العنوان هنا
دراسات 20 سبتمبر ، 2018

المقاربة الجديدة للقضية الكردية في تركيا

عماد قدورة

مدير قسم التحرير في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.حاصل على شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط من جامعة سكاريا التركية، وعلى شهادة الماجستير في الدراسات الاستراتيجية من جامعة بونا في الهند. عمل باحثًا ومحررًا أول في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (1998-2012)، وباحثًا في مركز دراسات الشرق الأوسط، والمركز العلمي للدراسات السياسية (1994-1997). نُشر له أربعة كتب، آخرها "تركيا: إستراتيجية طموحة وسياسة مقيدة: مقاربة جيوبولتيكية" (2015). كما نشرت له اثنتا عشرة دراسة محكمة في الدوريات الأكاديمية. تتركز اهتماماته البحثية حول الجيوبولتكس، والعلاقات الدولية، والدراسات التركية.


مقدمة

بعد سنوات من رعاية الدولة التركية للتسوية السياسية مع الأكراد عبر التفاوض مع حزب العمال الكردستاني، تخلت الحكومة نهائيًا عن هذه السياسة منذ منتصف عام 2015، بعد أن عادت الحرب مجددًا بينهما. ونتيجة لذلك، بادرت إلى التركيز على نهج جديد يختلف عن المبادرات السابقة كلها.

لقد بدأت الحكومة التركية نهجًا شاملًا؛ وذلك من خلال ثلاث مقاربات: الأولى، تكريس فكرة غياب "المُحاوِر" الكردي الذي يتمتع بصدقية وينشد السلام ويدين العنف، ما يعني التخلي عن فكرة العودة إلى التفاوض مع حزبَي الشعوب الديمقراطي والعمال الكردستاني. والثانية، اتباع مواجهة عسكرية وأمنية شاملة تجاه حزب العمال الكردستاني، واعتماد نهج صارم إزاء حزب الشعوب الديمقراطي، لأنها تراه ذراعًا سياسية للأول. والثالثة، الانفتاح على الأحزاب والحركات الكردية الأخرى سواء المؤيدة للحزب الحاكم أو المعارضة له. وقد اتخذ الخيار الأخير منحىً عمليًا بمحاولة حزب العدالة والتنمية وحكومته إيجاد بديل كردي من خلال إجراءات وسياسات عديدة، منها: تفعيل نشاط الأعضاء الأكراد في الحزب الحاكم لزيادة تمثيل الحزب في محافظات جنوب شرق البلاد، والتنافس مع الأحزاب الأخرى على المحافظين الأكراد المتدينين، وتشجيع الاندماجات والتكتلات بين الأحزاب الكردية القائمة التي يجمع بينها تصورُ حل القضية الكردية في إطار الدولة التركية، والتي ترفض أسلوب حزب العمال الكردستاني وتنافس حزب الشعوب الديمقراطي.

ويدعم موقف الحكومة، أن الزخم الذي اكتسبه حزب الشعوب الديمقراطي في انتخابات حزيران/ يونيو 2015 قد شهد تراجعًا، وظهر ذلك في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، ثم تجلى بصورة أوضح مع تزايد انتقادات الأحزاب والحركات الكردية واليسار التركي له، ومحاولات أحزاب كردية صغيرة الاندماج لتشكيل كتلٍ أكبر، ومحاولات أخرى لمنافسة ذلك الحزب، فضلًا عن سعي حزب العدالة والتنمية لتعزيز قاعدته الانتخابية في مناطق جنوب شرق البلاد من خلال كوادره الكردية، وتوسيع المشاريع الحكومية التنموية في تلك المناطق. كما يسعى الحزب الحاكم عبر المقاربة الجديدة لاستقطاب المحافظين الإسلاميين الأكراد؛ مثل حزب الدعوة الحرة "هدى بار"، وحركة أزادي، وجماعة "مدرسة الزهراء"، ولتشجيع الأحزاب الكردية الصغيرة من أجل زيادة تأثيرها، أو تشجيع الاندماجات والتكتلات بين الأحزاب القائمة مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني-التركي، وحزب المشاركة الديمقراطية، وحزب الحرية الكردي، وحزب الحقوق والحريات "حق"، وحزب الحرية والاشتراكية، والحزب الكردستاني.

ومع أن جهود الحكومة التركية وحزب العدالة والتنمية مستمرة في هذا الشأن، فإنها تواجه تحديات عديدة، منها صغر حجم الأحزاب الكردية الأخرى وعدم تمثيلها في البرلمان، وإثبات حزب الشعوب الديمقراطي قوته نفسها تقريبًا بعد احتفاظه بتمثيله في البرلمان إثر الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة في حزيران/ يونيو 2018.

تسعى هذه الورقة للإجابة عن تساؤلات مهمة منها: هل تساهم هذه المبادرة، في حال نجاحها، في وقف الحرب تمامًا ولجم حزب العمال الكردستاني؟ وهل يمكن إضعاف حزب الشعوب الديمقراطي أو إفقاده تمثيله البرلماني في المستقبل، أم أنه سيبقى يمثل شريحةً واسعةً من الأكراد؟ وهل تكفي القاعدة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية والأحزاب الكردية الأخرى بمحافظات جنوب شرق تركيا لإضعاف حزب الشعوب الديمقراطي؟ وهل هي كافية أيضًا لجعل هذه الأحزاب تُشكّل أكثرية يمكنها التحاور باسم الأكراد وحل قضيتهم؟ وما مدى واقعية هذه المقاربة وما نتائجها حتى الآن؟


* هذه الدراسة منشورة في العدد 33 (تموز/ يوليو 2018) من دورية "سياسات عربية" (الصفحات 22-33) وهي مجلة محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات كل شهرين.

** تجدون في موقع دورية "سياسات عربية" خلال الفترة الحالية من جائحة كورونا جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.