتقديم الدعم المالي والعسكري للأكراد بناءً على طلب الشاه ومناشدات الملا مصطفى برزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وذلك من أجل إضعاف أو قلب نظام حزب البعث، الذي أصبح عدوًا مشتركًا في سياق التطورات المحلية والإقليمية آنذاك.

وفضلًا عن الهدف الإستراتيجي المتمثل بتقويض النفوذ السوفياتي المتعاظم في العراق والمنطقة، استجابت الولايات المتحدة لمطالب الشاه ومناشدات برزاني بدعم الأكراد لتقويض حكم البعث وإضعاف العراق، بعد قرار تأميم شركة نفط العراق في 1 حزيران/ يونيو 1972 وطرد الشركات النفطية الغربية. ثمّ عززت هذا الدعم في سياق حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، لاستنزاف قدرات العراق ومنعه من المشاركة فيها، ثمّ تقليص تأثيره في محادثات فك الاشتباك بين سورية وإسرائيل في عام 1974. ومن جهة أخرى، حاولت الولايات المتحدة تشجيع ميول رئيس الوزراء العراقي آنذاك صدام حسين بالتقارب مع الغرب منذ عام 1973، ولكنها لجأت أيضًا إلى الأسلوب نفسه عبر زيادة دعم الأكراد من أجل الضغط عليه وتعزيز حاجته إلى سياسة تصالحية مع الغرب وإبعاده عن الاتحاد السوفياتي.

وكما أظهر التأثير الدولي والإقليمي تأثيره الحاسم في قرار الولايات المتحدة دعم الأكراد طوال الفترة 1972-1974، فإنه ظهر مرةً أخرى بصورة معاكسة في عام 1975 عندما تخلت إيران، ومن ثمّ الولايات المتحدة، كليًا، عن دعم الأكراد، إثر توقيع اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران في آذار/ مارس 1975 بهدف إنهاء المنازعات الحدودية ومنع الاعتداءات والتسلل عبر الحدود؛ فتعرّض الأكراد بذلك لهزيمة كبيرة أنهت ثورتهم، وبيّنت بوضوح استخدامهم أداةً في سياق الصراع الدولي والإقليمي.

تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف التأثير المباشر للقوى الإقليمية والدولية في مسار الحركة القومية الكردية، والذي ظهر في أوجه خلال الفترة 1972-1975. كما تهدف إلى تبيُّن مدى تأثير العامل الخارجي في تشجيع الأكراد على الثورة أو في إخمادها، انطلاقًا من المصالح وليس التزامًا بالضرورة بمبادئ مثل دعم حركات التحرر الوطني (سوفياتيًا) أو الحق في تقرير المصير (أميركيًا).

وتعتمد الدراسة على المنهجين التاريخي والتحليلي؛ إذ تسعى لتتبّع واستقصاء الأحداث المتعلقة بالعراق وبالحركة الكردية في الفترة المحددة في الدراسة، وذلك ضمن السياق الإقليمي والدولي إبان الحرب الباردة وتفاعلاتها في هذه الفترة. وتقوم، من ثمّ، بتحليل هذه الأحداث وأسبابها والعوامل المؤثرة فيها، وصولًا إلى تحليل مآلاتها ونتائجها وانعكاساتها على الحركة الكردية.

وتسعى الدراسة لتحقيق أهدافها عبر خمسة محاور؛ إذ يلقي الأول نظرة سريعة ومختصرة على الخلفية التاريخية لثورات الأكراد ودور عائلة برزاني فيها، ومدى تأثير السياقات المحلية والإقليمية والدولية، وذلك لإدراك ماهية الصراع وخلفياته. ويناقش الثاني العوامل المباشرة التي أدت إلى عودة الصراع الكردي مع الحكومة المركزية في بغداد في بداية السبعينيات من القرن العشرين، والأسباب التي أدت إلى تحول السياسة الأميركية إلى دعم الأكراد ما بعد محادثات طهران، وكذلك التحول السوفياتي بدعم الحكومة العراقية كليًا ووقف دعم الأكراد إلى حدٍ بعيد منذ عام 1972. أما الثالث فيتناول التغيرات التي طرأت على السياسة العراقية وسمحت ببداية الانفتاح على الغرب منذ عام 1973، ومواقف الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة إزاء احتمالات هذا التحول. ويناقش الرابع أسباب اندلاع الحرب الكردية بعد رفض قانون الحكم الذاتي لعام 1974 وتأثير سياق الحرب الباردة فيها، لنصل إلى المحور الخامس والأخير مع الظروف الإقليمية التي أدت إلى اتفاقية الجزائر لعام 1975، ومواقف الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي منها، وانعكاس ذلك كله على ثورة الأكراد.